السبت، 2 أبريل 2022

كتاب تصقيل المرآة بشرح مقدمة المشكوة في علم مصطلح الحديث دكتور/عبد الغفور زين الدين القاسمي المليباري


         
------

تصقيل المرآة  بشرح مقدمة المشكوة  في علم مصطلح الحديث
دكتور/عبد الغفور زين الدين القاسمي المليباري
تصقيل المرآة  بشرح مقدمة المشكوة  في علم مصطلح الحديث
تأليف:  الدكتور/عبد الغفور زين الدين القاسمي المليباري
مدرّس بجامعة إحياء السنة الإسلامية، كيرالا، الهند
لجنة إشاعة السنة للطلبة بجامعة إحياء السنة الإسلامية، كيرالا، الهند
اسم الكتاب
:
تصقيل المرآة
بشرح مقدمة المشكوة
Thasqeelul Mira'ath Bi Sharahi
Muqaddimathil Miskath
:
Title of the Book
التصنيف
:
علم مصطلح الحديث
Ilmu Mustalahil Hadeeth
:
Classification
المؤلف
:
د. عبد الغفور المليباري
Dr. O.K. Abdul Ghafoor
:
Author
الناشر
:
لجنة إشاعة السنة للطلبة
جامعة إحياء السنة الإسلامية
كيرالا، الهند
هاتف: 2838915-0483
Ishaathussuuna Students’ Association, Jamia Ihyaussunna.
Kerala, India.
Tel. 0483-2838915
:
Publisher
الصفحات
:
462
462
:
Pages
الطبعة
:
الأولى
First
:
Edition
السنة
:
1433هــ
2012
:
Year
الحقوق
:
محفوظة
Reserved
:
Rights

كلمة الناشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فإنّ الأحاديث النبوية لها أهمية خاصة ومكانة عظيمة حيث إنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، فعلمها أيضا من أهم العلوم شرفا وأبرزها قدرا. ولذا لم يزل الأئمة الأعلام يهتمون بعلم الحديث أشد الاهتمام، حتى بذلوا قصارى جهدهم في بيانه وتدوين مصطلحاته.
ومما لا يدع مجالا للشك أن المقدمة التى صنفها الشيخ عبد الحق الدهلوى في هذا الفن قد الحقت ريشا ذهبيا بتاريخ علم الحديث. لكن الطلبة المبتدئة في العصر الراهن عجزوا عن حل ألفاظه وكشف ما في عميق عباراته. فاقتداءً بخطوات الأئمة الأعلام قد تشرف الأستاذ الفاضل الدكتور/ عبد الغفور زين الدين القاسمي بشرح ألفاظه وكشف معانيه.
وإنا في قمة السرور وغاية الاعتزاز بإصدار هذا الكتاب النفيس، لا نطلب به الا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. ونقدم جزيل الشكر إلى اساتيذنا لإرشاداتهم النفيسة، خاصة لفضيلة المؤلف الذي أحيى لياليه وأسهر عيونه لتحرير هذا الكتاب، ونشكر بصميم قلوبنا من ساعدونا ماديا ومعنويا، جزاهم الله خير الجزاء.
الأمين العام
تحريرا في: 2/2/2012م لجنة إشاعة السنة للطلبة
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
حمدا لمن رفع ذكر حبيبه، فلم يجز ذكره إلا مع ذكر حبيبه، وجعل إطاعته إطاعة حبيبه، فكانتا متفقتين حقيقة، وكان كتابه مبينا بسنة حبيبه، وكان مشكاة دينه مضيئا بقول حبيبه وفعله، وذلك سنته وخبره وحديثه، وذلك في نفسه مقبول إن اتصل سنده وانتقي رجاله، وماكان معلقا او منقطعا او معضلا او مرسلا يوقف حتى يتبين الساقط وصدقه، فلذلك احتاج العمل بالحديث إلى مقدمة وهي المسمى بعلم مصطلح الحديث، وكان أساس كتب الحديث المقروءة في المساجد والكليات والجامعات هو مشكاة المصابيح، ولما جاء العالم البحر الحبر محي العلوم الشرعية من التفسير والخبر مجدد القرن الحادي عشر الشيخ عبد الحق الدهلوي جعل رسالة وجيزة مقدمة لدرس المشكاة فاشتهر بإسم مقدمة المشكاة ، وكان كل من يقرأ المشكاة يقرأ تلك المقدمة حتى ظن انها من المشكاة ، ولإزالة هذا الظن لا يقرأ شيخنا العالم العلامة المحقق المدقق ميران كوتي الكيفتي جعل الله الجنة مأواه وأفاض علينا من علمه ورضاه، لكن لا ينكر نفعها في قراءة المشكاة وغيرها من كتب الحديث بيد أنها وجيزة تحتاج إلى شارح ومتمم ، فتصدى لذلك الفاضل الدكتور العالم الوقور الشيخ عبد الغفور صان الله ورقاه ابن الشيخ العالم العلامة رئيس المدرسين شرف المحققين أستاذ الأساتيذ والعالمين شيخنا زين الدين بن على حسن الاودكلي أفاض ربنا علينا من علومه وبركاته وأسكنه روضات جناته ـ فشرح وبسط وتمم وكمل كما يليق بالفن والكتاب والمقدمة ، فجاء سعيه شرحا وافيا بالمقصود كافلا بالمطلوب نافعا للمدرسين والطالبين والمطالعين، اللهم تقبل منه هذا العمل الثمين وارزقه علما نافعا وفهما تاما وحفظا واسعا، ارجو من الله النفع به للمؤلف والطابع والمدرس والطالبين ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .
بقلم فضيلة الشيخ العلامة سليمان بن احمد
عميد كلية إحياء السنة، بمخدوماباد، كيرالا، الهند
بِسْمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مـِنَ الْمُسْلِمِيــنَ
(سورة الأحقاف: 15)
أهْلُ الحَدِيثِ هُمُ صَحْبُ النَّبِيِّ وإنْ لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أنْفَاسَهُ صَحِبُوا
مقدمـة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض،
وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير.
اللهم صلّ علي محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد:
فيسرّني ويسعدني أن اضع بين أيديكم هذا الشرح المتواضع، عملته لكتاب مقدمة المشكوة في علم مصطلح الحديث للإمام العلامة المحدّث الفاضل عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي المتوفي سنة 1052هـ
وإنه هو أوّل من نشر علم الحديث في ربوع الهند، تدريسا وتصنيفا، وتعليما وتأليفا. وقد صنّف في هذا الفنّ و غيره كتبا كثيرة مفيدة نافعة، وقد شرح لمشكوة المصابيح للإمام العلامة محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي المتوفى سنة 741هـ، شرحا متينا ممتعا، وسماه لمعات التنقيح، وكان ذلك من أجلّ وأعظم وأطول وأكبر تصنيفاته. وقد ذكر في مقدمة شرحه ملخصا عن علم مصطلح الحديث، وهو الذي يعرف حاليا بمقدمة المشكوة.
وهذه المقدمة في علم مصطلح الحديث مشهورة منتشرة وشائعة ذائعة في شبه القارة الهندية. وهو كتاب مقرّر في المنهج الدراسي لدروس المساجد والمعاهد الدينية والجامعات الإسلامية في بلاد الهند عاما وفي ديار مليبار خاصا..
وهو كتاب حجمه صغير بل أصغر، ولكن نفعه كبير حيث احتوى على كثير مما يتعلق بهذا الفنّ، ولكن بصورة موجزة ملخصة ومختصرة جدا، حتى يشق على الدارس فهمه، ويصعب على المدرّس تفهيمه .
وقد عمل عليه بعض الأفاضل الشروح والحواشي، لكن لا يسمن ولا يغني من جوع، فأردت أن اشرحه شرحا يسهّل فهمه، ويزيل خفاءه، ويحلّ مغلقه، ويفتح مقفله، ويبين معناه، ويوضح مراده، ويفصّل مجمله، ويضيف ما أهمله، حتى يستفيد منه الدارس والمدرّس والباحث على حدّ سواء.
منهجي في هذا الشرح
اتبعت في هذا الشرح المنهج الآتي:
1- جعلته شرحا مزجيا حتى يسهل تناوله للقرّاء بدون رجـوع إلى موضع آخر في طلب المتن أثناء القراءة .
2- ذكرت الإعراب والتركيب إذا كان هناك أيّ خفاء في تركيب عبارة المتن.
3- بيّنت معاني الألفاظ الغريبة والكلمات الغامضة الواردة في المتن، بالاعتماد على كتب اللغة والمعاجم وغيرها.
4- بيّنت المعاني اللغوية للكلمات الاصطلاحية مع ذكر العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
5- فصّلت ما أجمله المصنف بعبارة سهلة واضحة حتى يتبيّن مراده ويتضح.
6- أتيت بمثال لكلّ قاعدة ومسئلة حيث أهمله المصنّف.
7- زدت وأضفت فيه عدّة مباحث لم يذكرها المصنّف، ولم يتعرض إليها.
8- وضعت لكلّ مسئلة ومبحث عنوانا خاصا يدلّ عليه حتى يسهل التناول لكلّ قارئ وناظر.
9- قدّمته بملخّص من نشأة علم مصطلح الحديث وتطوّره حتى يكون القارئ على بصيرة بمسيرة هذا الفنّ.
10- قدّمته أيضا بموجز من ترجمة صاحب مقدمة المشكوة، الشيخ عبد الحق الدهلوى وآثاره، حتى يتعارفه القارئ ويعرف قدره، لأنّ قدر المصنِّف يدلّ على قدرالمصنَّف.
11- قدمته أيضا بذكر مبادئ علوم الحديث حتى يحصل الدارس على تصوّر إجمالي عن هذا الفن قبل الشروع فيه.
12- ذكرت في الهامش تراجم الأعلام المذكوريـن في المتن موجزا، بالإشارة إلى بعض مراجعها.
هذا ، وإني تصدّيت لهذا مع قصور علمي وقلة باعي ومع إقراري بعدم أهليّتي له، لأني أحبّ هذا الفنّ وأهله كثيرا، وذلك بحبّ قلبي لقرّة عيني محمد صلّى الله عليه وسلم، حيث إنّ المقصود من هذا الفنّ هو ذبّ الكذب عنه، والدفاع عن ملته.
وما وقع في هذا الشرح من أخطاء وزلات وإفراط وتفريط، فذلك من قصوري ونقصاني، وقلة معرفتي وعدم أهليتي، فالرجاء ممن عثر عليها أن يخطرني بها حتى اسدّدها بتوفيق الله وسداده.
واتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عملي هذا إلى حيّز القبول، وأن يضعه في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الدكتور عبد الغفـور المليباري
تحريرا في: 1/2/2012م جامعة إحياء السنة الإسلامية، كيرالا، الهند
علم مصطلح الحديث نشأته وتطوره
إنّ علم مصطلح الحديث يحتل مكانة مرموقة، وقمة عالية، ورتبة أولية، في فضله وشرفه وقدره وفخره وعظمته. يحتاج ويفتقر ويضطرّ إليه كلّ من يريد ممارسة الحديث ومعرفته ودرايته مميّزا بين صحيحه وسقيمه وأصيله ودخيله.
الحديث هو نور صدر من مشكاة النبي صلى الله عليه وسلم، بيانا وتبيانا لكتاب الله العزيز المنـزّل، الفارق بين الحق والباطل، و قال تعالى: "إنا أنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم"[1]
فالحديث هو بيان وإيضاح وتفسير وتفصيل للقرآن الكريم.
فلا يتصور فهم القرآن ومعرفة ظاهره وباطنه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيّده،
وناسخه ومنسوخه، وما إلى ذلك إلا بمعرفة الحديث.
ومن ناحية أخرى: انّ القرآن يأمرنا بأخد الحديث والعمل به، والتمسك والاعتصام به، وقال تعالى: " وما ءا تاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"[2]
فالامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه هو الطاعة لله في الواقع والحقيقة، فلا يتحقق طاعة الله إلا بطاعة حبيبه ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله"[3]
فالقرآن والحديث متلازمان، لا ينفك واحد عن آخر، ولا تتم دراسة واحد إلا بدراسة الآخر، كما لا يتم الدفاع عن واحد إلا بالدفاع عن الآخر.
ولذا اهتم علماء الدين بالحديث النبوي اهتماما بالغا، واعتنوا به اعتناء كبيرا.
وقد دافعوا عنه أشدّ الدفاع، وشدّدوا في شروط الرواة وأخذ الحديث وروايته، منذ أن وقعت الفتن بين المسلمين وظهر أهل البدع والأهواء، فكانوا لا يأخذون الحديث إلا من أهل الحق والصدق والصلاح.
وقد روى الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه بسنده عن التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله، قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخد حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم[4].
وقد ظهر في كلّ عصر من العصور مبتدعة وزنادقة، يشوّهون الحق ويخلطونه بالباطل، ويعكرونه ويمزجونه بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
كم من أحاديث موضوعة، وكم من آثار مخترعة، وكم من أخبار مصنوعة، وضعها واخترعها وصنعها المبتدعة والزنادقة، ثم تلقاها الجهلة وبعض المتساهلين والمتصوفة، فرووها وأوردوها في كتبهم، وأدخلوها وأدرجوها في برامجهم، بدون تميـيز بين حقها وباطلها، وأصيلها ودخليها، ومقبولها ومردودها.
فقيّض الله تعالى المحدّثين الجهابذة من هذه الأمة في كلّ عصر، لتصليح ما شوّهوه وتطهير ما عكروه، فقاموا بواجباتهم تجاه الحق تعالى، فدافعوا عن دينه عامة وعن سنة نبيه وحبيبه خاصة، فميّزوا من الحديث زائفه ومرفوضه، ومزوّره ومردوده، ووضعوا ضوابط وقواعد واصطلاحا، ومعيارا ومقياسا وأصولا، للتمييز بين صحيحه وحسنه وضعيفه ومتروكه وموضوعه وما إلى ذلك، وهذا هو المعني بعلم مصطلح الحديث.
وأوّل من ألف في اصطلاح الحديث – كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في مقدمة شرح النخبة – هو العلامة الحافظ، الإمام البارع، القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، المتوفي في حدود سنة 360 هـ، فعمل كتابه المشهور المسمىّ بالمحدّث الفاصل بين الراوي والواعي، ولكنه لم يستوعب ولم يستغرق أنواع هذا الفنّ.
ثم يأتي الإمام الحافظ العلامة الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، صاحب كتاب المستدرك، المتوفي سنة 405 هـ، فصنّف كتابه الشهير المسمىّ بمعرفة علوم الحديث، وذكر فيه اثنين وخمسين نوعا من هذا الفنّ، ولكنه لم يهذّب ولم يرتّب كما ينبغي. وقال في مقدمته مشيرا إلى داعية تأليفه: "إني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث مما يحتاج إليه طلبة الأخبار، المواظبون على كتابة الآثار، واعتمد في ذلك الاختصار، دون الإطناب والإكثار"[5]
وتلاه الإمام الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصفهاني، صاحب كتاب حلية الأولياء، المتوفي سنة 430 هـ فعمل على كتاب الحاكم مستخرجا، وأضاف إليه كثيرا، ولكنه أيضا لم يستوعب، بل أبقى أشياء و تركها لمن يأتي بعده.
ثم جاء بعدهم الخطيب الحافظ الكبير، الإمام أبو بكر أحمد بن علي البغدادي المتوفى سنة 463 هـ ، فصنّف كتابا في قوانين الرواية وسمّاه بالكفاية ، وكتابا في آداب الرواية، وسمّاه بالجامع لآداب الشيخ والسامع ، وقلّ مِن أنواع علم الحديث إلا وقد صنّف فيه هذا الخطيب الجليل كتابا مفردا، ككتابه المؤتلف والمختلف، ومقلوب الاسماء، واسماء المدلّسين، و مبهم المراسيل، والمسلسلات، وغيرها. ولذا، انّ كلّ من أنصف علم أنّ المحدّثين بعده كلهم عيال عليه.
ثم جاء مَن تأخّر عن الخطيب ممن أخذ نصيباً من هذا الفنّ فألّف فيه، فجمع الحافظ الإمام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى المتوفى سنة 544 هـ كتابا لطيفا سمّاه الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع. وصنّف الإمام الحافظ أبو حفص عمرو بن عبد المجيد الميانجي المتوفى سنة 579 هـ كتابا سمّاه ما لا يسع المحدّث جهله.
ثم كثر التصنيف في هذا الفنّ بين صغير وكبير، ومختصر ومبسوط، إلى أن جاء الفقيه الحافظ للسنّة، الإمام العلامة تقي الدين أبو عمرو عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن الشافعي المعروف بابن الصلاح ، المتوفى سنة 643 هـ، فجمع لما ولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية بدمشق ، كتابه في علم الحديث ، المشهور بمقدمة ابن الصلاح ، فهذّب أنواعه وأقسامه ، وأملاه شيئاً بعد شيء لتلاميذه في تلك المدرسة ، فذكر خمسة وستين نوعا من هذا الفنّ.
وقد اعتنى الإمام ابن الصلاح رحمه الله بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضمّ وأضاف إليها فوائد من غيرها ، فاجتمع في كتابه ما تفرّق وتشتّت في غيره، فلهذا عكف الناس عليه تعلّما وتعليما، وتدريسا وتحقيقا، وإيضاحا وتقييدا، واختصارا وتنظيما.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: " لا يحصى كم من ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر"[6]
فاختصره جماعة، منهم:
1- الإمام الفقيه الحافظ العلامة القدوة أبو زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676هـ عمل مختصرا له، وسماه الإرشاد إلى علم الإسناد، ثم اختصر أيضا وسمّى مختصره التقريب. وقال في مقدمة التقريب: "هذا كتاب اختصرته من كتاب الإرشاد الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن أبى عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه، أبالغ فيه في الاختصار من غير إخلال في المقصود"[7].
2- قاضي القضاة بالديار المصرية، الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي المتوفى سنة 733 هـ، سمّى مختصره المنهل الروي في الحديث النبوي.
3- العلامة الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير المتوفى سنة 774 هـ اختصره وأضاف إلى مختصره بعض الفوائد، فقال في مقدمته: " لما كان علم الحديث من أهم العلوم وأنفعها أحببت أن أعلق فيه مختصرا نافعا جامعا لمقاصد الفوائد ومانعا من مشكلات المسائل الفرائد، وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة أبو عمرو بن الصلاح – يغمده الله برحمته – من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن، وربما عني بحفظه بعض المهرة من الشبان، سلكت وراءه، واحتذيت حذاءه، واختصرت ما بسطه ونظمت ما فرطه، وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري شيخ المحدثين، وأنا – بعون الله – أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ أبي بكر البيهقي المسمّى بالمدخل إلى كتاب السنن"[8].
4- الإمام العلامة الحافظ الفقيه، سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن البلقيني الشافعي المتوفى سنة 805 هـ، سمّى مختصره محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح.
وممن صنّف مختصرا في هذا الفنّ:
1- الإمام الحافظ العلامة الفقيه تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي، المعروف بابن دقيق العيد المتوفي سنة 703 هـ، وسماه الاقتراح في بيان الاصطلاح.
2- والعلامة أبو محمد الحسين بن عبد الله الطيبي المتوفى سنة 743 هـ ، وسماه خلاصة في معرفة الحديث.
3- والإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748 هـ وسماه الموقظة.
4- والامام الفقيه الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المشهور بابن الملقن، المتوفي سنة 804 هـ وسماه الكافي ، وله كتاب آخر فيه وسماه المقنع.
5- والعلامة السيد الشريف أبو الحسن على بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي المتوفى سنة 816 هـ، عمل فيه مختصرا وسماه مختصر جامع لمعرفة علوم الحديث.
وقد ألف الحافظ الإمام زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسن العراقي الشافعي المتوفى سنة 806 هـ كتاب التقييد والإيضاح على كتاب ابن الصلاح، فقيّد مطلقه، وفتح مغلقه، وأورد إيرادات المخالفين عليه وناقش عنها، فأحسن وأجاد، وأتقن وأفاد.
قد لخّص الحافظ العراقي أيضا كتاب ابن الصلاح وزاد فيه، وجعله منظوما، فهي أرجوزة تشتمل على ألف بيت، فأنشد في مقدمتها:
لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَه وَزِدْتُهَا عِلْماً تَرَاهُ مَوْضـِعَـه
ثم عمل الحافظ العراقي هو نفسه شرحا على ألفيته، فأوضح مشكلها وفتح مقفلها، وسماه فتح المغيث، أتمه سنة 771 هـ ، ثم شرحها بشرحين مطول ومختصر.
وقد كتب "النكت" على مقدمة ابن الصلاح كلّ من الحافظ الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفي سنة 794 هـ ، والحافظ الإمام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ، فكلّ منهما أفاد وأجاد، وأتى بالفوائد.
وقد لخّص الحافظ ابن حجر العسقلاني هذا الفنّ في أوراق لطيفة وسماه نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ثم شرحه هو نفسه شرحا وجيزا جليلا، وسماه نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، وقد تلقاهما العلماء بالقبول، وعكفوا عليهما، وكتبوا عليهما الشروح والحواشي كثيرا. وقد نظّم جماعة نخبة الفكر، حتى نظمها وشرحها بعض معاصريه، كالعلامة كمال الدين أبي عبد الله محمد بن الحسن الشمني المتوفى سنة821 هـ
ثم يأتي دور تلاميذ الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله :
1- ولده العلامة محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، عمل شرحا على نخبة الفكر وسماه نتيجة النظر في شرح نخبة الفكر.
2- العلامة الحافظ المفسر برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي المتوفى سنة 855 هـ عمل حاشية على شرح الألفية للعراقي وسماها النكت الوفية بما في شرح الألفية.
3- العلامة زين الدين أبو العدل القاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة 876 هـ، عمل شرحا لنخبة الفكر لابن حجر، و حاشية على شرح ألفية العراقي.
4- والإمام العلامة الفقيه شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي المتوفى سنة 925 هـ شرح ألفية العراقي شرحا متينا، وسماه فتح الباقي على ألفية العراقي.
5- والإمام الحافظ العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي المتوفى سنة 902 هـ شرح الألفية أيضا شرحا مبسوطا مفيدا واضحا، وسماه فتح المغيث بشرح ألفية الحديث.
ثم يأتي الإمام الحافظ العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة 911 هـ فشرح شرحا كافيا وشافيا لكتاب التقريب للإمام النووي وسماه تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ، فأودع فيه كثيرا من المعلومات النفيسة المتعلقة بهذا الفنّ ، ونظم أيضا أرجوزة الألفية في علم الحديث وأنشد في مقدمتها :
وَهـذهِ ألفيّــة تحْكي الدّرَر مَنْظومَة ضَمّنْتهَا علمَ الأثـر
فَائِقـةً ألفيـّة العِـرَاقِــي في الجَمْع وَالإيجَاز واتّسَـاقِ
وأيضا من مصنفاته في هذا الفنّ: البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر، وقطر الدرر في شرح نظم الدرر في علم الأثر للعراقي، وغير ذلك.
ثم يأتي دور علماء الهند وجهودهم في هذا المجال، فبعد القرن العاشر الهجري ظهر جمع من المحدثين في شبه القارة الهنديه، اهتموا بعلم الحديث اهتماما بالغا، واعتنوا به اعتناء كبيرا، ودرّسوا الحديث وعلومه، وصنفوا في هذا الفنّ كتبا مفيدة نافعة.
وكان أوّل من نشر علم الحديث في الهند هو الإمام العلامة المحدّث الفاضل عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي المتوفي سنة 1050 هـ ، وقد صنف في علم مصطلح الحديث ، وتلقاه منه تلاميذه، ونشروه في ربوع الهند.
ورسالته في علم مصطلح الحديث المعروفة حاليا بمقدمة المشكاة مشهورة شائعة ذائعة في جميع أنحاء الهند والبلاد المجاورة لها، وما من عالم في الهند حاليا إلا وتعلّم هذه المقدمة في علم مصطلح الحديث.
ثم الإمام المحدّث العلامة شاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي المتوفى سنة 1176هـ والعلامة المحدث الشيخ خليل أحمد السهاربنوري، صاحب كتاب بذل المجهود في حل سنن أبي داود، المتوفى سنة 1346 هـ والعلامة المحدّث الكبير محمد أنور شاه الكشميري المتوفى سنة 1352 هـ وغيرهم من المحدّثين الأجلاء قدموا خدمات جليلية في هذا المجال تصنيفا وتدريسا.
وكان من أجل الكتب المصنفة في الهند في علم مصطلح الحديث كتاب ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني، ألفه العلامة الفاضل أبو الحسنات عبد الحيّ بن عبد الرحيم اللكنوي المتوفي سنة 1304 هـ
وممن صنّف في هذا الفنّ بعد القرن العاشر:
1- العلامة ملا عليّ القاري بن سلطان محمد الحنفي المتوفى سنة 1014 هـ عمل شرحا على شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني، وسماه مصطلحات أهل الأثر على شرح نخبة الفكر.
2- الشيخ محمد عبد الرؤوف المناوي، المتوفى سنة 1029 هـ عمل أيضا شرحا على شرح النخبة، وسماه اليواقيت والدرر في شرح شرح نخبة الفكر.
3- الشيخ عمر بن محمد بن فتوح البيقوني الدمشقي الشافعي المتوفى سنة 1080هـ، عمل منظومة تُعرف بالبيقونية في علم المصطلح، ووضع الناس عليها شروحا عديدة، فمنها شرح الشيخ محمد نشابة، وسماه البهجة الوضية شرح متن البيقونية. وشرح الشيخ محمد بن صعدان الشهير بجاد المولى الشافعي المتوفى سنة 1229هـ وشرح الشيخ محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المتوفى سنة 1122هـ وغيرها.
4- العلامة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي المتوفى سنة 1338 هـ ألف كتابا في هذا الفنّ وسماه توجيه النظر إلى أصول الأثر.
هذا وقد ذكرت أعلاه جانبا فقط من جوانب تطوّر هذا الفنّ، ونموذجا فقط من الكتب المصنفة فيه، وهناك كثير من المصنفات فيه قديما وحديثا، لم أذكرها ولم اتعرض إليها في هذه العجالة، تجنبا عن الإطالة.
ترجمة الإمام عبد الحق الدهلوي
(مصنف مقدّمة المشكوة في علم مصطلح الحديث)
هو الإمام العلامة المحدّث الكبير، الشيخ عبد الحق بن سيف الدين بن سعد الله الدهلوي.
ولد رحمه الله سنة 958 هـ بمدينة دلهي بالهند ، وتعلم من والده القراءة والكتابة والإنشاء والنحو والصرف وغيرها من مبادئ العلوم، ثم التحق بمدرسة دلهي على بعد ميلين من منـزله، وأخذ عن أساتذتها سائر العلوم والفنون.
وكان دائم الاشتغال مكباً على المطالعة في دياجير الليالي حتى أنه قد احترقت عمامته غير مرة بالسراج الذي كان يجلس أمامه للمطالعة فما كان يتنبه له حتى تتصل النار ببعض شعره.
وفي السابع وثلاثين من عمره قطع حبائل المحبة عن الأهل والدار وسافر عن بلاده، فلما وصل إلى بلد أجين أقام بها زمانا، وهيّأ له ميرزا عزيز الدين بن شمس الدين الدهلوي أمير تلك الناحية الزاد والراحلة، فسافر إلى أحمداباد وأقام بها زمانا، وأدرك الشيخ وجيه الدين بن نصر الله العلوي الكجراتي وأخذ عنه بعض أذكار الطريقة القادرية وأشغالها.
ثم سافر إلى الحجاز، فأقام بمكة المكرمة زمانا، والمدينة المنورة زمانا، وحج مرارا.
أخذ الحديث بمكة عن الشيخ عبد الوهاب بن ولي الله المتقي، وقرأ عليه مشكاة المصابيح وأخذ عنه أيضا آداب الذكر وأوضاعه وتقليل الطعام وآداب الخلوة، ولبس منه الخرقة الصوفية. ولازمه واستفاد منه فوائد كثيرة.
وأخذ أيضا بمكة عن القاضي علي بن جار الله بن ظهيرة المكي، وبالمدينة المنورة عن الشيخ أحمد بن محمد أبي الحزم المدني، والشيخ حميد الدين بن عبد الله السندي المهاجر، وأجازوه إجازة عامة وأثنوا عليه كثيرا.
ثم رجع إلى الهند، وأقام بدلهي اثنتين وخمسين سنة، ونشر العلوم لا سيما الحديث الشريف وعلومه بحيث لم يتيسر مثله لأحد من العلماء السابقين في ديار الهند.
قال العلامة القنوجي في الحطة بذكر الصحاح الستة: "إنّ الهند لم يكن بها علم الحديث منذ فتحها أهل الإسلام، بل كان غريبا كالكبريت الأحمر، حتى منّ الله تعالى على الهند بإفاضة هذا العلم على بعض علمائها، كالشيخ عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي المتوفي سنة 1052هـ وأمثالهم ، وهو أوّل من جاء به في هذا الإقليم، وأفاضه على سكانه في أحسن تقويم."
وكان حنفي المذهب، ومتعصبا فيه، وصوفيا غاليا في التصوف واعتقاد الأولياء.
وإنه درّس وأفتى وصنف وشرح الكتب ونقل معانيها إلى الفارسية، وتصانيفه كثيرة حتى بلغت مائة مجلد. ومنها:
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح ، و أسماء الرجال والرواة المذكورين في المشكوة ، و تأليف القلب الأليف بكتابة فهرست التآليف، وأشعة اللمعات في شرح المشكاة - شرح فارسي في أربع مجلدات ، وجامع البركات في منتخب شرح المشكاة، و مدارج النبوة ومراتب الفتوة في سير النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وأخباره بالفارسية في مجلدين، و مطلع الأنوار البهية في الحلية الجلية النبوية، و إجازات الحديث في القديم والحديث، و اسماء الأساتذة، وفصول الخطب لنيل أعالي الرتب، وتنبيه العارف بما وقع في العوارف في باب إخلاص الصوفية، وطريق الإفادة في شرح سفر السعادة للفيروزابادي، وجذب القلوب إلى ديار المحبوب- وهو تاريخ المدينة المنورة بالفارسية، وزبدة الآثار منتخب بهجة الأسرار في مناقب الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني، وشرح فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني وسماه مفتاح الفتوح لفتح أبواب النصوص، والأنوار الجلية في أحوال المشايخ الشاذلية، وزاد المتقين في سلوك طريق اليقين، و أخبار الأخيار في أحوال الأبرار من أهل هذه الديار، و ذكر الملوك في أخبار سلاطين الهند، وتحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة في إثبات البشارة بالجنة لغير الأصحاب المشتهرين بالعشرة المبشرة، والأحاديث الأربعين في أبواب علوم الدين، و ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين، والمطلب الأعلى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، و ترغيب أهل السعادات على تكثير الصلاة على سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم، و الأجوبة الإثنا عشر في توجيه الصلاة على سيد البشر، وتحقيق ما ثبت بالسنة من الأعمال في أيام السنة، والرسالة النورية السلطانية في بيان قواعد السلطنة وأحكامها وأركانها وأسبابها وآلاتها - صنفها للسلطان نور الدين جهانكير بن أكبر شاه، و آداب الصالحين - وهو ملخص من كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ، ومرج البحرين في الجمع بين الطريقين - وهي رسالة في توقيف الشريعة والطريقة، وتكميل الإيمان وتقوية الإيقان في العقائد، و تحصيل التعرف في معرفة الفقه والتصوف، و توصيل المريد إلى المراد ببيان أحكام الأحزاب والأوراد، و تسلية المصاب لنيل الأجر والثواب في الصبر، و شرح الصدور بتفسير آية النور، و الدر الفريد في بيان قواعد التجويد، و البناء المرفوع في ترصيص مباحث الموضوع في المنطق، والدرة البهية في اختصار الرسالة الشمسية في المنطق، وشرح الشمسية، و حاشية الفوائد الضيائية واتباع الهوى الصبائية، والأفكار الصافية في ترجمة كتاب الكافية، ومنظومة في آداب المطالعة والمناظرة، و نكات العشق والمحبة في تطييب قلوب الأحبة، ونكات الحق الحقيقة من باب معارف الطريقة، وصحيفة المودة، أرجوزة في المكاتبات إلى أقاربه وأحبائه، و حسن الأشعار في جمع الأشعار، و إرسال المكاتيب والفضائل إلى أرباب الكمال والفضائل – وهو مجموع رسائل يتضمن أكثر من ستين رسالة، وفتح المنان في تأييد مذهب النعمان - كتاب ضخم لـه في الفقه والحديث، وترجمة زبدة الآثار المنتخب من بهجة الأسرار- ترجمه من العربي إلى الفارسي، و رسالة في أقسام الحديث، و رسالة في ليلة البراءة، ورسالة في أسرار الصلاة، ورسالة في عقد الأنامل، ورسالة في آداب اللباس، و رسالة في الرد على بعض أقوال الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي، ورسالة في مبحث الوجود، ورسالة في الوظائف، و رسالة في وصاياه، وغير ذلك.
توفي رحمه الله يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وألف بدار الملك بدهلي فدفن بها[9]
مبادئ علوم الحديث
يحسن لكل دراسِ علمٍ من العلوم أن يعرف مبادئ ذلك العلم قبل الخوض فيه ليحصل على تصور إجمالي عنه قبل الشروع فيه، وليكون على بينة من أمره في دراسته. وإنّ علم الحديث ينقسم إلى قسمين:
علم الحديث دراية
علم الحديث رواية
فإليك مبادئ كلّ من هذين القسمين.
أولا: مبادئ علم الحديث دراية:
اسمه: علم الحديث دراية، أو علم مصطلح الحديث.
تعريفه: علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد.
موضوعه: الراوي والمروي والرواية من حيث القبول والرد.
ج
ثمرته: معرفة ما يقبل وما يرد من الأحاديث.
شرفه: هو من أشرف العلوم، إذ يعرف به المقبول والمردود من الأحاديث
نسبته: التباين الكلي بالنسبة إلى العلوم الأخرى، لإختلاف موضوعـه عن غيره
واضعه: القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، المتوفى في حدود سنة 360 هـ، لأنه هو أول من ألّف فيه.
8- حكمه: الفرض الكفائي، لتوقف معرفة المقبول والمردود من الأحاديث عليه
9- استمداده: من أحوال متن الحديث ورواته وروايته وتتبع تلك الأحوال.
10- مسائله: القضايا الكلية المتعلقة بأحوال السند والمتن، كقولهم: كل حديث
موضوع تحرم روايته إلا مقرونا ببيان حاله.
ثانيا: مبادئ علم الحديث رواية:
اسمه: علم الحديث رواية
تعريفه: علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
موضوعه: ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته.
فائدته: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، واستنباط الأحكام الشرعيه من أقواله وأفعاله وتقريراته
شرفه: لما كان التابع بشرف المتبوع كان هذا العلم أشرف العلوم لتعلقه بأشرف المرسلين صلى الله عليه وسلم، ولأنه الأصل الثاني من أصول الشريعة بعد كتاب الله تعالى.
نسبته: التباين الكلي بالنسة إلى العلوم الأخرى، لأنه ينفرد بموضوعه عنها.
واضعه: أول من جمع الحديث هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة 124هـ، كما حققه جمهور المحققين.
حكمه: الفرض الكفائي.
استمداده: من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته.
10- مسائله: قضاياه المبحوث فيها عن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله
وتقريراته وصفاته.
11- غايته: الفوز بسعادة الدارين، إذ به يتم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم
والعمل بشريعته وينتظم به أمر الدين والدنيا.
معرفة الحديث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمْ
مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحَدِيثِ مِمَّا يَكْفِي فِي شَرْحِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ وَإِطْنَابٍ، اِعْلَمْ أََنَّ الْحَدِيثَ فِي اصْطِلَاحِ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ يُطْلَقُ عَلَي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ
الحديث لغة واصطلاحا:
(اعلم) أيها الطالب (أنّ الحديث) في اللغة هو الجديد، فهو "ضد القديم"[10]، ويطلق أيضا على الكلام "لأنه يحدث منه الشيء بعد الشيء"[11]
و(في اصطلاح جمهور المحدّثين) يطلق الحديث على ثلاثة معان:
فالأوّل هو المعنى الخاص: فلفظ الحديث (يطلق على قول النبي صلى الله عليه وسلم) من أمر أو نهي أو دعاء أو إخبار أو غير ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات - متفق عليه[12] ( و) على (فعله) كحديث حذيفـة رضي الله عنه قال: أتى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم سباطة قوم فبال قائما- متفق عليه[13]، (و) على (تقريره) يقال قرّره تقريرا وأقرّه إقرارا، وكلاهما بمعنى واحـد أي أثبته.
وَمَعْنَى التَّقْرِيرِ أَنَّهُ فَعَلَ أَحَدٌ أَوْقَالَ شَيْئًا فِي حَضْرَتِهِ صَليَّ الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ سَكَتَ وَقَرَّرَ.
(ومعنى التقرير) في الاصطلاح: (أنه فعل) شيئا (أحد) سواء كان صحابيا أو كافرا (أو قال شيئا في حضرته صلىّ الله عليه وسـلّم) ورأى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ذلك الفعل واطلع عليه أو سمع ذلك القول (ولم ينكره ولم ينهه) والضمير المنصوب فيهما يرجع إلى أحد (عن ذلك) الفعل أو عن القول (بل سكت) عليه (وقرّر) ذلك أي سكت عليه النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم بحيث يدلّ سكوتـه على إقراره على ذلك الفعل أو القول، لأنّ السكوت قد يدلّ على الإقرار فيتعدى بحرف "على"، فيقال سكت عليه أي أقرّه، وقد يدلّ على عدم الإقرار فيتعدى بحرف "عن" فيقال سـكت عنه أي لم يقرّه.
فالمراد هنا بالسكوت هو الأوّل، ولذا عطف المصنف عليه قوله "قرّر" لبيان المراد.
فمثال تقريره صلىّ الله عليه وسلّم على الفعل هو ما رواه زارع رضي الله عنه، وكان في وفد عبد القيس، قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله - رواه أبو داود[14]
ومثال تقريره صلىّ الله عليه وسلّم على القول ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نقول - ورسول الله صلىّ الله عليه وسلّم حيّ-: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فلا ينكر - رواه الطبراني[15]
...................................................................................
فسكوته صلىّ الله عليه وسـلّم وإقـراره وعدم إنكاره على تقبيل يـده ورجله وعلى القول بأفضلية أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم دليل على أنّ ذلك الفعل والقول ليس بمنهي عنه في الشـرع، لأنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم لا يقـرّ أحدا على فعل أو قول منهي عنه ولو كان كافرا، إذ يجب عليه الأمر بالمعـروف والنهي عن المنكر.
وهذا، وربما يسكت النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم عن شيء للدلالة على إنكاره وعدم إقراره عليه، فيدلّ على أنّ ذلك الفعل أو القول منهي عنـه في الشرع.
ومثاله حديث علي رضي الله عنه أنه صنع طعاما فدعى رسولَ الله صلىّ الله عليه وسلّم فرأى بالبيت شيئا فيه تصاوير فرجع، فقلت يا رسول الله ما رجعك بأبى أنت وأمي، قال: إنّ في البيت سترا فيه تصاوير، وإنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير- رواه أبو يعلى في مسنده[16]
فسكوته صلى الله عليه وسلم مع رجوعه يدلّ على أنه للإنكار لا للإقرار.
وزاد بعضهم في تعريف الحديث - بالإضافة إلى ما ذكر- من قول وفعل وتقرير- صفتـه ورؤياه صلىّ الله عليه وسلّم بل الحركات والسكنات النبويـة في المنام واليقظة أيضا كما أشار إليه العلامة عبد الحيّ اللكنوي في شـرح مختصر الجرجاني[17]
...................................................................................
أقول: لا حاجة إلى ذكر الحركات والسكنات لأنها داخلة في فعله صلى الله عليه وسلم، فأما الرؤيا - حيث لا طريق لنا إلى معرفتها إلا القول- فهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم.
ولكن صفته صلىّ الله عليه وسلّم كقول أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق وليس بالآدم وليس بالجعد القطط ولا بالسبط – رواه البخاري[18] ، لايشملها ظاهر التعريف السابق، لأنّ الصفة في الحقيقة لا تدخل في القول ولا في الفعل ولا في التقرير، وكذلك شعوره وعواطفه صلى الله عليه وسلم، من حبّ وبغض وغيرهما، كحديث أنس رضي الله عنه قال: كان أحبّ الثياب إلى النبي صلى الله عليه الحبرة - رواه مسلم[19]، وكحديث أبي مسعود ر ضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسـول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ - رواه البخاري[20]، لا يشملها أيضا ظاهر التعريف، لانها في الحقيقة ليست بأفعال بل انفعالات، إلا اذا أريد بالفعل ما يعم الانفعال.
وعلى كلّ حال، إنّ الحديث بهذا المعنى الاصطلاحي خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وترادفه السنـة، ويراد هذا المعنى الخاص حينما يطلق لفظ الحـديث مقابلا
وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَفِعْلِهِ
للقرآن، فيقال القرآن والحديث، لأنّ القرآن قديم والحديث ضده، كما ذكره الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه التدريب[21]
(و) الثاني هو المعنى العام : فلفظ الحديث كما يطلق على المعنى السابق (كذلك يطلق) أيضا (على) المعنى الذي يشمل ويعمّ (قول الصحابي)، كقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن- رواه أحمد والحاكم[22]، والصحابي هو: من اجتمع مؤمنا مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولو مدة يسيـرة، ومات مؤمنا[23]. قال الإمام النووي رحمه الله: "الصحابي كلّ مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة، هذا هو الصحيح في حدّه وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبي عبد الله البخاري في صحيحه والمحدّثين كافة، وذهب أكثر أصحاب الفقه والأصول إلى أنه من طالت صحبته له صلى الله عليه وسلم"[24]. وقال الإمام الغزالي أ رحمه الله: "اسم الصحابي لا يطلق إلا على من صحبه، ثم يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبـة، ولو ساعة، ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته"[25] (وفعله) كما أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس تحت إمام واحـد لصلاة التراويح كما في صحيح البخاري[26]
وَتَقْرِِيِرِهِ وَعَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ
(وتقريره) كتقرير الصحابة رضي الله عنهم وعدم إنكارهم فيه عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه ، وكتقرير أنس رضي الله عنه على فعل ثابت البناني حيث قـبّل يديه وعينيه، كما رواه أبو يعلى وغيره[27].
(و) الثالث هو المعنى الأعم: فلفظ الحديث يطلق (على) المعنى الذي يشمل ويعمّ مع المعنيين السابقين (قول التابعي)، كقول ابن سـيرين رحمه الله: إنّ هـذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم - رواه مسلم[28]. والتابعي: هو من لقي الصحابي[29]، ولا يشترط في صحة إطلاق اسم التابعي على شخص أن تطول ملازمتـه مع الصحابي، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "هذا هو المختار خلافا لمن اشترط في التابعي طول الملازمة أو صحة السماع أو التمييز"[30] ، ولكن قـد ذهب الإمام تاج الدين السبكي وغيره من الأصوليين إلى اشتراط طول الملازمـة، فلا يكفي في صدق إسم التابعي على الشخص اجتماعه بالصحابي مدة يسيرة، بخلاف الصحابي فإنه يكفي في صدق اسم الصحابي عليه اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم مدة يسيرة كما ذكرناه. وقال الإمام جلال الدين المحلي رحمه الله في شرح جمع الجوامع مشيرا إلى الفرق بينهما: إنّ الاجتماع بالمصطفى صلى الله عليه وسـلم يؤثر مـن النور القلبي أضعاف ما يؤثر بالاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيـار، فالأعرابي الجلف بمجرد ما يجتمع بالمصطفى صلى الله عليه وسلم مؤمنا ينطق بالحكمـة
وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيِرِهِ
ببركة طلعته صلى الله عليه وسلم"[31] (و) علي (فعله) كجمع ابن شـهاب الزهري رحمه الله الأحاديث والآثار.
وقد أنشد الإمام السيوطي رحمه الله في ألفية علم الحديث:
أوّلُ جَامِع الْحَدِيثِ وَالأثَـرْ ابْنُ شِهَابٍ آمِرًا لهُ عُمَـرْ
(و) على (تقريره) كتقرير التابعين ابن شهاب الزهري رحمه الله على جمعها.
فقول التابعي وفعله وتقريره لا يكون حديثا على المعني الأوّل والثاني، فهذا المعنى الثالث أعمّ منهما جميعا.
فصل في أقسام الحديث باعتبار نهاية سنده
فَمَا انْتَهَى إِِلَى النَّبِيِّ صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ الْمَرْفُوعُ، وَمَا انْتَهَى إِلَى الصَّحَابِيِّ يُقَالُ لَهُ الْمَوْقُوفُ، كَمَا يُقَالُ قَالَ أَوْ فَعَلَ أَوْ قَرَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ
المرفوع
(فما) أي الحديث الذي (انتهى) سنده (إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم) سواء كان متصلا أو منقطعا، أو كان صحيحا أو ضعيفا من أيّ وجه كان (يقال له) أي عنه (المرفوع)، وقد يقال له المسند أيضا، لأنّه رُفِع وأسنِد إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ونُسِب وأُضيفَ إليه قولا أو فعلا أو تقريرا، وقد سبق مثال كلّ منها.
الموقوف
(وما) أي الحديث الذي (انتهى) سنده (إلى الصحابي) ونُسِب وأضيف إليه، (يقال له) أي عنه (الموقوف)، لأنّه وقف على الصحابي ولم يتعد ولم يتجاوز إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
فالموقوف هو الحديث الذي يدلّ على قول الصحابي أو فعله أو تقريره، وقد تقدّم مثال كلّ منها.
ويُعرَف الموقوفُ بالصيغ الدالة عليه (كما يقال) عند الرواية عن ابن عباس رضي الله عنه: (قال أو فعل أوقرّر) أو أقرّ أو سكت (ابن عباس) رضي الله عنه (أو) كما يقال (عن ابن عباس) رضي الله عنه (موقوفا، أو موقوف على ابن عباس) رضي الله عنه.
...................................................................................
وهذا يفيد أنّ الموقوف يختص بالصحابة، ولكن هكذا يختص إطلاقه بالصحابة إذا ذكر الموقوف مطلقا، إذ يستعمل في غيرهم كالتابعين مقيّدا.
فيقول ابن الصلاح والنواوي رحمهما الله: "قد يستعمل الموقوف مقيّدا في غير الصحابي، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو على طاوس أو نحو هذا"[32]
الموقوف الجلي والخفي
هذا، وإنّ الموقوف قد يكون ظاهرا جليا بحيث يظهر لكلّ واحد، فيتفق الجميع على وقفه، كحديث حسان بن أزهر عن عمر رضي الله عنه قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص- رواه البيهقي والدارقطني[33].
ولا يختلف اثنان على أنّ هذا الحديث موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد يختلف العلماء في حديث واحد هل هو يلحق بالمرفوع أو بالموقوف، كحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله يقرعون بابه بالأظافير- رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث[34]، ورواه البخاري أيضا في الأدب المفرد عن أنس رضي الله عنه، ولفظه: " انّ أبواب النبي كانت تقرع بالأظافير"[35]
فجعل الإمام أبو عبد الله الحاكم رحمه الله هذا الحديث موقوفا، فقال: "هذا حديث يتوهمه من ليس من أهل الصـنعة مسـندا لذكر رسـول الله صلى الله عليه وسـلم،
...................................................................................
وليس بمسند، فإنه موقوف على صحابي حكى عن أقرانه من الصحابة فعلا"[36]
وافقه في ذلك الإمام أبو بكرالخطيب البغدادي رحمه الله[37].
ولكن جعله ابن الصلاح رحمه الله مرفوعا، فقال: "بل هو مرفوع، لكونه أحرى باطلاعه صلى الله عليه وسلم عليه"[38]، فيكون من قبيل تقريره صلى الله عليه وسلم.
والإمام النووي رحمه الله أيضا عدّه مرفوعا[39].
ولكن ابن الصلاح رحمه الله قام أخيرا بتأويل قول الحاكم رحمه الله، فقال: "قد كنّا عددنا هذا فيما أخذناه عليه، ثم تأوّلناه له على أنه أراد أنه ليس بمسند لفظا بل هو موقوف لفظا، وإنما جعلناه مرفوعا من حيث المعنى"[40]
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح: "وقد حقـق المناط فيه بما حاصله أنّ له جهتين: جهـة الفعل وهو صـادر من الصحابة رضي الله عنهم فيكـون موقوفا، وجهـة التقرير وهي مضافـة إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم من حيث إنّ فائـدة قرع بابـه أنه يعلم أنه قُـرِعَ، ومـن لازم علمه بكونـه قُرِعَ - مع عـدم إنكار ذلك على فاعله- التقريرعلى ذلك الفعل فيكون مرفوعا"[41]
وَمَا انْتَهىَ إِلَى الَّتابِعِيِّ يُقَالُ لَهُ الْمَقْطُوعُ
المقطوع
(وما) أي الحديث الذي (انتهى) سنده (إلى التابعي) ونُسِب وأضيف إليه (يقال له) أي عنه (المقطوع) لأنه قطع عن وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمقطوع هوالحديث الذي يدلّ على قول التابعي أو فعله أو تقريره. وقد تقدّم مثال كلّ منها.
ويُعرَف المقطوعُ بالصيغ الدالة عليه، كأن يقال: قال أو فعل أو قرّر أو أقرّ الحسن البصري رضي الله عنه.
وعلى هذا الاصطلاح انّ المقطوع هو غير المنقطع الذي يأتي ذكره فيما بعد، ولكن "قد وجد التعبير عن المنقطع بالمقطوع في كلام الإمام الشافعي وأبي القاسم الطبراني[42] والحميدي والدارقطني وغيرهم[43]
الأثر والحديث
الأثر في اللغة- كما قال الإمام الزركشي رحمه الله في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح- تدور مادته على ثلاثة معان:
1- البقية: ومنه قوله تعالى: أو أثارة من علم [44] أي بقية منه.
2- الرواية: ومنه قولهم: هذا الحديث يؤثر عن فلان أي يروى عنه.
3- العلامة: فيقال الأثارة للشيء أي العلامة له[45]
وَقَدْ خَصَّصَ بَعْضُهُمْ الْحَدِيثَ بِالْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ، إِذِ الْمَقْطُوعُ يُقَالُ لَهُ الْأَثَرُ، وَقَدْ يُطْلَقُ الَْأَثَرُ عَلَي الْمَرْفُوعِ أََيْضًا، كَمَا يُقَالُ الْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ لِمَا جَاءَ مِنَ الْأَدْعِيَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالطَّحَاوِيُّ
فأما في الاصطلاح فالحديث والأثر مترادفان، فيطلق كلّ من الأثر والحديث على كلّ من المرفوع والموقوف والمقطوع على حدّ سواء، هذا هو المشهور لدى المحدّثين.
ج
(و) لكن (قد خصّص بعضهم) من المحدّثين إطلاق لفظ (الحديث بالمرفوع والموقوف) فقط، فلا يطلق لفظ الحديث على المقطوع، (إذ المقطوع) له إسم خاص حيث (يقال له) أي عنه (الأثر).
فعلى هذا القول، لا يكون الحديث والخبر مترادفين.
ولكن الصواب هو القول الأوّل المشهور، (و) ذلك لأنه (قد يطلق) لفظ (الأثر على المرفوع أيضا) كما يطلق على المقطوع، (كما يقال الأدعية المأثورة) أي الأدعية المنقولة والمروية عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم (لما) موصولة (جاء من) بيانية (الأدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم)، ففيه إطلاق لفظ الأثر على المرفوع.
(و) الإمام أبو جعفر (الطحاوي)[46] منسوب إلى قرية طحا بمصر، قد أطلق لفظ
سَمَّى كِتَابَهُ الْمُشْتَمِلَ عَلَي بَيَانِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَآثارِ الصَّحَاَبِةِ بِشَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ. وَقَالَ السَّخَاوِيُّ إِنَّ لِلطَّبَرَانِيِّ
الأثر على المرفوع والمقطوع حيث (سمّى كتابه المشتمل على بيان الأحاديث النبوية) أي الأحاديث المرفوعة (وآثارالصحابة) أي الأحاديث الموقوفة (بشرح معانى الآثار) فتسميته بهذا الإسم دليل على أنّ لفظ الأثر يطلق على المرفوع والموقوف كما يطلق على المقطوع.
(و) أطلق الإمام أبو القاسم الطبراني رحمه الله أيضا لفظ الأثر على المرفـوع إذ (قال) الحافظ محمد بن عبد الرحمن (السخاوي[47]) منسوب إلى بلدة سخا بمصر (إنّ للطبراني[48]) منسوب إلى بلد طبرية بالشام، نسبة غير قياسية، قال الياقوت الحموي في معجم البلدان: "النسبة إليها طبَرَاني على غير قياس، فكأنه لما كثرت النسـبة بالطبري إلى
كِتَابًا مُسَمًّى بِتَهْذِيبِ الْآثَارِ مَعَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَرْفُوعِ وَمَا ذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفِ فَبِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالتَّطَفُّلِ
طبرستان أرادوا التفرقة بين النسبتين فقالوا طبراني إلى طبرية"[49]، (كتابا مسمّى بتهذيب الآثار) أي ما هذّب ولخّص من الآثار (مع أنه) أي كتاب الطبراني (مخصوص بالمرفوع) أي بذكر الأحاديث المرفوعة (وما) موصولة (ذكر) الطبراني (فيه) أي في كتابه المسمى بتهذيب الآثار (من الموقوف) بيان لما الموصولة (فبطريق التبع والتطفل) أي جاء ذكره تبعا للمرفوع وتطفلا، كما يأتى الطفيلي للولائم بدون دعوة، يقال تطفّل أي جاء طفيليا، " وهو منسوب إلى طفيل بن زلال الكوفي[50] المعـروف بطفيل العرائس، حيث كان يأتي الولائم دون أن يدعى إليها، ثم سمّي كلّ راشن طفيليا، وصرف منه فعل، فيقال طفّل وتطفّل"[51]
فتسمية الإمام الطبراني رحمه الله كتابه بتهذيب الآثار دليل أيضا على أنّ لفظة الأثر يطلق على المرفوع.
وأيضا، إنّ الإمام مسلما رحمه الله قد أطلق لفظ الأثر على الحديث المرفوع حيث قال في مقدمة صحيحه: "الأثر المشهور عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم من حدّث عني بحديث يرى أنه كاذب فهو أحد الكاذبين"[52]
فأطلق الإمام مسلم رحمه الله على هذا الحديث المرفوع أثرا.
وَالْخَبَرُ وَالْحَدِيثُ فِي الْمَشْهُورِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَبَعْضُهُمْ خَصُّوا الْحَدِيثَ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْخَبَرَ بِمَا جَاءَ عَنْ أَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَالسَّلاَطِِينِ وَالْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ.
وقد نبّه الإمام النووي رحمه الله على أنّ أهل الحـديث كلهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف[53].
وقال في شرح مسلم: "المذهب المختار الذي قاله المحدّثون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف هو أنّ الأثر يطلق على المرويّ مطلقا، سواء كان عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أو عن صحابي، وقال الفقهاء الخراسانيون الأثر ما يضاف إلى الصحابي موقوف عليه"[54]
فهمنا من هذا كله أنّ الأثر عند المحدّثين يطلق على المرفوع والموقوف كما يطلق على المقطوع، فالأثر والحديث مترادفان في اصطلاح المحدّثين.
الخبر والحديث
(والخبر والحديث في المشهور بمعنى واحد) أي انّ الخبر في الاصطلاح المشهور مرادف للحديث، فيصح إطلاق الخبر على كلّ من المعانى الثلاثة المذكورة للحديث.
(وبعضهم) أي بعض المحدّثين (خصوا) أي قصروا استعمال لفظ (الحديث بما جاء عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم والصحابة والتابعين) فيختص استعمال لفظ الحديث بالمرفوع والموقوف والمقطوع فلا يستعمل لفظ الخبر على أيّ واحد منها.
(و) خصوا (الخبر) أي استعمال لفظ الخبر (بما) موصولة (جاء عن أخبار الملوك والسلاطين، و) عن اخبار الحوادث الواقعة في ( الأيام الماضية) والأزمان الخالية.
وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ مُحَدِّثٌ، وَلِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالتَّوَارِيخِ أَخْبَارِيٌّ
(ولهذا) أي لأنّ الحديث مختص استعماله بما جاء عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم والصحابة والتابعين، ولأنّ الخبر مختص استعماله بما جاء عن أخبار الملوك الخ. (يقال لمن يشتغل بالسنة) أي الحديث بالمعنى الذي يشمل المرفوع والموقوف والمقطوع (محدّث).
ويطلق إسم المحدّث في العرف على من يشتغل بجمع الأحاديث النبوية، وكتابتها وسماعها، وتطريقها وطلب العلو فيها، والرحلة لأجلها، وحفظ أسانيد الأحاديث ومعرفة رجالها، وتميـيز صحيحها من سقيمها وما إلى ذلك، فأما من انفرد بالاشتغال بحفظ متون الحديث ومعرفة غريبها وفقهها فهو كما قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت: "لا حظ له في اسم المحدّث"[55] (و) يقال (لمن يشتغل بالتواريخ) بجمع التواريخ وكتابتها (أخباري)
حدّثنا وأخبرنا
والخلاف المذكور أعلاه هو فقط في إطلاق لفظ الخبر على الحديث. فأما إطلاق الفعل المشتق منه عليه فلا خلاف في جوازه، فيقال: أخبرني أو أخبرنا فلان حديثا، كما يقال: حدّثني أو حدّثنا فلان حديثا.
ولكن المحدّثين منهم من فرق بينهما ومنهم من لم يفرق:
قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب قول المحدّث حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا: وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدا"[56]
وَالرَّفْعُ قَدْ يَكُونُ صَرِِيحًا وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا. أَمَّا صَرِيحًا، فَفِي الْقَوْلِيِّ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَذَا
قال ابن الأثير رحمه الله: "ولأئمة الحديث فرق بين حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا، فقال عبد الله بن وهب: ما قلت "حدّثنا" وهو ما سمعت مع الناس، وما قلت "حدّثني" فهو ما سمعت وحدي، وما قلت "أخبرنا" فهو ما قرئ على العالم وأنا أشاهد، وما قلت "أخبرني" فهو ما قرأت على العالم. وكذلك قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري. وقال يحيى بن سعيد: "أخبرنا" و "حدّثنا" واحد، وهو الصحيح من حيث اللغة.وأما "أنبأنا" فإنّ أصحاب الحديث يطلقونها على الإجازة والمناولة، دون القراءة والسماع اصطلاحا، وإلا فلا فرق بين الإنباء والإخبار، لأنهما بمعنى واحد. وقال الحاكم: "أنبأنا" إنما يكون فيما يجيزه المحدّث الراوي شفاها دون المكاتبة"[57]
الرفع حكما وصريحا
(والرفع) في الاصطلاح هو إضافة شيء إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم خاصة قولا أو فعلا أو تقريرا، كما فهمنا من شرح تعريف الحديث المرفوع.
والرفع (قد يكون صريحا وقد يكون حكما)
(أمّا) الرفع (صريحا) يكون في كلّ من القولي والفعلي والتقريري.
(ففي) معرفة الرفع الصريح (القولي) صيغ تدل عليه وهي:
1- (كقول الصحابي: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول كذا)، نحو عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعـا ينتزعــه من العبـاد، ولكن يقبض العلم بقبض
أَوْ كَقَوْلِهِ أَوْ قَوْلِ غَيْرِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ كَذَا
العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فافتوا بغير علم، فضلوا واضلوا - متفق عليه[58]
2- أوكقول الصحابي: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يأمر بكذا، نحو عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يأمر أن نعتدل بالسجود - رواه أحمـد[59]
3- أوكقول الصحابي: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهي عن كذا، نحو عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ينهى أن يقعد الرجل على القبر وأن يجصّص أو يُبنى عليه - رواه أحمد[60]
4- (أو كقوله) أي كقول الصحابي (أو قول غيره) أي من تابعي أو غيره: (قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا)، نحو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرأ كذبا أن يحدّث بكل ما سمع- رواه مسلم [61]
5- أو كقول الصحابي أو غيره: أمر رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم بكذا، أو عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أمر بكذا، نحو عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسـول الله
...................................................................................
صلىّ الله عليه وسلّم أبا بكر أن يصليّ بالناس في مرضه فكان يصلي بهم- متفق عليه[62]
6- أوكقول الصحابي أو غيره: نهي رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم عن كذا، أو عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهى عن كذا، نحو عن جابر رضي الله عنه نهي أو نهانا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم عن بيع الثمر حتى يطيب - رواه مسلم[63]
7- أوكقول الصحابي أو غيره: عن الصحابي أو غيره رفع كذا، نحو عن أبي هريرة رضي الله عنه، رفعه من أفطر يوما من رمضان من غيرعـذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه- رواه البخاري[64]
8- أو كقول الصحابي أو غيره: عن الصحابي أو غيره يبلغ بكذا النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، نحو عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه يبلغ به النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب- رواه مسلم[65]
9- أو كقول الصحابي أو غيره: عن صحابي أو غيره ينمي كذا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، نحو عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم- رواه البخاري[66]
وَ فِي الْفِعْلِيِّ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَذَا، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أََنَّهُ فَعَلَ كَذَا
10- أو كقول الصحابي أو غيره: عن الصحابي روايـة، نحو عن أبي هريرة رضي الله عنه رواية: تقاتلون قوما صغار الأعين ذلف الأنوف كأنّ وجوههم المجان المطرقـة- رواه البخاري[67]
11- وأيضا من الرفع الصريح القولي قول الصحابي أو غيره عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم يرويه عن ربه عزّ و جلّ، فهو حينئذ من الأحاديث القدسية، نحو عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عزّ و جلّ، قال: لكلّ عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به- رواه أحمد[68]
( وفي) معرفة الرفع الصريح (الفعلي) صيغ تدل عليه وهي:
1- ( كقول الصحابي رأيت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فعـل كذا، أو عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أنه فعل كذا)، نحو عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يشير إلى المشـرق فقال إنّ الفتنة ههنا إنّ الفتنـة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان- رواه البخاري [69]
أَوْ عَنِ الصَّحَابِيِّ أََوْ غَيْرِهِ مَرْفُوعًا، أََوْ رَفَعَهُ أََنَّهُ فَعَلَ كَذَا، وَفِي التَّقْرِيرِيِّ أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ أََوْ غَيْرُهُ فَعَلَ فُلاَنٌ أََوْ أَحَدٌ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَلاَ يَذْكُرُ إِنْكَارَهُ. وَأَمَّا حُكْمًا فَكَإِخْبَارِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُخْبِرْ عَنِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا لاَ مَجَالَ فِيهِ لِلْإِجْتِهَاِد
2- ( أو عن الصحابي أو غيره) من تابعي أو غيره (مرفوعا أو رفعه أنه فعل كذا)، نحو كان ابن عمر رضي الله عنه يتوضأ ثلاثا يرفعه إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم- رواه أحمد وأبو يعلى [70]
(وفي) معرفة الرفع الصريح (التقريري) صيغ تدل عليها وهي:
(أن يقول الصحابي أو غيره فعل) أو قال (فلان) أي مع ذكر اسم الرجل الذي فعل ذلك الفعل أو قال ذلك القول (أو واحد) أي بدون ذكر اسم ذلك الرجل (بحضرة النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم كذا ولا يذكر) الراوي ( إنكاره) أي إنكار النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ذلك الفعل أو القول مع أنه صلى الله عليه وسلم اطلع عليه وسمعه، وقد تقدم مثال ذلك.
(وأمّا) الصيغ التى تدل على الرفع (حكما) لا صريحا:
1- ( فكإخبار الصحابي الذي لم يخبر عن الكتب المتقدمة) أي لم يطلع على كتب السماوية السابقة مثل التوراة والانجيل وغيرهما، ولم يسمع ولم يأخذ ولم يرو عن أهل الكتاب، (ما لا مجال فيه للاجتهاد)، كما روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها
عَنِِ الْأَحْوَالِ الْمَاضِيَةِ كَأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الْآتِيَةِ كَالْمَلاَحِمِ وَالْفِتَنِِ
قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر- متفق عليه[71]
فهذا القول لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، فلا بدّ أن سمعته عائشة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث هو مرفوع حكما.
ومما لا مجال فيه للاجتهاد الأشياء التالية:
أ- الإخبار (عن الأحوال الماضية) قبل النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم (كأخبار الأنبياء) السابقين وأممهم.
ب - (أو) الإخبار عن الأحوال والحوادث (الآتية) فيما بعد. (كالملاحم) جمع ملحمة وهوالحرب والقتال، وقال ابن فارس: "لحم: اللام والحاء والميم أصل صحيح يدلّ على تداخل، كاللحم الذي هو متداخل بعضه في بعض من ذلك اللحم، وسميت الحرب ملحمة لمعنيين: أحدهما تلاحم الناس: تداخلهم في بعض، والآخر أنّ القتلى كاللحم الملقى[72]. (والفتن) من قتل ونهب وغيرهما عطف على الملاحم، فهو من قبيل عطف العام على الخاص، لأنّ الفتن أعم من القتال والحرب، كإخبار علي رضي الله عنه عن مقاتل مخدج في أهل نهروان.
عن أبي الْوَضِيء كنا مع علي رضي الله عنه حين قتل أهل النهروان قال: التمسوا المخدج، قال: فطلبوه في القتلى، فقالوا:ليس نجـده فقال: ارجعوا فالتمسـوا، فو الله ما
وَأَهْوَِالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْ عَنْ تَرَتُّبِ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ أَوْ عِقَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَي فِعْلٍ، فَإِنَّهُ لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلاَّ السَّمَاعُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، فرجعوا فطلبوا، ثم ردد مثل ذلك مرارا ، فانطلقوا فوجدوه تحت قتلى في طين فاستخرجوه فجيء به، فكأني أنظر إليه، حبشي له ثدي كثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع - رواه أبو يعلى في مسنده[73] (وأهوال يوم القيمة) فإنها أيضا من قبيل الأحوال والحوادث الآتية.
ج- (أو) كإخبار الصحابي (عن ترتب ثواب مخصوص) لفعل خاص، كما قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة - رواه أحمد[74]
د- (أو) كإخبار الصحابي عن (عقاب مخصوص على فعل) خاص، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: نساء كاسيات عاريات مائلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام - رواه مالك[75]
(فانه) أي المذكور أعلاه ( لا سبيل) للصحابي (إليه) أي إلى معرفته (إلا السماع عن النبي صلى الله عليه وسلم)، فلا يعرف ذلك برأيه واجتهاده.
فأما قول الصحابي الذي كان من علماء أهل الكتاب كسلمان الفارسي وعبد الله بن سلام رضي الله عنهما، فلا يكون في حكم المرفوع أبدا، لاحتمال أن يكون ذلك مأخوذا من الكتب السماوية السالفة.
أَوْ يَفْعَلُ الصَّحَابِيُّ مَا لاَ مَجَالَ لِلْإِجْتِهَادِ فِيهِ
2- (أو يفعل الصحابي ما) أي فعلا (لا مجال للاجتهاد فيه) أي في ذلك الفعل، أي لا يمكن أن يحصل ذلك للصحابي بالرأي والاجتهاد.
وذلك كحديث صفوان بن عبد الله قال: رأيت ابن عباس رضي الله عنه صلىّ على ظهر زمزم لكسوف الشمس ركعتين في كلّ ركعة ركعتين- رواه البيهقي[76]
فزيادة ابن عباس رضي الله عنه ركوعا في كلّ ركعة في صلاة الخسوف مما لامجال له للاجتهاد، ولا يصلىّ ابن عباس رضي الله عنه خلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فصلاة ابن عباس رضي الله عنه الخسوف على هذه الهيئة تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلىّ الخسوف هكذا. ففِعْلُ ابن عباس رضي الله عنه هذا مرفوع حكما، فيحتج به كما يحتج بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فأما قول الصحابي أوفعله شيئا فيه مجال للاجتهاد – كبعض المسائل الفقهية التى اختلف فيها العلماء – لا يكون له حكم المرفـوع، كما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: كان ابن عمر رضي الله عنهما يحلى بناته وجواريـه الذهب فلا يخرج منه الزكاة -رواه مالك[77]
فمسئلة الزكاة في الحلي الذهبي فيها مجال للاجتهاد حيث اختلف فيها المجتهدون، فذهب الإمام الشـافعي ومالك وأحمـد رضي الله عنهم إلى أنـه لا زكاة فيـها بالغا ما بلغ، وذهب الإمام أبو حنيفـة رحمه الله وابن حزم إلى وجـوب الزكاة فيها إذا بلغ نصابا.
أَوْ يُخْبِرُ الصَّحَابِيُّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ اِطِّلاَعُهُ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَنُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ.
ومثل هذا لا يكون له إلا حكم الموقوف، لأنه يمكن أن يقوله الصحابي باجتهاده ورأيه، فلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فما يقوله الصحابي باجتهـاده ورأيه فليس بحجة لمجتهد آخر، لأنه لا عصمة إلا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هذا هو معنى قـول أئمتنا "قول الصحابي ليس بحجـة"[78]
قال الإمام النووي رحمه الله في مقدمة شرحه لصحيح البخاري: "إذا قال الصحابي قولا، فهل هو حجة ؟ فيه خلاف للعلماء، وهما قولان للشافعي رحمه الله، الجديد أنه ليس بحجة والقديم أنه حجة"[79]
3- (أو يخبر الصحابي بأنهم كانوا يفعلون كذا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم) كإخبار جابر رضي الله عنه قال: كنا نعزل والقرآن ينـزل - رواه مسلم[80]
فهذا الحديث في حكم المرفوع (لأنّ الظاهر إطلاعه) أي معرفته (صلىّ الله عليه وسلّم على ذلك) ونهيه (ونزول الوحي به) أي بنهيه إذا كان منهيا عنه. فعدم ورود النهي عنه من الله تعالى ورسوله دليل على جوازه والإقرار به من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
...................................................................................
قال الإمام الغزالي رحمه الله: "كانوا يفعلون كذا، فإن أضاف إلى زمن الرسول عليه السلام، فهو دليل على جواز الفعل، لأن ذكره في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكت عليه دون ما لم يبلغه"[81]
هذا، وقد اختلف العلماء في أنّ قول الصحابي "كانو يفعلون" أو "كنا نفعل" هل يدلّ على فعل الجميع وإجماعهم أم لا؟ فالراجح : نعم.
فيقول ابن الاثير رحمه الله في جامع الأصول: "إنّ قوله كنا نفعل كذا، وغرضه تعريف أحكام الشرح، فإنّ ظاهره يقتضى أنّ جميع الصحابة فعلوا ذلك في عهد النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم على وجه ظهر للنبي صلىّ الله عليه وسلّم ولم ينكره"[82]
ويقول الإمام الآمدي رحمه الله: " قول الصحابي :كنا نفعل كذا وكانوا يفعلون عند الأكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم خلافاً لبعض الأصوليين ويدلّ على مذهب الأكثرين أنّ الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن كان ما نقله مستنداً إلى فعل الجميع، لأنّ فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر ولا على غيرهم[83].
فقول الصحابي: "كنا نفعل" أو "كانوا يفعلون" صـيغـة تدل على الإجماع بالإضافـة إلى تقرير النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم حكما، وذلك إذا أضيف إلى عهد النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وزمانه.
أَوْ يَقُولُونَ وَمِنَ السُّنَّةِ كَذَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ السُّنَّةَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
4- (أو يقولون) يعنى الصحابة رضي الله عنهم، أي كقولهم (ومن السنة كذا) بدون إضافتها إل0ى النبي صلى الله عليه وسلم، كقول ابن عباس رضي الله عنه: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج- رواه البخاري معلقا[84]
فهذا الحديث في حكم المرفوع (لأنّ الظاهر أنّ السنة) التى قالها الصحابي رضي الله عنه أراد بها (سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وإن كانت تحتمل لغير ذلك احتمالا مرجوحا.
هذا ما ذهب إليه الجمهور.
قال القاضي أبو الطيب رحمه الله: "هو ظاهر مذهب الإمام الشافعي لأنه احتج على قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بصلاة ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة وقراءته بها، وقال: إنما فعلت لتعلموا أنها سنة"[85]
وكذا جزم السمعاني بأنه هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه[86]
ولكن جزم ابن فورك وسليم الرازي وأبو الحسين ابن القطان والصيدلاني من الشافعية بأنّ الجديد من مذهب الشافعي بخلافـه أي بأنه ليس بحكم المرفوع وجزم الرافعي بأن له قولان في الجديد[87]
...................................................................................
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "حكموا كلهم أنّ الشافعي رضي الله كان في القديم يراه مرفوعا، وحكوا تردّده في ذلك في الجديد، لكن نصّ الشافعي رضي الله عنه على ذلك في الأمّ، وهو من الكتب الجديدة "[88]
فقال الإمام الشا فعي رضي الله عنه في الأمّ، بعد ذكر ابن عباس والضحاك بن قيس رضي الله عنهما: "رجلان من أصحاب رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"[89]
وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: قول الصحابي "من السنة كذا" إذا قاله الصحابي المعروف بالصحبة فهو حديث مسند وكل ذلك مخرج في المسانيد[90]
وقال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "والأصح أنه مسند مرفوع، لأنّ الظاهر لا يريدون إلا سنة رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم وما يجب اتباعه"[91]
وقال الإمام الغزالي رحمه الله: قوله "من السنة كذا"، و"السنة جارية بكذا"، فالظاهر أنه لا يريـد إلاسنة رسول الله وما يجب اتباعـه، دون سـنة غيره ممن لا تجب طاعتـه"[92]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ يَحْتَمِلُ سُنَّةَ الصَّحَابَةِ وَسُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ
واختار ذلك الإمام الآمدي رحمه الله أيضا : فقال: "قول الصحابي: "من السنة كذا"، فذهب الأكثرون إلى أنّ ذلك محمول على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافا لأبي بكر الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، والمختار مذهب الأكثرين"[93]
ويدلّ على صحة هذا المذهب ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في قصته مع الحجاج حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، قال ابن شهاب : فقلت لسالم أفعله رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم؟، فقال: هل يبتغون بذلك إلا سنته[94]
وقال السيوطي رحمه الله: "فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم"[95]
(قال بعضهم إنه) أي قول الصحابي: "من السنة كذا" (يحتمل) أن يكون المراد بالسنة المذكورة فيه (سنة الصحابة وسنة الخلفاء الراشدين، فانّ السنة) في اللغة (يطلق عليه) فلا يكون الحديث مرفوعا حكما ولا صريحا.
وذهب إلى هذا القول الكرخي والصيرفي وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن المحققين"[96]
...................................................................................
واختار ابن حزم هذا المذهب فقال في كتاب الإحكام: "قول الصحابي "من السنة كذا" فليس هذا إسنادا ولا يقطع على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يعني بذلك هو السنة عنده على ما أداه إليه اجتهاده"[97]
هذا الخلاف الذي ذكرناه أعلاه هو عند إطلاق الصحابي لفظ السنة بدون إضافتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أضافها فقال: "من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" كما تقدم، هل فيه خلاف في قطعية رفعه أم لا؟
فقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت: إذا أضاف الصحابي رضي الله عنه السنة إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فمقتضى كلام الجمهور أنه يكون مرفوعا قطعا، وفيه خلاف لابن حزم، ونقل أبو الحسين ابن القطان عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: قد يجوز أن يراد بذلك ما هو الحق من سنة النبي صلى الله عليه وسلم"[98]
وإذ أضيفت السنة إلى أصحابه صلىّ الله عليه وسلّم فقيل: "من سنة عمر رضي الله عنه كذا" فلا خلاف في أنه ليس بمرفوع بل موقوف اتفاقا.
والسنة يجوز إضافتها وإسنادها إلى الجميع، وقال صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين[99]، لأنّ معنى السنة في اللغة هي الطريقة والعادة، وقال الله تعالى : "وقد خلت سنة الأولين"[100] أي طريقتهم المعتادة.
...................................................................................
وكذلك اختلفوا أيضا في قول الصحابي: "أمرنا بكذا"، أو" نهينا عن كذا"، بصيغة المجهول، هل هو يلحق بالمرفوع أو بالموقوف.
كقول أم عطية رضي الله عنها: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهن- متفق عليه[101]
وكقول أنس بن مالك رضي الله عنه: نهُينا عن بيع حاضر لباد- متفق عليه[102]
فذهب الجمهور إلى أنه يلحق بالمرفوع. ومنهم أبو عبد الله الحاكم رحمه الله، حيث صرّح بذلك في كتابه معرفة علوم الحديث، فقال: إذا قاله الصحابي المعروف بالصحبة فهو حديث مسند[103].
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "قول الصحابي "أمرنا بكذا" أو "نهينا عن كذا" من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم[104].
وقال الإمام النووي رحمه الله: " قول الصحابي "أمرنا بكذا" أو "نهينا عن كذا" أو "من السنة كذا" أو "أمر بلال أن يشفع الأذان" وما أشبهه كله مرفوع على الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، سواء قال ذلك في حياة رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أو بعده وقيل موقوف"[105].
...................................................................................
قال ابن الصلاح رحمه الله في ترجيح قول الجمهور: لأنّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم"[106]
ونقل الإمام السيوطي رحمه الله فيه توجيها آخر فقال: "لأنّ مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة ولا العادة، والشرع يتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يصح أن يراد أمر الكتاب لكون ما في الكتاب مشهورا يعرفه الناس، ولا الإجماع لأنّ المتكلم بهذا من أهل الإجماع يستحيل أمره نفسه، ولا القياس إذ لا أمر فيه، فتعين كون المراد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم"[107]
وخالفهم في ذلك فريق، ومنهم ابن حزم فقال في كتاب الإحكام: "ولا يقطع على أنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ولا ينسب إلى أحد قول لم يرو أنه قاله ولم يقم برهان على أنه قاله، وقد جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال : كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله حتى نهانا عمر فانتهينا"[108]
وقيل محل الخلاف في هذه المسئلة فيما كان قائل ذلك من الصحابة غير أبي بكر رضي الله عنه، أما إذا قال أبو بكر رضي الله عنه فيكون مرفوعا قطعا، لأنّ غير النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم لا يأمره ولا ينهاه، لأنه يأمر بعد النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ووجب على غيره امتثال أمره، حكاه ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول[109]
...................................................................................
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله بعد نقل هذا القول: "وهو مقبول"[110]
ولكن الإمام البيهقي رحمه الله ينفي الخلاف في هذه المسئلة كليا عن أهل الحديث فقال: " لا خلاف بين أهل النقل أنّ الصحابي رضي الله عنه إذا قال "أمرنا" أو "نهينا" أو "من السنة كذا" أنه يكون حديثا مسندا"[111]
هذا الكلام كله إذا كان قول الصحابي بصيغة المجهول بدون ذكر الآمر أوالناهي، وإذا قال أمرنا أو نهانا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فهو مرفوع بلا خلاف، لانتفاء الاحتمال المتقدم الذي ذكره ابن حزم.
ولكن حكى القاضي أبو الطيب وغيره عن داود وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي فيحتمل أن يكون سمع صيغة ظنها أمرا أو نهيا وليس كذلك في نفس الأمر.
ولكن أجابه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله قائلا بأنّ الظاهر من حال الصحابي رضي الله عنه مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أنه لا يطلق ذلك إلا إذا تحقق أنه أمر أو نهي من غير شك نفيا للتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما ليس هو أمر ولا نهي[112]
(فصل) في بيان السند والمتن
فَصْلٌ : السَّنَدُ
السند والإسناد
(السند) في اللغة: ما ارتفع من الجبل وما يعتمد عليه.
فقال الفيروزابادي: "السند: ما قابلك من الجبـل وعلا عن السفـح ومعتمد الإنسان"[113].
قال ابن منظور: "السند ما ارتفـع من الأرض في قبل الجبـل أوالوادي، وكل شئ أسندت فهو مسند"[114]
وقال الجوهري: "السند ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، وفلان سند: أي معتمد، وسندت إلى الشيء أسند سنودا"[115]
قال ابن فارس: "السين والنون والدال أصل واحد يدل على انضمام الشيء إلى الشيء، يقال سندت إلى الشيء أسند سنودا، واستندت استنادا، و يقال فلان سند أي معتمد، والسند ما أقبل عليك من الجبل، وذلك إذا علا عن السفح"[116].
طَرِيقُ الْحَدِيثِ وَهُوَ رِجَالُهُ الَّذِينَ رَوَوْهُ
وفي الاصطلاح: السند (طريق الحديث وهو رجاله الذين رووه) أي الرجال الذين رووا الحديث ونقلوه إلينا فوصل إلينا عن طريقهم و بواسطتهم، فنعتمد عليهم في معرفة أحوال الحديث، فيقال عنهم سند الحديث وطريقه ورواته ورجاله.
والسند هو المدار والمعيار، وعليه الاعتماد في معرفة صحة الحديث وضعفه، ورفعه ووقفه، واتصاله وانقطاعه وما إلى ذلك، ولذا اهتم به أئمتنا اهتماما عظيما، واعتنوا به اعتناء كبيرا، وما كانوا يأخذون الحـديث بدون سنده، وما كانوا يقبلونه إلا بعد الاقتناع بصحتـه، لأنّ السند هوالأصـل و الأسـاس في معرفة الإيمان والإسـلام. ولذا قال محمد بن سيرين رحمه الله: إنّ العلم دين وانظروا عمن تأخـذون دينكم- رواه مسلم[117]
لولا الاهتمام بالسند والاعتناء به من قبل العلماء، ولولا طلبه وحفظـه مـن قبل المحدّثيـن القدمـاء، لضاعت لنا الملة السمحـة البيضـاء، وتسلط علينا أهـل البدع والأهـواء.
ولذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شـاء- رواه مسلم[118]
وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد"[119].
وَالْإِسْنَادُ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ يَجِيئُ بِمَعْنَى ذِكْرِ السَّنَدِ وَالْحِكَايَةِ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ
وكان مبدأ الاهتمام والاعتناء به ظهور أهل البدع والأهواء، لأنهم كانوا يخترعون الحديث ويضعونه لترويج عقيدتهم الفاسدة، ولذا قال ابن سيرين رحمه الله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فلينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم- رواه مسلم[120].
والنظر في السند والأخذ والعمل به وفقا لصحته هو من خواص أهل السنة والجماعة، ولذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله : بيننا وبين القـوم القوائم، يعنى الإسناد- رواه مسلم[121].
وأيضا، إنّ السند من خصوصية هذه الأمة المحمدية، فيقول العلامة أبو الفداء ابن كثير رحمه الله في كتابه اختصار علوم الحديث: "الإسناد من خصائص هذه الأمة، وذلك أنه ليس أمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادا متصلا غير هذه الأمة"[122].
(والإسناد بمعناه) أي السند، يعني أنه يطلق السند والإسناد بمعنى واحد، أي بالمعنى المذكور للسند، فيقال إسناد صحيح، وسند صحيح ، وكلاهما بمعنى واحد .
والإسناد في الأصل مصدر من أسند.
(وقد يجيئ) الإسناد أيضا في الاصطلاح بمعناه المصدري فيكـون (بمعنى ذكر السند) أي ذكر رجال الحديث ورواتـه، (والحكايـة عن طريق المتن) عطف تفسيـر لقوله ذكر السند.
فاذا ذكر واحدٌ متنَ الحديث مع حكاية طريقه وسنده فيقال عنه: أسند الحديث إسنادا أي ذكره مع سنده.
وَالْمَتْنُ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْإِسْنَادُ
وعلى هذا، السند والإسناد مختلفان في المعنى، فالسند هو عبارة عن نفس الطريق، والإسناد هو عبارة عن ذكر أو حكاية ذلك الطريق.
ولو ذكر المصنف رحمه الله: "وحكاية طريق المتن" بدلا عن قوله: "والحكاية عن طريق المتن" أي بالإضافة وبحذف "عن" الجارة كان أوضح وأخصر.
المتن
(والمتن) في اللغة: ما صلب ظهره[123]، وما صلب من الأرض وارتفع[124]
قال ابن فارس: "متن: الميم والتاء والنون أصل صحيـح واحد يدل على صلابة في الشيء[125]
والمتن في الاصطلاح: (ما انتهى إليه الإسناد) سواء كان قولا أو فعلا أو تقريرا.
فالعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هو أنّ المتن متين من حيث إنّ له صلابة وقوة من ناحيتين:
1- إنه يذكر بعد السند، وما له سـند فهو قويّ متين وذو صلابة، وصالح للاعتماد،
لا كمجرد كلام ليس له سند ولاناقل.
2- إنّ المتن إما يكون مضافا إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أو إلى الصحابة أو التابعين
وما نسب وأضيف إليهم له قوة وصلابة، لا كالكلام الذي أضيف إلى غيرهـم.
...................................................................................
مثال المتن والسند: أوّل حديث رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن الوقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى : فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"[126]
فقوله صلىّ الله عليه وسـلّم إنما الأعمال بالنيات ...إلخ. هو المتن لأنه انتهي إليه السند الذي يبدأ من الإمام البخاري وهو عن شيخـه الحميدي وهو عن سفيان هكذا إلى نهايتـه.
فصل في أقسام الحديث من حيث اتصال سنده وانقطاعه
فَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ رَاوٍ مِنٍَ الرُّوَاةِ مِنَ الْبَيْنِ فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ
السند قد يذكر فيه جميع رواته وقد لا يذكر الجميع بل يسقط البعض أو الجميع، وبهذا الاعتبار ينقسم الحديث إلى الأقسام التاليه:
المتصل
(فإن لم يسقط راو من الرواة من البين) أي من بين السند بل ذكر جميع رواته، وسلم من الانقطاع (فالحديث متصل) أي يسمىّ الحديث حينئذ متصلا ويسمّى أيضا موصولا، لأنّ الحديث اتصل ووصل سـنده بذكر جميع رجاله من الأوّل إلى الآخر، إذ لم يسقط أيّ واحد منهم.
ومثاله حديث الإمام البخاري السابـق فلم يسقط من بين سنده أيّ واحد من رواته بل ذكر الجميع، وسـلم سنده من الانقطاع مـن حيث يتصل من الإمام البخاري رحمه الله إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمع كلّ واحـد منهم ممن فوقـه.
والمتصل يصدق على كلّ من المرفوع والموقوف.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "مطلق الاتصال يقع على المرفوع والموقوف"[127]
وَيُسَمَّي عَدَمُ السُّقُوطِ اِتِّصَالاً، وَإِنْ سَقَطَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ
فأما المقطوع لا يقع عليه المتصل إلا مقيدا.
قال الإمام الحافظ العراقي رحمه الله في شرح الألفية: "إنما يمتنع اسم المتصل في المقطوع في حالة الإطلاق، وأما بعد التقييد فجائز وواقع في كلامهم، كقوله هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري أو إلى مالك ونحو ذلك"[128]
(ويسمّى عدم السقوط) من السند (اتصالا) ولا حاجـة إلى ذكر تعريف الاتصال بعد ذكر تعريف المتصـل، لأنّ هذا يغنى عن ذاك، ولكن المصنف رحمه الله أراد زيادة الإيضاح، أو أراد أن يشير إلى أنّ الاتصال لا يأتي بمعنى المتصل كما يأتى الإسناد بمعنى السند.
المنقطع
(وإن سقط واحد) من الرواة (أو أكثر) أي اثنان فصاعدا، و سواء كان السقوط من أوّل السند أو وسطه أو آخره، وسواء كان في موضع واحد أو أكثر، سواء كان الساقط صحابيا أو غيره ، (فالحديث منقطع) أي يسمىّ منقطعا، لأنه انقطع سنده بسقوط بعض رواته.
والمنقطع عام حيث يطلق على أيّ نوع من أنواع السقوط.
وقد مثّل كلّ من أبي عبد الله الحاكم و ابن الصلاح للمنقطع بما روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع عن حذيفة رضي الله عنـه
وَهَذَا السُّقُوطُ انْقِطَاعٌ
قال: إن وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا وراغب في الآخرة في جسمه ضعف، وإن وليتموها عمر فقوي أمين لاتأخذه في الله لومة لائم، وإن وليتموها عليا يعنكم على طريق مستقيم[129]
فهذا إسناد إذا تأمله متأمل وجد صورته صورة المتصل وهو منقطع في الموضعين، لأنّ عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري، ولم يسمعه الثوري أيضا من أبي إسحاق، إنما سمعه من شريك عن أبي إسحاق[130]
(وهذا السقوط) يقال له (انقطاع)، فيقال في السند انقطاع فالحديث منقطع.
نوع آخر من المنقطع:
هذا، وإنّ المصنف رحمه الله قد قصر المنقطع بنوع واحد فقط ، وقد ذكر بعض العلماء نوعا آخرا له ، فالنوع الثاني هو ذكر شخص مبهم في السند، ولا شك أنّ ذكر المبهم في السند كسقوطه في عدم الإفادة فألحقوه بالمنقطع.
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله : "ومن الانقطاع الإسناد الذي ذكر فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ أو غيرهما[131]
قال العلامة ابن كثير رحمه الله في كتابه اختصار علوم الحديث: "المنقطع أن يسقط من الإسناد أو يذكر فيه رجل مبهم"[132]
وقد مثّل لهذا النوع من المنقطع كلّ من أبي عبد الله الحاكم وابن الصلاح رحمهما الله
...................................................................................
بحديث رواه الجريري عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يعلّم أحدنا أن يقول في صلاته: اللهم إني أسألك التثبت في الأمور وعزيمة الرشد، وأسألك قلبا سليما ولسانا صـادقا، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأستغفرك لما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم[133]
قال الحاكم رحمه الله: "هذا الإسناد مثال لنوع من المنقطع، لجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخير وشداد بن أوس رضي الله عنه، وشواهده في الحديث كثيرة[134]
هذا، وإنّ المنقطع – بناء على تعريف المصنف رحمه الله- عام يشمل أيّ وجه من السقوط كما ذكرناه.
هذا هو الراجح من تعريف المنقطع.
وقال الإمام النووي رحمه الله: الصحيـح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدّثين أنّ المنقطع ما لم يتصـل إسناده على أيّ وجـه كان انقطاعه[135] .
وسيأتي اصطلاح آخر بتخصيص المنقطع بسقوط واحد أو اثنين في موضعين.
وَالسُّقُوطُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَدِ وَيُسَمَّى مُعَلَّقًا، وَهَذَا الَْإِسْقَاطُ تَعْلِيقًا، وَالسَّاقِطُ قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا،
المعلّق
(والسقوط) في السند (إما أن يكون من أوّل السند) بأن يُسقِط الراوي شيخَه فقط أو شيخه ومن بعده (ويسمىّ) الحديث حينئذ (معلقا) ، بتشديد اللام وفتحها أي بصيغة اسم المفعول، يقال للمرأة التى فقد زوجها المعلقة، قال الله تعالى "فتذروها كالمعلقة"[136]، فسمّي للحديث الذي فقد سنده معلقا، تشبيها بالمرأة المعلقة.
(وهذا الإسقاط) يسمّى (تعليقا) ، يقال علّق الحديث تعليقا، أي ذكر الحديث مع إسقاط أوّل السند.
وقد أنشد الإمام السيوطي رحمه ا لله في الألفية:
مَا أوّلُ الإسْنادِ مِنْهُ يُطلقُ وَلوْ إلـَى آخِـرهِ مُعَـلَّقُ
(والساقط قد يكون واحدا) أي بإسقاط شيخه الذي أخذ عنه الحديث، نحو حديث الإمام البخاري رحمه الله: قال عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عبد الرحمن بن القاسم أخبرني القاسم أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: شخص بصر النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ثم قال إلى الرفيق الأعلى ثلاثا [137]
فالإمام البخاري رحمه الله قد أسقط فيه شيخَه، لأنه لم يأخذ عن عبد الله بن سالم إلا بواسطة، وهذه الواسطة هو شيخه المباشر الذي أخذ عنه هذا الحديث، ولكن أسقطه البخاري رحمه الله ولم يذكره في هذا السند.
وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ، وَقَدْ يُحْذَفُ تَمَامُ السَّنَدِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ، يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وقد يكون الساقط اثنين (وقد يكون أكثر) من اثنين، نحو حديث الإمام البخاري رحمه الله : قال الزهري : قالت أمّ هانئ : التحف النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم بثوب واحد وخالف بين طرفيه على عاتقيه[138].
وقد أسقط هنا الإمام البخاري رحمه الله اثنين أو أكثر، حيث لم يأخد الإمام البخاري عن الزهري إلا بواسطة اثنين أو أكثر.
(وقد يُحذف تمام السند) ويقصر على ذكر المتن فقط (كما هو عادة المصنفين) في غير كتب رواية الحديث (يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أو قال ابن عباس أو ابن عمر أو الحسن البصري رضي الله عنهم، ثم يذكرون قولهم بدون ذكر السند.
وحذف تمام السند واقع في صحيح البخاري كثيرا.
قال البخاري رحمه الله: باب المعاصى من أمرالجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلىّ الله عليه وسلّم إنك امرؤ فيك جاهلية[139].
فذكر الإمام البخاري هنا قول النبي صلىّ الله عليه وسلّم بدون سنده.
وقال أيضا في باب الإيمان: "قال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله. وقال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر"[140]
هكذا ذكر الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه أقوال النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم و الصحابة رضي الله عنهم في كثير من تراجم الأبواب مع حذف جميع السند.
وَالتّعْلِيقَاتُ كَثِيرَةٌ فِي تَرَاجِمِ صَحِيحِ الْبُخَاِريِّ، ولَهَا حُكْمُ الْإِتِّصَالِِ لِأَنَّهُ الْْتَزَمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَأْتِيَ إِلاَّ بِالصَّحِيحِ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَرْتَبَةِ مَسَانِيدِهِ إِلاَّ مَا ذَكَرَ مِنْهَا مُسْنَدًا فِي مَوْضِعٍ آخَر مِنْ كِتَابِهِ
تعليقات البخاري
(والتعليقات كثيرة في تراجم) جمع ترجمة، أي في بيان وتفسير أبواب (صحيح البخاري) وقد تقدم مثالها.
(ولها) أي للتعليقات الواردة في صحيح البخاري (حكم الاتصال) أي وهي كالأحاديث المتصلة حكما وإن كانت في الحقيقة منقطعة (لأنه) أي لأنّ الإمام البخاري رحمه الله (التزم) أي عهد (في هذا الكتاب) أي في صحيح البخاري، متعلق التزم، أي في شأن هذا الكتاب (أن لا يأتي إلا بالصحيح) فلم يذكر فيه إلا الأحاديث الصحيحة الثابته لديه بإسناد صحيح، فكلّ ما ذكر فيه له سند صحيح ثابت عنده.
فأما المعلقات التى أوردها الإمام البخاري رحمه الله في غير هذا الكتاب، كالأدب المفرد، وخلق أفعال العباد، والتاريخ الكبير والصغير وغيرها من كتب الإمام البخاري رحمه الله، فليس لها حكم الاتصال اتفاقا، لأنه لم يلتزم بذكر الصحيح فيها، ففيها صحيح وضعيف ومقبول ومردود.
(ولكنها) أي التعليقات الواردة في صحيح البخاري (ليست) في الصحة والقوة والقبول والاحتجاج (في مرتبة مسانيده) أي ليست في درجة الأحاديث المتصلة المسندة المذكورة في صحيح البخاري، (إلا ما ذكر) البخاري رحمه الله (منها مسندا) أي متصلا (في موضع آخر من كتابه) أي في صحيح البخاري، فهو في حكم المتصل الصحيح.
مثاله: ما رواه البخاري رحمه الله معلّقـا في كتاب الطب: الرقي بفاتحـة الكتاب
وَقَدْ يُفْرَقُ فِيهَا بِأَنَّ مَا ذَكَرَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَالْمَعْلوُمِ كَقَوْلِهِ قَالَ فُلاَنٌ أَوْ ذَكَرَ فُلاَنٌ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ إِسْنَادِهِ عِنْدَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ قَطْعًا.
يذكر عن ابن عباس رضي الله عنه[141].
ثم ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في باب آخر مسندا متصلا، فقال: حدثنا سيدان بن مضارب أبو محمد الباهلي حدثنا أبو معشر البصري – وهو صدوق – يوسف بن يزيد البراء قال حدثني عبيد الله بن الأخنس أبو مالك عن ابن أبي مليكة عـن ابن عباس رضي الله عنه أنّ نفرا من أصحاب رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم مروا بماء، فيهم لديـغ، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق، إنّ في الماء رجلا لديغا، فانطلق رجل منهم فقرء بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينـة، فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا، كتاب الله[142]
(وقد يفرق فيها) أي في شأن تعليقات البخاري (بأنّ ما ذكر) البخاري من التعليقات (بصيغة الجزم) أي بصغية المعروف (والمعلوم) عطف تفسير، (كقوله قال فلان أو ذكر فلان).
مثاله قول البخاري بدون إسناد: قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم من مات له ثلاثة من الولد كانت له حجابا من النار[143] (دلّ على ثبوت إسناده عنده) أي عند الإمام البخاري (هو صحيح قطعا) فله حكم الحديث المتصل الصحيح.
وَمَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَالْمَجْهُولِ كَقِيلَ وَ يُقَالُ و َذُكِرَ فَفِي صِحَّتِهِ عِنْدَهُ كَلاَمٌ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ كَانَ لَهُ أَصْلٌ ثَاِبتٌ.
وقد أنشد الإمام السيوطي رحمه الله:
وَفِي الصّحِيحِ ذا كَثيرٌ فالذِي أتَى بِهِ بصِيغَـةِ الجَزْم خُـذِ[144]
(وما) أي المعلق الذي ( ذكره) الإمام البخاري ( بصيغة التمريض) أي بصيغة تدلّ على الضعف، لأنّ المرض هو الضعف، (والمجهول) عطف تفسير للتمريض لأنّ صيغة المجهول تدلّ على الضعف غالبا، إذ تستعمل صيغة التمريض عند عدم المعرفة وعدم التيقن بنسبة القول إلى القائل (كقيل ويُقال وذُكر) كقول البخاري رحمه الله في باب ما قيل في الرماح: يُذكر عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم: جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار لمن خالف أمري[145] ، (ففي صحته عنده) أي عند البخاري (كلام) فقال قوم ليس بصحيح عند البخاري وقال قوم بعكسه.
(ولكنه) أي البخاري، أو الضمير للشأن (لما أورده) أي المعلق (في هذا الكتاب كان له أصل ثابت) لأنه التزم فيه أن لا يأتي إلا بالصحيح.
واذا أورد البخاري المعلّق بصيغة التمريض والمجهول ثم أسنده وذكره متصلا في موضع آخر فلا خلاف في أنه في حكم المتصل الصحيح.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره البخاري رحمه الله معلقا بصيغة المجهول في كتاب الصلاة: "يُذكر عن أبي موسى كنا نتناوب النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم عند صلاة العشاء"[146]
ثم أسنـده وذكره متصلا في باب فضل العشاء فقال: حدثنا محمد بن العـلاء
وَلِهَذَا قَالُوا تَعِْليقَاتُ الْبُخَارِيِّ مُتَّصِلَةٌ صَحِيحَةٌ
قال: أخبرنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بريدة عن أبي موسى كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان، والنبيّ صلىّ الله عليه وسلّم في المدينة، فكان يتناوب النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، فوافقنا النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، وله بعض الشغل في بعض أمره، فاعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليل..... الحديث[147].
ففهمنا من هذا أنّ الرواية بصيغة المجهول في صحيح البخاري لاتدّل على ضعف الحديث حيث استعملها في الحديث الصحيح.
(ولهذا) أي لأنّ ما أورده البخاري في صحيحه يكون له أصل ثابت حيث التزم بأنه لا يذكر فيه إلا الصحيح ( قالوا) أي الفقهاء والمحدّثون ( تعليقات البخاري متصلة صحيحة) أي في حكم الأحاديث المتصلة الصحيحة من حيث يصح الاحتجاج بها.
تعليقات مسلم
والتعليق يوجد أيضا في صحيح مسلم، ولكنه قليل جدا.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "أما المعلّق هو الذي حـذف من مبدأ إسناده واحـد أو أكثر فأغلب ما وقـع ذلك في كتاب البخاري، وهو في كتاب مسلم قليل جدا، ففي بعضه نظر"[148]
وقد أورد الإمام مسلم رحمه الله بعض التعليقات في مقدمة صحيحه.
ومن تعليقات مسلم ما رواه في التيمّم فقال: "روى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعـة عن عبد الرحمـن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس رضـي الله عنه أنه سمعـه
...................................................................................
يقول أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يرد رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم ردّ السلام"[149]
فالإمام مسلم رحمه الله أورد هذا الحديث معلّقا، ولم يوصل إسناده، حيث أسقط رجلا من رواته من أوّل السند، لأنّ الإمام مسلما رحمه الله لم يسمع ولم يأخذ عن الليث بن سعد مباشرة، وقد أسند وأوصل الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في صحيحه فقال: حدثنا يحيى بن بكر قال حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة الخ[150].
ويعدّ أيضا من تعليقات مسلم:
1- الحديث الذي رواه في كتاب المساقات والمزارعة فقال: روى الليث بن سعد حدثنى جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عبد الله بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك قال: إنه كان له مال على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما فمرّ بهما رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فقال: يا كعب، فأشار بيده، كأنه يقول النصف فأخذ نصفا مما عليه وترك نصفا[151]
2- الحديث الذي رواه في كتاب الحدود فقال: روى الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله[152]
وَإِنْ كَانَ السُّقُوطُ مِنْ آخِرِ السَّنَدِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّابِعِيِّ فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ
فهذان الحديثان أيضا معلّقان حيث إنّ مسلما رحمه الله رواهما عن الليث بن سعد ولم يسمع ولم يأخذ عنه مسلم رحمه الله مباشرة.
وقال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله في كتابه التقييد والإيضاح: "هذان الحديثان الأخيران قد رواهما مسلم قبل هذين الطريقين متصلا ثم عقبهما بهذين الإسنادين المعلقين، فعلى هذا ليس في كتاب مسلم بعد المقدمة حديث معلّق لم يوصله إلا حديث أبي الجهم المذكور" [153]
ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله عن تعليقات مسلم: "في بعضها نظر"[154]
المرسل
وهو على صيغة اسم المفعول من الإرسال، معناه في اللغة الإطلاق، وعدم المنع، كما في قوله تعالى: انّا أرْسَلْناَ الشياطين عَلَى الكَافِرينَ[155]. ومنه: يقال ناقـة مرسلة، أي أطلق سراحها.[156]
(و) في الاصطلاح : (إن كان السقوط) أي سقوط الراوي (من آخر السند، فإن كان بعد التابعي) سواء كان من كبار التابعين أو من صغارهم (فالحديث) حينئذ يقال له (مرسل) سمّي به لأنّ راويه أطلقـه ولم يقيّـده براو معروف، وجمعـه مراسيل
وَهَذَا الْفِعْلُ إِرْسَالٌ، كَقَوْلِ التَّابِعِيِّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بإثبات الياء وحدفها أيضا[157]
(وهذا الفعل) أي إسقاط راو بعد التابعي يقال له (إرسال) بصيغة المصدر، (كقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) كذا، كحديث عطاء بن يسار قال: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: أللهم لا تجعل قبري وثنا يُعبد، غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد- رواه مالك.[158]
فهذا الحديث يرويه عطاء بن يسار، مرفوعا، وهو تابعي جليل، لم يلق ولم يسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا بدّ أن تكون واسطة بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأسقط الواسطة ورواه مرفوعا، فهذا الحديث مرسل حيث سقط فيه الراوي بعد التابعي.
هذا، وقد احترز المصنف رحمه الله بقوله "بعد التابعي" عن الحديث الذي سقط من سنده قبل التابعي من تابع التابعين وغيره فلا يقال له مرسل، واحترز به أيضا عن الحديث الذي سقط من سنده صحابي بعد صحابي، وذلك أن يأخذ صحابي بواسطة صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسقط الواسطة ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وذلك كحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم : من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم، فرواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعا، ثم يأتي إليه عبد الرحمن بن الحارث طارقا بابه ويسأله عن هذا الحديث، فقال أبو هريرة رضي الله عنه : لا علم لي بذلك ، إنما أخبرنيه مخبر، كذا أخرجه مالك في الموطأ[159].
...................................................................................
هذا يدلّ على أنّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يسمع هذا الحديث عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم مباشرة بل سمعه بواسطة، وقد بيّن أبو هريرة رضي الله عنه نفسه أنّ هذه الواسطة هو الفضل بن العباس رضي الله عنه كما في رواية البخاري رحمه الله، حيث قال أبو هريرة رضي الله عنه: "كذلك حدثني الفضل بن العباس وهو أعلم"[160]
وهذا النوع ليس بمرسل، بل له حكم الوصل والاتصال وفاقا، ولا شبهة فيه ويحتج به اتفاقا، لأنّ غالب روايات الصحابة إنما هو عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أو الصحابة رضي الله عنهم، وروايتهم عن التابعي نادرة وقليلة جدا، ولا يضرّ الجهل بالصحابي، ولا سقوطه من السند، لأنّ الصحابة كلهم عدول[161]
وقد أنشد الحافظ العراقي رحمه الله:
أمّا الذِي أرْسَلهُ الصّحَابِـي فحُكْمُهُ الوَصْلُ عَلىَ الصّوَابِ
واحترز المصنف رحمه الله أيضا بقوله "إن كان السقوط" عن الحديث الذي رواه التابعي عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم بدون سقوط بعده، وذلك كرواية التابعي الذي سمع النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم مباشرة - وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم - فهو تابعي اتفاقا، وحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمرسل بل هو متصل مرفوع، كإخبار التنوخي- رسول هرقل، عن قصة رسالة هرقل إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ورسالة رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم إلى هرقـل - رواه أحمد في مسنده[162].
...................................................................................
فهذا الحديث هو من روايـة التابعي عن النبيّ صلىّ الله عليه وسـلّم، ولكنه ليس بمرسل، حيث لم يسقط أحـد بعد التابعي بل سمع وأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.
ولكن أبو عبد الله الحاكم رحمه الله لم يذكر السقوط في تعريف المرسل حيث قال: فإنّ مشائخ الحديث لم يختلفوا في أنّ الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدّث بأسانيد متصلة إلى التابعي فيقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"[163].
فاعترض عليه الإمام السيوطي رحمه الله فقال:" يرد على تخصيص المرسل بالتابعي من سمع من النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وهو كافر ثم أسلم بعد موته، فهو تابعي اتفاقا، وحديثه ليس بمرسل بل موصول لا خلاف في الاحتجاج به"[164]
فهذا الاعتراض لا يرد على تعريف المصنف رحمه الله حيث اعتبر السقوط في تعريف المرسل.
وأيضا، انّ المصنف لم يقيّد التابعي في تعريف المرسل بالكبير الذي لقي كثيرا من الصحابة كسعيد بن المسيب ولا بالصغير الذي لم يلق إلا قليلا منهم كيحى بن سعيد الأنصاري ، بل أطلقه بحيث يعمّ كلا منهما، ولم يفرق بينهما، وهذا هو المشهور.
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "والمشهور هو التسويـة بين التابعين أجمعين رضي الله عنهم"[165]
فلاخلاف بين العلماء في أنّ الحديث إذا كان السـقوط في سنده بعد التابعـي
...................................................................................
الكبير فهو مرسل، ولكن ذهب بعضهم إلى أنه إذا كان السقوط بعد التابعي الصغير لا يسمّى مرسلا.
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله:"قول الزهري وابن حازم ويحي بن سعيد الأنصاري وأشباههم من أصاغر التابعين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكى ابن عبد البر أنّ قوما لا يسمونه مرسلا بل منقطعا، لكونهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر روايتهم عن التابعين"[166]
ولا شك أنّ الساقط بعد التابعي لا يختص أن يكون صحابيا، بل يمكن أن يكون صحابيا أو تابعيا، أو تابع التابعيين، ولكن خصّ بعضهم في تعريف المرسل أن يكون الساقط صحابيا، كما عرّفه الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله حيث قال في الاقتراح: "المرسل: المشهور فيه انه ما سقط من منتهاه ذكر الصحابي"[167] وكذلك الحافظ الذهبي حيث قال في كتابه الموقظة: "المرسل: ما سقط ذكر الصحابي من إسناده"[168] .
وعلى هذا التعريف لا يدخل في المرسل الحديثُ الذي سقط في سنده واحد بعد التابعي وذكر فيه الصحابي، كحديث الحسن البصري عن علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يشب وعن المجنون حتى يفيق - رواه الترمذي، وقال لا نعرف للحسن سماعا من علي بن أبي طالب رضي الله عنه[169].
وَقَدْ يَجِيئُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ بِمَعْنًى، وَاْلاِصْطِلاَحُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ
فهذا الحديث قد سقط فيه واحد بعد التابعي، لأنّ الحسن البصري رحمه الله لم يسمع ولم يأخذ عن علي رضي الله عنه مباشرة كما ذكره المحـدّثون، ومع ذلك لم يسقط فيه ذكر الصحابي.
فهذا الحديث لا يدخل في المرسل حسب تعريف الإمام ابن دقيق العيد والحافظ الذهبي رحمهما الله.
هذا، وإنّ العلماء قد اختلفوا في حجية المرسل كما يأتي، وإن كان المرسل خاصا بسقوط الصحابي فلا يكون خلاف بالاحتجاج به، لماسيأتي من أنّ سقوط الصحابي وعدم ذكره لا يضرّ، لأنّ الصحابة كلّهم عدول.
(قد يجيء عند) جماعة من (المحدّثين) وعند الفقهاء والأصوليين أيضا (المرسل) فاعل ليجيء (والمنقطع) عطف على المرسل (بمعنى) واحد أي بالمعنى السابق المذكور للمنقطع.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "هذا هو مذهب أكثر الأصوليين"[170]
قال الإمام النووي رحمه الله في مقدمة شرح مسلم: "وأما المرسل فهو عند الفقهاء والأصوليين والخطيب البغدادي وجماعة من المحدّثين: ما انقطع إسناده على أيّ وجه كان انقطاعه فهو عندهم بمعنى المنقطع"[171].
(والاصطلاح الأوّل أشـهر) عند المحدّثين، حيث خصّوا المرسـل بما سقط بعـد التابعي.
وَحُكْمُ الْمُرْسَلِ التَّوَقُّفُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ لاَيُدْرَى أَنَّ السَّاقطَ ثِقَةٌ أَوْلاَ، لِأَنَّ التَّابِعِيَّ قَدْ يَِرْوِي عَنِ التَّابِعِيِّ، وَفِي التَّابِعِينَ ثِقَاتٌ وَغَيْرُ ثِقَاتٍ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
حجية المرسل
(و) أمّا (حكم المرسل) في الاحتحاج به فاختلف العلماء فيه على عدة أقوال:
1- (التوقف) عن الاحتجاج به وعن عدمه، وهو الراجح (عند جمهور العلماء) من الفقهاء والأصوليين (لأنه) الضمير فيه للشأن ( لا يُدرى) بصغية المجهول أي لا يُعرف، ونائب الفاعل هوجملة (أنّ الساقط) في المرسل (ثقة أو لا) لأنّ الساقط يحتمل أن يكون صحابيا فهو ثقة لأنّ الصحابة كلهم عدول، ويحتمل أن يكون تابعيا (لأنّ التابعي قد يروى) الحديث (عن التابعي) فلا يُعرف هل الساقط صحابيّ أم تابعيّ، (و) إن كان تابعيّا فلا يُعرف هل هو ثقة أم لا؟ لأنّ (في التابعين ثقات وغير ثقات)، ونظرا إلى هذه الاحتمالات توقف الجمهور عن الاحتجاج بالمرسل، حيث إذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال، فيتوقفون عن الاحتجاج به حتى يثبت أنّ الساقط هو صحابيّ أو تابعيّ ثقة عن تابعي ثقة حتى ينتهي إلى صحابي.
2- الاحتجاج به مطلقا: (و) هذا هو الراجح (عند) الإمام (أبي حنيفة) رحمه الله [172]
وَمَالِكٍ
(و) الإمام (مالك) بن أنس[173] والأوزاعي والثوري رحمهم الله، وعند أحمد رحمه الله في أشهر الروايتين عنه، بل هذا هو مذهب أكثر الفقهاء القدماء.
قال الإمام ابن الأثير رحمه الله: "والناس في قبول المراسيل مختلفون فذهب أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ومن بعدهم من أئمة الكوفة إلى أنّ المراسيل مقبولة، محتج بها عندهم، حتى إنّ منهم من قال: إنها أصح من المتصل المسند"[174]
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "وحكي الاحتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة، وعن أهل العراق جملة، وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة وصاحبيه"[175]، حتى كان العلماء كلهم يحتجون بالمرسل حتى يأتي الإمام الشافعي رضي الله عنه، فيقول الإمام أبو داود رحمه الله في رسالته إلى أهل مكة: "فأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه"[176].
المُرْسَلُ مَقْبُولٌ مُطْلَقًا، وَهُمْ َيقُولُونَ إِنَّمَا أَرْسَلَهُ لِكَمَالِ الْوُثُوقِ وَالْاِعْتِمَادِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الثِّقَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَحِيحًا لَمْ يُرْسِلْهُ وَلَمْ يَقُلْ قَالَ رَسوُلُ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
فعند هؤلاء العلماء (المرسل مقبول مطلقا) أي يحتجون بالمرسل سواء كان من كبار التابعين أو من صغارهم، وسواء كان له عاضد أم لا، حتى قالت طائفة من المالكية: "إنّ مراسيل الثقات أولى من المسندات"[177]
(وهم يقولون) مستدلّين في إثبات مذهبهم (إنما أرسله) التابعي (لكمال الوثوق) بثقة الساقط (و)صحة (الاعتماد) عليه (لأنّ الكلام في الثقة)، لأنّ التابعي هو يتكلم عن الحديث ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعرف أنّ الحديث لايقبل ولا يروى إلا عن ثقة. (و) لذا، (لو لم يكن) الحديث (عنده) أي عند التابعي الذي أرسله (صحيحا) بكونه مرويا عن الثقة (لم يرسله) أي لا يحذف الشخص الذي أخذ عنه ذلك الحديث، (ولم يقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)، لأنه لا يسند ولا يرفع إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم إلا ما صح عنه. ولكن هذا مجرد احتمال فقط، وبمثل هذا لا يثبت صحة الحديث، وكم من تابعي روى الحديث عن الضعفاء والمتروكين.
3- الاحتجاج به إن كان له عاضد: (و) هذا هوالراحج (عند) الإمام (الشافعي) رضي الله عنه[178]
إِنِ اِعْتَضَدَ بِوَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ أَوْ مُسْنَدٍ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا قُبِلَ.
فعنده (إن اعتضد)، الاعتضاد: التقوّي والاستعانة، أي إذا وجد للمرسل عاضد، واشتد وحصلت له قوة بمجيئه (بوجه آخر) أي بطريق آخر، (مرسل أو مسند) أي سواء في الاعتضاد مرسل أو مسند (وإن كان) سنده (ضعيفا) بحيث لا يكون ضعيفا جدا (قبل) المرسل، فحينئذ حصلت للمرسل قوة وانجبر ضعفه بمجيئه بوجه آخر.
فالحديث المرسل عند الإمام الشافعي رضي الله عنه ومن تبعه قسم من أقسام الضعيف، وإن كان صحيحا عند أبي حنيفة ومالك وغيرهما رحمهم الله.
قال الإمام النووي رحمه الله: " المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدّثين وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول، وقال مالك وأبو حنيفة في طائفة: صحيح"[179]
وحيث إنّ المرسل حديث ضعيف فالاحتجاج به كالاحتجاج بأيّ حديث ضعيف آخر، فإذا كان له عاضد ينجبر ضعفه فيصح الاحتجاج به.
ولكن هذا العاضد لقبول المرسل لا ينحصر عند الإمام الشافعي رضي الله عنه في الحديث المرفوع فقط، بل عملُ الصحابي وفتوى جمهور العلماء بمقتضاه يعتبر أيضا عاضدا له، وقد نصّ الإمام الشافعي رضي الله عنه نفسه على ذلك في كتابه الرسالة[180].
مثال المرسل الذي انجبر ضعفه: ما رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهي عن بيع الحيوان باللحم[181].
...................................................................................
فهذا مرسل لأنّ سعيد بن المسيب تابعي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد احتج الإمام الشافعي بهذا الحديث، وقد انجبر ضعفه من تلك الوجوه كلّها:
أ- قد عمل بمقتضاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك ما رواه الشافعي رضي الله عنه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ جزورا نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني بهذه العناق، فقال أبو بكر رضي الله عنه لا يصلح هذا[182]
ب- قد أفتى بمقتضاه أكثر أهل العلم، فكان القاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن رحمهم الله يحرمون بيع اللحم بالحيوان[183].
ج- وقد جاء مرسل يعضده، هو ما رواه الشافعي رضي الله عنه عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة قال : قدمت المدينة ، فوجدت جزورا قد جزرت فجزئت أربعة أجزاء ، كل جزء منها بعناق ، فاردت أن ابتاع منها جزءا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهي أن يباع حيّ بميت ، فسألت عن ذلك الرجل فاخبرت عنه خيرا[184]
د- وقد جاء مسند آخر يعضده، وهو حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنّ الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة بن جندب رضي الله عنه، فمنهم من أثبته فيكون مثالا لعاضد مسند، ومنهم من لم يثبته فيكون مثالا آخر لعاضد مرسل[185]
وَعَنْ أَحْمَدَ قَوْلاَنِ
(و) يروى (عن) الإمام أبي عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل رحمه الله[186] (قولان) في حجية المرسل:
أ - إنّ المرسل حجة وفاقا لأبي حنيفة ومالك وغيرهما.
ب- لا يحتج به، وفاقا للإمام الشافعي رضي الله عنه.
والأول هو الراجح والمشهور من مذهبه كما ذكرناه.
قال ابن رجب الحنبلي: "وقد استدلّ كثير من الفقهاء بالمرسل وهو الذي ذكر أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد"[187].
قال ابن القيم: "الأصل الرابع – من مذهب الإمام أحمد – الأخذ بالمراسيل والحديث الضعيف"[188]
4- عدم الاحتجاج به مطلقا ، حتى لا يحتجون بمراسيل الصحابة رضي الله عنهم.
وحكي ذلك عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني رحمه الله
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "ظنّ قوم أنه تفرّد بذلك، فاحتجوا عليه بالإجماع، لأنّ القاضي أبابكر الباقلاني قد صـرح في "التقريب" بأنّ المرسل لا يقبل
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ عَادَةَ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ أَنْ لاَ يُرْسِلَ إِلاَّ عَنِ الثِّقَاتِ
مطلقا حتى مراسيل الصحابة رضي الله عنهم ، لا لأجل الشك في عدالتهم ، بل لأجل أنهم قد يروون عن التابعين"[189]
وأجيب عن هذا: أنّ الظاهر فيما رووه أنهم سمعوه من النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أو من صحابي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فأما روايتهم عن التابعي فقليلة نادرة[190]
5- الاحتجاج بمراسيل الصحابة رضي الله عنهم فقط، وردّ ما عداها مطلقا، حكاه القاضي عبد الجبار في شرح العمدة.
قال ابن حجرالعسقلاني رحمه الله: " وهو الذي عليه عمل أئمة الحديث"[191]
هذا، وهناك أقوال أكثر من هذا، قد عدّ الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح أكثر من عشرة أقوال في هذه المسئلة[192]، تركت ذكرها تجنبا عن الإطناب.
(وهذا) الخلاف في حجية المرسل وعدمها (كله إذا علم) بالقرينة أو بالإخبار أو بالاستقراء (أنّ عادة ذلك التابعي) الذي أرسله (أن لا يرسل إلا عن الثقات) أي لا يسقط إلا صحابيا أو تابعيا ثقة ، كسعيد بن المسيب ، وقد عرف أنه لم يرسل إلا عن ثقة
ولذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: مراسيل سعيد صحاح لا نرى أصـح من مرسلاته[193].
وَاِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أََنْ يُرْسِلَ عَنِ الثِّقَاتِ وَعَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ فَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ بَالْإِتِّفَاقِ، َكَذَا ِقيلَ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ
وقال ابن معين رحمه الله: أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: قد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة[194]
وقال ابن الأثير رحمه الله: "وأصحها مراسيل ابن المسيب، فإنه أدرك جماعة من أكابر الصحابة وأخذ عنهم، وأدرك من لم يدركه غيره من التابعين، وقد تأمل الأئمة مراسيله فوجدوها جميعا بأسانيد صحيحة"[195]
(وإن كانت عادته) أي عادة ذلك التابعي الذي أرسل الحديث (أن يرسل عن الثقات وغير الثقات) كحسن البصري رحمه الله، حيث كان يرسل عن الثقات والضعفاء، حتي قال عنه الذهبي رحمه الله: "ومن أوهي المراسيل عندهم مراسيل الحسن"[196] (فحكمه التوقف) عن الاحتجاج وعدمه (بالاتفاق) أي اتفق العلماء على التوقف عن الاحتجاج وعدمه إذا كان عادة التابعي الإرسال عن الثقات والضعفاء.(كذا قيل) في تحرير الخلاف.
هذا ما نقله أبو بكر الرازي من الحنفية وأبو الوليد الباجي من المالكية، كما قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة[197]
(وفيه) أي في الخلاف في هذه المسئلة (تفصيل أزيد) بصيغة أفعل التفضيل أي تفصيل أكثـر (من ذلك) المذكـور، (ذكره) أي التفصيل ، الحافظ الإمام شمس الديـن
السَّخَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ
(السخاوي) رحمه الله[198] (في) كتابه فتح المغيث (شرح الألفية) في علم الحديث للحافظ زين الدين العراقي رحمه الله، فراجعه.
المرسل في صحيح مسلم
وقد وقع في صحيح مسلم بعض الأحاديث المرسلة.
ومنها ما رواه في كتاب البيوع: حدثني محمد بن رافع حدثنا حجين حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهى عن المزابنة والمحاقلة[199]... الحديث[200].
فهذا الحديث مرسل لأنّ سعيد بن المسيب تابعي ومع ذلك قد روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن أورد الإمام مسلم رحمه الله نفسه هذا الحديث في صحيحه متصلا ومسندا من عدة وجوه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وغيره[201]
فالحديث صحيح له حكم المتصل المسند بلا خلاف حيث وصله من وجوه أخرى.
وقال الإمام السيوطي رحمه الله "وفي صحيح مسلم من هذا النمط عشرة أحاديث والحكمة في إيراد ما أورده مرسلا بعد إيراده متصلا إفادة الاختلاف الواقع فيه"[202]
...................................................................................
ولكن هناك حديث آخر أورده مسلم رحمه الله مرسلا ولم يذكره متصلا في موضع آخر، وهو ما رواه في كتاب الحيض حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا المعتمر حدثنا أبي حدثنا أبو العلاء بن الشخير[203] قال: كان رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا[204].
هذا الحديث أيضا مرسل لأنّ أبا العلاء الشخير تابعي ومع ذلك قد روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يورد مسلم رحمه الله هذا الحديث متصلا في صحيحه.
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: "وما أورده مرسلا ولم يوصله في موضع آخر حديث أبي العلاء بن الشخير: كان رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ينسخ حديثه بعضه بعضا... الحديث، لم يرو موصولا عن الصحابة من وجه يصح"[205].
ولكن لما أورده مسلم رحمه الله في صحيحه فلا بدّ أن يكون ثابتا عنده صحيحا مسندا، لأنه التزم بأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا.
المعضل
تعريفه لغة واصطلاحا: المعضل: هو بفتح الضاد المعجمة، على صيغة اسم المفعول، معناه في اللغة: المستغلق.
قال الجوهري يقال أعضلني فلان أعياني أمره وقد أعضل الأمر اشتد واستغلق[206].
وَإِنْ كَانَ السُّقُوطُ مِنْ أَثْنَاءِ الْإِسْنَادِ فَإِنْ كَانَ السَّاِقطُ اِثْنَيْنِ مُتَوَاليًا يُسَمَّي مُعْضَلاً بِفَتْحِ الضَّادِ
قال ابن فارس: "عضل: العين والضاد واللام أصل واحد صحيح يدلّ على شدة والتواء في الأمر"[207]
(و) في الاصطلاح (إن كان السقوط) أي سقوط الراي (من أثناء الإسناد) أي السند (فإن كان الساقط اثنين) من الرواة (متواليا) أي سقط واحد تلو واحد في موضع واحد (يسمّى) الحديث حينئذ (معضلا – بفتح الضاد) وفقا لاستعمال المحدّثين.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "أصحاب الحديث يقولون أعضله فهو معضل بفتح الضاد وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة، فبحثت فوجدت له قولهم: أمر عضيل أي مستغلق شديد، ولا التفات في ذلك إلى معضل بكسر الضاد وإن كان مثل عضيل بالمعنى"[208]
يعنى أنّ المشهور في اللغة أن يقال: أعضل الأمر فهو معضل كأشكل فهو مشكل، فهو فعل لازم ، ولا يتعدى، فلا يأخـذ منه اسم المفعول، فلا يصح أن يقال المعـضل بفتح الضاد، ولكن الامام ابن الصلاح رحمه الله بعد بحثه وجَد اسـتعمالا آخر، وهو قولهم: أمر عضيل أي مستغلق، فكلمة "عضيل" هو فعيل من عضل الثلاثي. فهذا يدلّ على أنّ أعضـل يستعمل متعديا أيضا كما يستعمل لازما، فيصح أن يأتي المعضل بفتح الضاد من أعضل المتعدي لا من أعضل اللازم.
قال الإمام الزركشي رحمه الله : "الأحسن أن يكون من أعضلته إذا صيرت أمره معضلا"[209].
...................................................................................
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله : "فكأنّ المحدّث الذي حدّث به على ذلك الوجه أعضله فصار معضلا"[210]
مثال الحديث المعضل ما راوه عبد الرزاق عن ابن جريج قال مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بفتى يصلّى، فقال عمر رضي الله عنه: يا فتى تقدم إلى الساريـة لا يلعب الشيطان بصلاتك، فلستُ برأي اقوله، ولكن سمعته من رسـول الله صلى الله عليه وسلم[211].
فهذا الحديث معضل حيث سقط من سنده اثنان متواليين بعد ابن جريج، لأنّ ابن جريج ليس بتابعي، ولم يأخذ عن عمر بن الخطاب وغيره من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلا بواسطتين، ولكنه قد أخذ عن ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم من صغار الصحابة رضي الله عنهم بواسطة واحدة، فابن جريج قد أعضل علينا هذا الحديث بإسقاط اثنين على التوالي من سنده فهذا الحديث معضل ومستغلق قد أعيى علينا أمره.
ومن المعضل عديد من البلاغات التى رواها الإمام مالك رحمه الله في كتابه الموطأ بصيغة بلغني كذا، كقوله: بلغني أنّ مسكينا استطعم عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، وبين يديها عنب، فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت عائشة رضي الله عنها: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة[212].
فالإمام مالك رحمه الله قد روى هذا الحديث عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولكن بإسقاط اثنين متواليين من سنده.
...................................................................................
وقد روى الإمام مالك رحمه الله نفسه عن عائشة رضي الله عنها أحاديث كثيرة بواسطة اثنين، كرواياته متصلا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، وعن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وغير ذلك
هذا، وعديد من بلاغات مالك رحمه الله - كما ينطبق عليه اسم المعضل- ينطبق عليه أيضا اسم المعلّق، لأنه من حيث سقوط الرواة في بداية سـنده فهو معلّق، ومن حيث سقوط اثنين متواليين فهو معضل، فلا غرابة في أن ينطبق هذان الاسمان معا على حديث واحد.
ولذا قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة: "وبين المعلّق والمعضل عموم وخصوص من وجه، فمن حيث تعريف المعضل بأنه سقط منه اثنان فصاعدا يجتمع مع بعض صور المعلّق، ومن حيث تقييد المعلّق بأنه من مبادئ السند يفترق عنه، إذ هو أعم من ذلك"[213]
استعمال آخر: وبناء على ما قرّرناه أنّ المعضل اسم للحديث باعتبار سقوط اثنين من سنده، فالنظر فيه إلى السند لا إلى المتن، ولكن هناك استعمال آخر للفظ المعضل بالنظر إلى متن الحديث، حيث يطلق أيضا على الحديث الذي أشكل معناه بدون أيّ سقوط في سنده.
فيقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح: "وجدت التعبير بالمعضل في كلام جماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيئ البتة ، فمن ذلك: قال النسائي – في اليوم والليلة- حدثنا يزيد بن سـنان المكي بن إبراهيـم، عـن مالك، عن نافع، عن ابن عمـر رضي الله عنهما: قال: متعتان كانتـا
...................................................................................
على عهد رسول الله صلى الله عيه وسلم فنهانا عنهما عـمر رضي الله عنه فانتهينا. قال النسائي هذا حديث معضل لا أعلم من رواه غير مكي، لا بأس به. ومن ذلك: قال أبو إسحاق إبرهيم بن يعقوب الجوجزاني- في ترجمة ضبارة بن عبد الله – أحد الضعفاء-: "روى حديثا معضلا" وهو متصل الإسناد. وقال ابن عديّ -في ترجمة زهير بن مرزوق- في الكامل: قال ابن معين لا أعرفه، قال: إنما قال ابن معين ذلك لأنه ليس له إلا حديث واحد معضل وإسناده متصل[214].
ثم أضاف العسقلاني رحمه الله قائلا: "فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضل الذي عرّف به المصنف- يعنى ابن الصلاح رحمه الله- وهوالمتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا الذي نقلناه بكسر الضاد ويعنون به المستغلق الشديد[215]
أقول: ليس هذا استعمالا اصطلاحيا، بل هو استعمال لغوي، وقد تقدم أنّ المعنى اللغوي هوالمستغلق والذي أعيى أمره. لأنهم أرادوا حينما أطلقوا لفظ المعضل على المتن أنّ معناه مستغلق وغير واضح، وأعي أمره وخفي مراده، وليس هذا إلا معنى لغويا.
اصطلاح آخر للمنقطع
وقد تقدم أنّ المنقطع هو ما سقط من سنده واحد أو أكثر ، بأيّ وجه كان، فالمنقطع وفقا على التعريف السابق عام يعمّ ويشمل كلّ نوع من أنواع السقوط، فيدخل فيه المعضل كما يدخل فيه المرسل والمعلّق وغيرهما ، وقد أوضحنا ذلك.
وَإِنْ كَانَ وَاحِداً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعٍ وَاحدٍ يُسَمَّى مُنْقَطِعًا، وَعَلَي هَذَا يَكُونُ الْمُنْقَطِعُ قِسْمًا مِنْ غَيْرِ الْمُتَّصِلِ
هذا، وهناك اصطلاح آخر للمنقطع، وهو اصطلاح خاص يطلق مقابلا للمعضل، فلا يدخل فيه المعضل ولايعمه ولا يشـمله ، وإلى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله : (وإن كان واحدا أو أكثر من غير موضع واحد يسـمى منقطعا) يعـنى إن كان الساقط اثنين أو أكثر في موضع واحد- أي متواليا- فهو معضل، وإن لم يكن كذلك - بأن يكون الساقط واحدا أو أكثر في غير موضع واحد- فالحديث منقطع.
فالمنقطع هو غير المعضل، حيث يشترط التوالي في المعضل، وعدم التوالي في المنقطع، وإلى هذا الاصطلاح أشار العسقلاني رحمه الله في كتابه النخبة، فقال: "إن كان باثنين فصاعدا مع التوالي فهو المعضل وإلا فهو منقطع"[216]
(وعلى هذا) الاصطلاح (يكون المنقطع قسما من غير المتصل) يعنى أنّ المنقطع على هذا الاصطلاح قسم من أقسام غير المتصل وقسيم للمعضل، فالسند قد يكون متصلا وقد يكون غير متصل، فغير المتصل ينقسم إلى أقسام، منها: المعلّق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع وغيرها. فإذا كان السقوط في أوّل السند فهو معلّق، وإن كان بعد التابعي فهو مرسل، وإن كان اثنين أو أكثر على التوالي فهو معضل، وإن كان واحدا أو اثنين أو أكثر على عدم التوالي فهو منقطع...هكذا.
وقد شرط بعضهم في المنقطع سقوط راو واحد فقط، سواء كان صحابيا أو غيره، وإذا سقط اثنان فصاعدا فليس بمنقطع لديهم، وإلى هذا ذهب ابن دقيق العيد رحمه الله في كتاب الاقتراح، فقال: "وما سقط منه رجل يسمّى بالمنقطع[217]
وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُنْقَطِعُ بِمَعْنَى غَيْرِ الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا شَامِلاً لِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يُجْعَلُ مَقْسمًا
وقد شرط الآخرون في المنقطع سقوط راو واحد قبل الصحابي، وإذا سقط الصحابي فليس بمنقطع عندهم، هذا ما اختاره الحافظ العراقي في ألفيته حيث أنشد :
وَسَمِّ بِالمُنْقَطِعِ الّذِي سَقَـط قَبْلَ الصّحَابِي بِـهِ رَاوٍ فَقَط
وقال الإمام النووي رحمه الله ناقلا الأقوال فيه: "قيل هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفا كان أو مبهما كرجل، وقيل هو ما روي عن تابعي أو من دونه قولا له أو فعلا "[218]
وعلى هذه الاصطلاحات كلها، المنقطع قسم من أقسام غير المتصل، وقسيم للمعضل والمرسل والمعلّق وغيرها.
(وقد يطلق المنقطع بمعنى غير المتصل مطلقا) أي سواء كان في أوّل السند أو بعد التابعي، أو على التوالي أو على غير التوالي (شاملا لجميع الأقسام) من معلّق ومرسل ومعضل وغيرها من أقسام الحديث من حيث انقطاع السند وعدم اتصاله، (وبهذا المعنى) أي بمعنى غير المتصل مطلقا ( يجعل) أي يعتبر المنقطع (مقسما) ينقسم إلى الأقسام المذكورة. فالمعضل ليس بقسيم للمنقطع، بل هو قسم منه.
وهذا المعنى للمنقطع هو الذي تقدم ذكره تحت عنوان "المنقطع" قبل ذكر المعلّق والمرسل، والمعضل.
كيف يعرف الانقطاع ؟
وقد ذكرنا عديدا من أقسـام الحديث من حيث الانقطاع و سـقوط الرواة من السند، وكلّ هـذا يتوقف على معرفة السقوط، ولكن كيف يعرف السقوط وعدمه؟ فما الطريق لمعرفتـه؟
وَيُعْرَفُ الْإِنْقِطَاعُ وَسُقُوطُ الرَّاوِي بِمَعْرِفَةِ عَدَمِ الْمُلاَقَاةِ بَيْنَ الرَّاوِي وَاْلمَرْوِيِّ عَنْهُ إِمَّا بِعَدَمِ الْمُعَاصَرَةِ
فأشار المصنف رحمه الله إلى طريق معرفته بقوله (ويعرف الانقطاع) أي عدم الاتصال (وسقوط الراوي) عطف تفسير للانقطاع وبيان للمراد، وذلك انّ المصنف لما ذكر اصطلاحين للانقطاع، اصطلاحا بمعنى سقوط الراوي أي عدم الاتصال مطلقا، واصطلاحا آخر مقيّدا بكون سقوطه غير التوالي، فقد خفي الأمر واشتبه المراد بين الاصطلاحين، فبيّن المصنف وأوضح بأنّ المراد بالانقطاع هنا هوالاصطلاح الأوّل، ولذا عطف عليه قوله سقوط الراوي، (بمعرفة عدم الملاقاة بين الراوى والمرويّ عنه) أي الرجل الذي روى عنه الحديث، فإذا عرف أنّ الراوى لم يلقه فيعرف من ذلك أنّ هذا الحديث منقطع، لأنه إذا لم يلق فلا يستطيع أن يأخذ عنه مباشرة، فلا بدّ أن تكون بينهما واسطة واحدة أو أكثر، فقد أسقطها، ولم يذكرها.
وعدم الملاقاة (إما) يكون (بعدم المعاصرة) أي لم يعش كلاهما في عصر واحد، بل عاش الراوي في عصر وعاش المروي عنه في عصر آخر قبله.
وذلك كما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: اتركوني ما تركتم ، فانما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاعملوا منه ما استطعتم[219]
فعبد الرزاق قد عاصر ولقي وأخذ مباشرة عن معمر، وكذلك أنّ معمـرا قد لقي وعاصر وأخذ مباشـرة عن الزهري، ولكن الزهري لم يلق ولم يعاصـر ولم يأخد عن أبي هريرة رضي الله عنه، لأنّ ابن شـهاب الزهـري ولد في السنة التى توفي فيها أبو
أَوْ عَدَمِ الْاِجْتِمَاعِ وَالْإِجَازَةِ عَنْهُ
هريرة رضي الله عنه، وهي سـنة ثمان وخمسين من الهجرة على ما أفاده الواقـدي[220]، وقد أسقط الزهري هذه الواسطة، فعرفنا بمعرفة عدم المعاصرة بينهما أنّ إسناد هذا الحديث منقطع.
(أو عدم الاجتماع) في مكان واحد (و) عدم (الإجازة عنه) أي الإذن للرواية عنه، وذلك كأن عاش الراوي والمروي عنه في عصر واحد، ولكن لم يجتمعا في مكان واحد حتى يأخذ عنه الحديث ولم يعط له الإجازة للرواية عنه، كأن يكون الراوي في البصرة والمروي عنه في الكوفة، ولم يسافر أحد منهما إلى بلد الآخر.
وذلك كالحديث الذي رواه الخطيب البغدادي رحمه الله في تاريخه بسنده عن سعيد بن عامر عن القابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن جده عن جابر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يفرج بين فخذي الحسين ويقبل زبيبته، فقال الخطيب البغدادي رحمه الله بعد إثبات وضع هذا الحديث فسادا آخر في سنده وهو استحالة رواية سعيد بن عامر عن القابوس، وذلك أنّ سعيدا بصري وقابوسا كوفي، ولم يجتمعا قط، بل لم يدرك سعيد قابوسا، وليس لسعيد رواية إلا عن البصريين[221].
وكذلك قد يلقى الراوي المروي عنه ولكن لم يوفق للأخذ عنه، كما يكون الراوي صبيا حين ما رآه، كما وقع ذلك للحسن البصري رحمه الله، وإنه قد رأى عليا رضي الله عنه ولكن لم يوفق للأخذ عنه، وقد روى الحسن عن علي رضي الله عنه كثيرا، ولد الحسن البصري في المدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر رضي الله عنه، ورأى عليـا رضي الله عنـه بالمدينـة، وكان حينئذ غلاما، وخرج علي رضـي الله عنـه إلى
...................................................................................
الكوفة ولم يلقه بعد ذلك[222].
قال الحافظ السخاوي رحمه الله: " إنّ أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن عن علي سماعا"[223]
وقال الإمام الترمذي رحمه الله: "لا نعرف للحسن سماعا من علي بن أبي طالب رضي الله عنه[224].
وقال ابن تيمية: " وقد اتفـق أهل المعرفة بالمنقولات أنّ الحسن لم يصحب عليا، ولم يأخذ عنه شيئا، وإنما أخذ عن أصحابه كالأحنف بن قيس، وقيس بن سعد بن عباد وأمثالهما"[225]
فعلمنا من هذا أنّ رواية الحسن البصري عن علي رضي الله عنه منقطع، وكذلك قد روى الحسن وغيره من التابعين عن عديد من الصحابة ولم يسمعوا منهم.
قال الحاكم رحمه الله : وليعلم صاحب الحديث أنّ الحسـن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئا قط، وأنّ الأعمش لم يسمع عن أنس، وأنّ الشعبي لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن الشعبي لم يسمع من عائشة ولا من عبد الله بن مسعود ولا من أسامة بن زيد ولا من علي إنما رآه رؤية ولا من معاذ بن جبل ولا من زيد بن ثابت، وأنّ قتادة لم يسمع عن صحابي غير أنس، وأنّ عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة، وأنّ عامة حديث مكحول عن الصحابة حوالة. وإنّ ذلك كله يخفى إلا على الحفاظ للحديث[226].
بِحُكْمِ عِلْمِ التَّارِيخِ الْمُبَيِّنِ لِمَوَالِيِدِ الرُّوَاةِ وَوَفَيَاتِهِمْ وَتَعْيِِينِ أَوْقَاتِ طَلَبِهِمْ وَاِرْتِحَالِهِمْ، وَبِهَذَا صَارَ عِلْمُ التَّارِيخِ أَصْلاً وَعُمْدَةً عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ
أهمية علم التاريخ
هكذا نستطيع أن نعرف الاتصال والانقطاع وسقوط الراوي وعدمه (بحكم علم التاريخ المبين لمواليد الرواة ووفياتهم) كما علمنا من تاريخ وفاة أبي هريرة رضي الله عنه وتاريخ ولادة الزهري رحمه الله أنهما لم يعاصرا (وتعيين أوقات طلبهم وارتحالهم) كما علمنا من تاريخ ولادة الحسن البصري رحمه الله وارتحال علي رضي الله عنه إلى الكوفة أنّ الحسن البصري لم يسمع ولم يأخذ عنه.
(وبهذا) أي بأنّ الاتصال والانقطاع والسقوط وعدمه وغيره لا يعرف إلا بمعرفة التاريخ (صار علم التاريخ) الذي يشتمل على أسماء الرواة و تاريخ ولادتهم ووفاتهم، ونشأتهم وحياتهم، وأخلاقهـم وسلوكهم ، وارتحالهم لطلب العلم، ولقائهـم مع شيوخهم، وإلقائهم لتلاميذهم ، وأخذهم وسماعهم وحفظهم وضبطهم وروايتهم وكتابتهم للحديث وما إلى ذلك (أصلا وعمدة) يعتمد عليه لمعـرفة أحوال الرواة والأحاديث (عند المحدّثين).
ولذا، اهتم المحدّثون بعلم التاريـخ اهتماما كثيرا، واعتنوا به اعتناء بالغا، ونرى لجميع المحدّثين مساهمة كبيرة ومشاركة كثيرة في علم التاريخ، فهذا الإمام البخاري رحمه الله إمام المحدّيثن هو نفسـه كتب التاريخ الكبير والأوسط والصغير، وابن عساكر رحمه الله كتب تاريخ دمشق في ثمانين مجلدا، والحافظ الذهبي رحمه الله كتب تاريخ الإسـلام في ستين مجلدا، وكلها مطبوعة ومتوفـرة حاليا.
وَمِنْ أَقْسَامِ الْمُنْقَطِعِ أَلْمُدَلَّسُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتحِ اللاّمِ المُشَدّدَةِ، وَيُقَالُ لِهَذا الْفِعْلِ التّدْلِيسُ، وَلِفَاعِلِهِ مُدَلِّسٌ بِكَسرِ اللاّمِ.
المدلّس
(ومن أقسام المنقطع) بالمعنى العام أي غير المتصل مطلقا (المدلّس بضم الميم وفتح اللام المشدّدة) بصيغة اسم المفعول من دلّس تدليسا، يوصف به الحديث، فيقال هذا حديث مدلّس (ويقال لهذا الفعل التدليس) بصيغة المصدر (و) يقال (لفاعله) أي لفاعل التدليس ( مدلّس بكسر اللام ) بصيغة اسم الفاعل، فيقال فلان دلّس الحديث تدليسا فهو مدلِّس والحديث مدلَّس.
أنواع التدليس: والتدليس على عدة أنواع، ولكن عند التحقيق كلها يرجع إلى قسمين فقط[227]:
1- تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه[228]. فيشترط في هذا التدليس أن يكون المدلّس قد لقي المروي عنه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلّسه عنه.
أما إذا روى عمن لم يلقه بلفظ يوهم السماع فليس بتدليس على الصحيح المشهور[229] بل هو إرسال خفي كما حققه الحافظ ابن حجرالعسقلاني رحمه الله في شرح النخبة فقال: "إنّ التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاءه إياه فأما من عاصـره ولم
وَصُورَتُهُ أَنْ لاَ يُسَمِّيَ الرَّاوِي شَيْخَهُ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ بَلْ يَرْوِي عَمَّنْ فَوْقَهُ بِلَفْظٍ يُوهِمُ السَّمَاعَ وَلاَ يَقْطَعُ كَذِبًا كَمَا يَقُولُ عَنْ فُلاَنٍ
يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي"[230]
ولكن ابن الصلاح رحمه الله قد عدّ الإرسال الخفي أيضا من التدليس[231].
وقال العسقلاني رحمه الله أيضا: "والصواب التفرقة بينهما، ويدلّ على اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها اطباق أهل العلم بالحديث على أنّ رواية المخضرم كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرّد المعاصرة يكتفي به في التدليس لكان هؤلاء مدلّسين، لأنهم عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا؟ وممن قال باشتراط اللقي في التدليس الشافعي والبزار"[232]
(وصورته) أي صورة التدليس (أن لا يسمّي الراوي شيخه الذي سمعه منه) أي لا يذكر الراوي اسم الشيخ الذي سمع منه ذلك الحديث (بل يروي ) ذلك الحديث (عمن) هو (فوقه) أي فوق شيخه، أي يروى ذلك الحديث عن شيخ شيخه بدون أن يذكر اسم شيخه المباشر الذي سمع منه هذا الحديث (بلفظ يوهم) أي يوقع في وهم السـامع قبل اطلاعه على حقيقة الأمر (السماع) من شيخ شيخه، حيث لم يسمع منه هذا الحديث ولكن أدركه ولقيه (ولا يقطع) ولا يتعمد (كذبا) اي لا يأتي بالكذب ولا يجزم به، فلا يقول سمعته أو حدثني أو أخبرني وما أشبه ذلك من الألفاظ التى تدلّ قطعا على السماع، فإذا أتى بهذه الألفاظ فلا شك أنه كاذب، (كما يقول عن فلان، و)كما يقول
وَقَالَ فُلاَنٌ
(قال فلان) وما أشبه ذلك من الألفاظ التى تستعمل عند السماع وغيره.
ومثال ذلك ما رواه الحسـن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصـم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: إنّ النبيّ صـلىّ الله عليه وسلّم نهي عن ثمن الميتة، وعن ثمن الخمر والحمر الأهلية وكسب البغيّ ، وعن عسب كل ذي فحل- رواه أبو يعلى في مسنده[233]
فنقل الحاكم رحمه الله عن عبد الله بن محمد بن نصر أنّ هذا الحديث لم يسمعه الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت، وذلك أن ّعبد الوارث قد روى هذا الحديث عن الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت ، وعمرو هذا منكر الحديث فدلّسه الحسن بن ذكوان عنه[234].
ثم يكون التدليس عن واحد وقد يكون عن أكثر من واحد. ومن التدليس عن اثنين: ما حكى علي بن خشرم قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: قال الزهري، فقيل له: حدّثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: قال الزهري، فسكت، ثم قال: قال الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا لم اسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري حدّثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري[235].
2- تدليس الشيوخ : وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو ينسبه أو يصفـه بما لا يعرف به كي لا يعرف[236] لكونه ضعيفا أو لكونه أصـغر من الراوي سـنا،
...................................................................................
أو لكثرة حديثه عنده فلا يحب تكرار الرواية عنه[237] أو لأسباب أخرى.
مثاله ما نقله ابن الصلاح رحمه الله عن أبي بكر بن مجاهـد الإمام المقـري أنه روى عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي داود السجستاني فقال حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر المقري فقال حدثنا محمد بن سند نسبة إلى جدّ له[238].
وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: كان الثوري يحدّث عن إبراهيم بن هراسة فيقول حدثنا أبو إسحق الشيباني[239]، وكان إبراهيم بن هراسة ضعيفا[240]، وكان شيبانيا وكان كنيته أبو إسحق، ولكن المشهور بأبي إسحاق الشيباني هو سليمان أبي سليمان، وهو ثقة وحجة[241]
ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد، وهو أن يذكر اسم بلد مشهور، ويريد به بلدا آخر غير مشهور.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "وذلك كما إذا قال المصري حدثني فلان بالأندلس وأراد موضعا بالقرافة بمصر أو قال بالحلب وأراد موضعا بالقاهرة بمصر"[242]، على أنّ الحلب هي بلدة مشهورة في الشام.
وَالتَّدْلِيسُ فِي اللُّغَةِ كِتْماَنُ عَيْبِ السِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّلَسِ وَ هُوَ اِخْتِلاَطُ الظَّلاَمِ وَاشْتِدَادُهُ، سُمِّيَ بِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: "وأمثال ذلك كما تقول: حدثنا البخاري وتقصد به من يبخّر الناس، أو حدثنا عليّ بما وراء النهر[243] وتعني به نهرا"[244]
التدليس معناه في اللغة والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
(والتدليس) معناه (في اللغة : كتمان) بكسر الكاف ، مصدر كتم يقال كتمه كتما وكتمانا أي ستره. قال ابن فارس: الكاف والتاء والميم أصل صحيح يدلّ على إخفاء وستر[245]، ومنه قوله تعالى: ولا يكتمون الله حديثا[246] (عيب السلعة) بكسر السين أي المتاع (في البيع) أي عند البيع ، أو لأجل البيع ، حتى تروج السلعة ، ويشتريها المشتري بدون اطلاع على عيبها.
والعلاقة والمشابهة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة، لأنّ من دلّس الحديث قد كتم عيب الحديث كما يكتم البائع عيب السلعة ، وعيب الحديث هو عدم السماع من المروي عنه ، فكتم هذا العيب حيث أورده بلفظ يوهم السماع.
(وقد يقال) في المعني اللغوي وعلاقته بالمعنى الاصطلاحي (أنه) أي لفظ التدليس في المعنى الاصطلاحي (مشتق) أي مأخوذ (من الدلس) بفتح الدال واللام (وهو) في اللغة (اختلاط الظلام واشتداده) بحيث لا تظهر الأشياء بسبب اختلاط الظلام وشـدّته (سمّي) الحديث الذي دلّس فيه (به) أي بالمدلّس (لاشتراكهمـا) أي لاشـتراك الظلام
فِي الْخَفَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ وَحُكْمُ مَنْ ثَبَتَ عَنْهُ التَّدْلِيسُ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ
والحديث المدلّس (في الخفاء) عن حقيقة الأمر، حيث قد أخفى المدلّس اسم الشيخ الذي سمع منه، فلا تظهر حقيقة حال الحديث، كما أنّ الشيء عند اختلاط الظلام لا تظهر حقيقة حاله
حكم التدليس
وكلا القسمين من التدليس مذموم وأنكره العلماء، ولكن القسم الأوّل أشدّ ذما وإنكارا، لأنّ فيه نوعا من الخداع بإخفاء حقيقة الحال، وإيقاع الناس في الوهم والخطأ، وإفساد رواية الحديث وغير ذلك من المفاسد المذمومة شرعا.
(قال الشيخ) الحافظ ابن حجـر العسقلاني رحمه الله[247] في شـرح النخبة: "(وحكم من ثبت عنه التدليس) إن كان عدلا (أن لا يقبل منه) الحديث (إلا إذا صرّح) فيه (بالتحديث) على الأصح"[248]
قَالَ الشُّمُنِِّيُّ: التَّدْلِيسُ حَرَامٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ وَكِيعٍ أَنَّهُ قَالَ لاَ يَحِلُّ تَدْلِيسُ الثَّوْبِ فَكَيْفَ بِتَدْلِيسِ الْحَدِيثِ
(وقال) الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن محمد (الشمني)[249] بضم الشين المعجمة والميم وتشديد النون، نسبة إلى شمنة وهي اسم لمزرعة بباب قسطنطينية (التدليس) حكمه (حرام عند الأئمة) لما فيه من المفاسد المذكورة أعلاه.
(روي عن) الإمام (وكيع) بن جراح الرواسي الكوفي[250] رحمه الله (أنه قال : لا يحلّ تدليس الثوب) أي يحرم كتمان عيب الثوب عند بيعه (فكيف بتدليس الحديث) فتدليس الحديث أولى منه بالتحريم ، لأنّ الحديث هو دين ، فضرر التدليس فيه عام يتعدى إلى الجميع.
وإنّ عبد الله بن المبارك رحمه الله لما سمع عن رجل يدلّس فقال فيه قولا شـديدا، وأنشد:
دَلّسَ للنّاسِ أحَادِيثَه وَالله لا يقبلُ تدْليسًا[251]
وَبَالَغَ شُعْبَةُ فِي ذَمِّهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُدَلِّسِ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ إِلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ جرْحٌ
(وبالغ) الإمام (شعبة) بن الحجاج[252] رحمه الله (في ذمه) أي في ذم تدليس الحديث، فقال: التدليس أخو الكذب، وقال أيضا: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلّس. قال ابن الصلاح رحمه الله: وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير[253]
وذهب قوم إلى أنّ التدليس غير حرام. قال الإمام السيوطي رحمه الله : "استدلّ على أنّ التدليس غير حرام بما أخرجه ابن عدي عن البراء قال: لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، قال ابن عساكر قوله فينا، يعنى المسلمين، لأنّ البراء لم يشهد بدرا"[254].
فقول البراء رضي الله عنه "فينا" ظاهره يوهم أنه شهد بدرا ، مع أنه لم يشهده ، فأتي بلفظ يوهم الشهود فهو من التدليس.
هل تقبل رواية المدلس ؟
(وقد اختلف العلماء في قبول رواية المدلّس) إلى ثلاثة أقوال:
1- (فذهب فريق من أهل الحديث والفقه إلى أنّ التدليس جرح) قادح يخل في عدالة الراوي، لأنه في الحقيقة غش وخداع، حيث يوهم السامعين أنه حديث متصل وفيه انقطاع، فهو حرام لقوله صلىّ الله عليه وسلّم"من غشنا فليس منا"[255]
وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِهِ لاَ يُقْبَلُ حَدِيثُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُقْبَلُ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَي قَبُولِ تَدْلِيسِ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ لاَ يُدَلِّسُ إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ كَابْنِ عُيَيْنَةَ وَإِلَي رَدِّ مَنْ كَانَ يُدَلِّسُ عَنْ الضُّعَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّي يَنُصَّ عَلَى سَمَاعِهِ بِقَوْلِهِ سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا
(و) لذا، (أنّ من عرف) بصيغة المجهول (به) أي بالتدليس (لا يقبل حديثه) أي لا يقبل منه رواية الحديث (مطلقا) أي سواء روى الحديث بصيغة تنص على السماع أم لا، فحكموا بردّ سائر رواياته كسائر المجروحين، لأنّ التدليس جرح عندهم كما ذكرناه، ولا يقبل الحديث عن المجروحين.
2- (قيل يقبل) مطلقا، أي سواء روى الحديث بصيغة تنصّ على السماع أم لا، بشرط أن يكون المدلّس ثقة، وإن كان غير ثقة فلا يقبل حديثه اتفاقا فضلا عن تدليسه. لأنّ الثقة لا يدلّس الحديث غالبا إلا عن ثقة، فتدليس الثقة مقبول عندهم مطلقا، كما يقبل عندهم مراسيل التابعين، فليس التدليس بجرح، لأنّ المدلّس ليس بكاذب ولا بخادع، إذ لم يأت بصيغة تنصّ على السماع.
3- (و ذهب الجمهور ) من المحدّثين والفقهاء ومنهم الإمام الشافعي وشعبة ويحي بن معين وعلي المديني وغيرهم رحمهم الله (إلى قبول تدليس من عرف ) بصيغة المجهول (أنه لا يدلّس إلا عن ثقة) فلا يدلّس عن الضعفاء والمتروكين، (كابن عيينة) أي سفيان بن عيينة رحمه الله[256]، (و) ذهبوا (إلى ردّ) رواية (من كان يدلّس عن الضعفاء وغيرهم حتى ينصّ على سماعه بقوله سمعت أو حدثنا أو أخبرنا) أو غير ذلك مما يدلّ على السماع.
...................................................................................
فاذا روى الحديث بقول لا ينصّ على السـماع كقوله قال فلان أو عن فلان أو غير ذلك فلا تقبل روايته.
فقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتابه الرسالة : "اقبل في الحديث حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلّسا"[257].
فلا يقبل من المدلّس إلا إذا نصّ على السماع.
قال يحي بن معين رحمه الله: "لا يكون المدلّس حجة فيما دلس".
قال شعبة رحمه الله: "كنت أجلس إلى قتادة فإذا سمعته يقول: سمعت فلانا وحدثنا فلان كتبت، وإذا قال: قال فلان وحديث فلان لا أكتب"[258]
وقال: ابن حبان رحمه الله في صحيحه: " وأما المدلّسون الذين هم ثقات عدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا بما بينوا السماع فيما رووا ، مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدين، إلا أن يكون المدلّس يعلم أنه ما دلّس قط إلا عن ثقة ، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع ، وهذا ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده"[259]
وقد اتفق العلماء على عدم قبول الرواية بالعنعنة ممن يروى ويدلّس عن الضعفاء والمجهولين.وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: ومن المدلّسين قوم دلّسوا عن أقوام مجهولين لا يدرى من هم ومن أين هم[260]
...................................................................................
ومنهم بقية بن الوليد. وقال عنه النسائي رحمه الله: "إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة وإذا قال عن فلان فلا يأخذ عنه لأنه لا يدرى عمن أخذه"[261]
ومن الأحاديث التى دلسها بقية عن المجهولين الحديث الذي رواه بقية بن الوليد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا جامع أحدكم فلا ينظر إلى فرجها فإنّ ذلك يورث العمى - أورده ابن حبان رحمه الله، وقال: إنّ بقية يروى عن الكذابين ويدلّسهم ، فيمكن أن يكون سمع هذا من بعض الضعفاء عن ابن جريج ثم دلّس عنه، فهذا موضوع[262]
رواية المدلسين في الصحيحين
وقد فهمنا مما سبق أنّ الراجح من الأقوال هو أنّ المدلّس لا تقبل روايته إلا اذا صرّح بصيغة السماع، فلا تقبل عنه الرواية بالعنعنة.
ولكن قد ورد في الصحيحين الرواية عن بعض المدلّسين بصيغة العنعنة.
ومنها: ما رواه الشيخان بالعنعنة عن قتادة، وحميد الطويل، وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم ممن عرف بالتدليس.
فما حكم هذه الراواية هل تقبل أم لا ؟ على أنّ الأمة المسلمة اتفقت وأجمعت على قبول ما في الصحيحين.
فقال الإمام النووي رحمه الله : "وما كان في الصحيحين من الرواية عن المدلسين بالعنعنة محمول على أنه ثبت سماع ذلك الحديث من ذلك الشخص من جهة أخرى[263].
...................................................................................
وقال العسقلاني رحمه الله: "وفي الصحيحين وغيرهما جملة كثيـرة من أحاديث المدلّسين بالعنعنة، وقد جزم ابن الصـلاح وتبعه النووي وغيره بأنّ ما كان منها في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحـة عن المدلّسين فهو محمول على ثبوت سماعه من جهـة أخرى"[264].
ولكن هذا الحكم عند الأكثرين خاص في الصحيحين فقط، أمّا إذا روى الشيخان في خارج الصحيحين بلفظ العنعنة عن المدلّسين فلا يقبل. وذلك كما روى البخاري رحمه الله عن قتادة وأبي إسحق السبيعي وغيرهما من المدلّسين بلفظ العنعنة في الأدب المفرد وغيره من كتبه التى لم يلتزم بذكر الصحاح فقط فيها، لأنّ الأمة لم يتفقوا ولم يجمعوا على قبول ما عدا الصحيحين.
وقد فهمنا من هذا أنّ الرواية بالعنعنة عن المدلّسين تقبـل في الصحيحين فقط، ولا تقبـل في غيرهما، هذا ما ذهب إليه كثير من الأئمة، مستدلّين بالإجمـاع على قبول جميع ما في الصحيحين.
ولكن قد توقف فيه بعض العلماء المتأخرين، كما نقله الزركشي والعسقلاني رحمهما الله، فقالا: "وتوقف في ذلك من المتأخرين الإمام صدر الدين ابن المرحل، وقال في كتاب الإنصاف إنّ في النفس من هذا الاستثناء غصة، لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما إنا قد وجدنا كثيرا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها"[265]
وقال الإمام الزركشي رحمـه الله :" قد أزال الغصـة الشيخ الإمام تقي الدين
...................................................................................
ابن دقيق العيد، فأشار في كلام له إلى استشكال حول رواية المدلّس في الصحيحين ورد روايته في غيرهما، قال: ولا بدّ من الثبات على طريقة واحدة إما القبول أو الرد، الممكن هنا من الأحوال الثلاثة:
إما أن تردّ الأحاديث من المدلّس مطلقا في الصحيحين وغيرهما.
وإما أن تقبل مطلقا تسوية بين الصحيحين وغيرهما.
وإما أن يفرق بين ما في الصحيحين وما في غيرهما أي يقبل رواية المدلّس بالعنعنة في الصحيحين وتردّ في غيرهما. فأما الأوّل فلا سبيل إليه ، للاستقرار على ترك التعرض لما في الصحيحين.
وأما الثاني ففيه خروج عن المذهب المشهور في أنّ رواية المدلّس محكوم عليها بالانقطاع حتى يتبين السماع.
وأما الثالث : فلا يظهر فيه وجه صحيح في الفرق، وغاية ما يوجه فيه أحد الأمرين :
أحدهما : أن يدعى أنّ تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها، وهذا إحالة على جهالة ، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال.
الثاني : أن يدعى أنّ الإجماع على صحة ما في الصحيحين دليل على وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا لكانت الأمـة مجمعة على الخطأ وهو ممتنع، وهذا يحتاج إلى إثبات الإجماع، ويلزم من هـذا أن لا يستدل بما جاء من رواية المدلّس خارج الصحيحين، ولا يقال: هذا على شـرط مسلم – مثلا- لأنّ الإجماع الذي يدّعى ليس موجودا فيما لم يخرح في الصحيحين"[266]
وَالْبَاعِثُ عَلَى التَّدْلِيسِ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ غَرَضٌ فَاسِدٌ مِثْلَ إِخْفَاءِ السَّمَاعِ مِنَ الشَّيْخِ لِصِغرِ سِنِّهِ أَوعَدَمِ شُهْرَتِهِ وَجَاهِهِ عِنْدَ النَّاسِ
الباعث على التدليس
(والباعث على التدليس) يكون لأغراض عديدة ، (قد يكون لبعض الناس) في التدليس (غرض) بفتح الراء (فاسد مثل إخفاء السماع من الشيخ) الذي أخذ عنه الحديث مباشرة (لصغر سنه) أي لكون شيخه الذي سمع منه هذا الحديث أصغر سنا منه، فيستنكف عن ذكره لئلا ينسب الناس إليه الرواية عن الأصاغر، فيروي الحديث عمن فوقه إيهاما للناس أنه أخذ وسمع هذا الحديث عن شيخ كبير السن (أو عدم شهرته) بين الناس (و) عدم (جاهه) قال الفيروزابادي: "الجاه والجاهـة القدر والمنزل"[267] (عند الناس) أي لكون شيخه الذي سمع منه هذا الحديث غير مشـهور لا يقـدّره الناس ولا يعظمونه ، فيروي الحديث عمن فوقـه، إيهاما للناس أنه أخذ وسمع هذا الحدث عن شيخ مشهور رفيع القدر لدى الناس.
ومن الأغراض الفاسدة للتدليس إخفاء شيخه لكونه ضعيفا، لأنه إذا روى الحديث عن ضعيف لا يقبله الناس، فرواه عمن فوقه إيهاما للناس أنه أخذ هذا الحديث عن الثقة، حتى يروج حديثه ويقبل، فهذا شر الأغراض.
وقد يكون الأعراض في تدليس الشيوخ إيهام كثرة المشايـخ، كما إذا روى عن شيخ باسمه المشهور، ثم نسبه مرة أخرى إلى جده، ثم ذكره مرة أخـرى بكنيته، ثم نسبه مرة أخـرى إلى موضع لا تشتهر نسبته إليه[268]، فيتوهم السامع أنـه أخـذ الحديث من مشائخ كثيرة.
وَالَّذِي وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ لَيْسَ لِمِثْلِ هَذَا، بَلْ مِنْ جِهَةِ وُثُوقِهِمْ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَاسْتِغْنَاءٍ بِشُهْرَةِ الْحَالِ، قَالَ الشُّمُنِِّيُّ يَحْتَمِلُ أََنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ أَحَدِهِمْ أَوْ ذِكْرِ
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه الاقتراح: "وللتدليس مفسدة، وفيه مصلحة، أمّا مفسدته فإنه يخفى ويصير الراوي مجهولا فيسقط العمل بالحديث، لكون الراوي مجهولا عند السامع مع كونه عدلا معروفا في نفس الأمر، وهذه خيانة عظمى ومفسدة كبرى، وأمّا مصلحته فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات وإلقاء ذلك إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال"[269]
(و) التدليس (الذي وقع من بعض الأكابر) من المحدّثين مثل سفيان الثوري والأعمش، وابن عيينة وغيرهم رحمهم الله (ليس لمثل هذا) الغرض الفاسد (بل) لغرض صحيح حيث إنهم دلّسـوا الحديث (من جهة وثوقهم) أي من حيث إنهم واثقون ومتأكدون (لصحة الحديث) إذ ثبت لديهم صحة الحديث فلا حاجة إلى ذكر من سمعوا الحديث منه (واستغناء) أي اكتفاء، عطف على وثوقهم (بشهرة الحال) بأنهم أخذوا الحديث عن الثقات.
(قال) أبو العباس تقي الدين (الشمني)[270] وجها آخر في سبب تدليس بعض الأكابر، وهو أنه (يحتمل أن يكون) سبب التدليس أنه (قد سمع) المدلّس (الحديث من جماعة من الثقات) من شيوخه كلّهم رووا إليه هذا الحديث (عن ذلك الرجل) الذي هو شيخ شيوخه (فاسـتغنى) أي اكتفى (بذكره) أي بذكر ذلك الرجل (عن ذكر أحدهم أو ذكر
جَمِيعِهِمْ لِتَحَقُّقِهِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُرْسِلُ
جميعهم) من شيوخه الثقات الذين رووا إليه هذا الحديث عن ذلك الرجل (لتحققه) أي لتأكده وتيقنه (بصحة) ذلك (الحديث فيه) أي في شأن ذلك الرجل (كما يفعل المرسِل) بكسر السين ، أي كما أنّ التابعي إذا سمع حديثا واحدا عن كثير من الصحابة فيُرسل الحديث ويرويه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم استغناء واكتفاء بذكره عن ذكر واحد من الصحابة أو جميعهم.
وعلى كلّ حال، انّ ترك التدليس والتجنب عنه مما يقتضيه الشرع لأنه من صيانة الحديث ورعايته والذب والدفاع عنه. ولذا انّ كثيرا من أهل الحديث ليس من مذهبهم التدليس، وكانوا يتورعون عنه ويتجنبون.
قال الحاكم رحمه الله: "إنّ أهل الحجاز والحرمين ومصر ليس التدليس من مذهبم، وكذلك أهل خراسان وأصبهان وبلاد فارس وخورستان وما وارء النهر لا يعلم أحد من أئمتهم دلّس، وأكثر المحدّثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة"[271]
مراتب المدلسين
إنّ المدلّسين تختلف مراتبهم في الرد والقبول، فجعلهم الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه طبقات المدلّسين على أربع طبقات:
الأولي : من اتفقوا على قبول روايتهم بالعـنعنة، لأنهم، وإن وصفوا بالتدليس، لم يدلّسوا إلا نادرا، وغالب روايتهم مصرحة بالسماع ، فروايتهم بالعنعنة موجودة في الصحييحن، ومن هذه الطبقة: طاوس، وحفص بن غياث، وجرير بن حازم، وهشـام
...................................................................................
بن عروة، و يحي بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، والفضل بن دكين أبو نعيم، و أبو قلابة، وعبد الله بن وهب، والحسن بن الواقد وأمثالهم .
الثانية: دلّسوا الحديث، ولكن تسامح العلماء عن تدليسهم، وذلك إمّا لإمامتهم، أو أنهم لا يدلّسون إلا عن الثقات، فروايتهم بالعنعنة أيضا موجودة في الصحيحين، ومن هذه الطبقة : ابن شهاب الزهري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن عيينة ، وابن جريج ، ويونس بن عبيد وأمثالهم.
الثالثة : دلّسوا الحديث، واختلف العلماء في قبول رواية العنعنة منهم، فتوقف فيهم جماعة، فلم يحتجوا إلا بما صرحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقا، ومنهم، الحسن البصري، وقتادة بن دعامة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبيرالمكي، وأمثالهم
الرابعة: من أكثروا التدليس ، وعرفوا به، و أكثروا الرواية عن الضعفاء والمجهولين، واتفق العلماء على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومن هذه الطبقة: محمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وبقية بن وليد وسويد بن مسلم، وجابر الجعفي، وأمثالهم
الخامسة : من ضعف بأمر آخر غير التدليس، فلا تقبل روايتهم، ومن هذه الطبقة : أبو جناب الكلبي، وأبو سعيد البقالي، وأمثالهما[272].
وَإِنْ وَقَعَ فِي إِسْنَادٍ أَوْ مَتْنٍ اخْتِلاَفٌ مِنَ الرُّوَاةِ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ
المضطرب
(وإن وقع في إسناد) لحديث (أو) في ( متن) لحديث (اختلاف) من الراوي أو من الراويين أو (من الرواة) فالحديث مضطرب، ويكون هذا الاختلاف من عدّة وجوه:
1- (بتقديم وتأخير) في اسم الراوي، كما وقع اختلاف بين مرة بن كعب وكعب بن مرة أي بتقديم كعب وتأخيره، كما في سند حديث سألت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أيّ الليل اسمع؟ قال جوف الليل الآخر... الحديث - رواه أحمد[273].
2- أو بتقديم وتأخير في ألفاظ متن الحديث، وذلك كما في حديث رواه سـلمة بن المحبق أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم مرّ ببيت بفنائه قربة معلقة فاستسقى، فقيل: إنها ميتة، قال: ذكاة الأديم دباغه- رواه أحمد[274] والطبراني[275]، وفي رواية دباغ الأديم ذكاته - رواه البيهقي[276]، وفي رواية ذكاتها دباغها- رواه أحمد[277] والحاكم[278] والبيهقي[279]، وفي رواية دباغها ذكاتها - رواه أحمد[280] والنسائي[281] والدارقطني[282]، فاختلفت الروايات بتقـديم وتأخير كلّ من الدباغ والذكاة.
أَوْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ
3- (أو) بوقوع (زيادة ونقصان) في اسم الراوي، أي زيادة أو نقصـان يقع من الراوي بدون عمد ولا قصـد، بل يقـع خطأ أو سهوا أو وَهْماً في ذكر اسم الرجال في السند.
وذلك كما وقع في سند حديث روته أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قالت: قلت لأمّ سلمة رضي الله عنها: إنّي امرأة أطيل ذيلى وأمشى في المكان القذر، فقالت: قال رسـول الله صلىّ الله عليه وسـلّم يطهره ما بعده - رواه أبوداود[283]، وابن ماجة[284]. فهذا الحديث رواه الترمذي عن قتيبة عن مالك بسنده عن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف، ففيه نقصان حيث لم يذكر إبراهم، وقد رواه عبـد الله بن المبارك عن مالك بسـنده عن أمّ ولد لهود بن عبد الرحمن بن عـوف، أي بزيادة هود بدلا عن زيادة إبراهيم[285].
فمثل هذه الزيادة والنقصـان يتأثر في التيقن عن الراوي ، حيث لا يعرف من هو في الحقيقة.
4- أوبزيادة أو نقصان رجل بعينه في السند، وذلك كما في حديث رواه ابن عباس
رضي الله عنه، قال: مرّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم بقبرين فقال إنهما ليعذبان، ومـا
يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخـر فكان يمشـــى
أَوْ إِبْدَالِ رَاوٍ مَكَانَ رَاوٍ آخَرَ
بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كلّ قبر واحدة، قالوا: يا رسول
الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنها ما لم ييبسا - متفق عليه.
فهذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه، ولكن روى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه ، أي بدون ذكر طاوس، كما في رواية ابن حبان وغيره، مع انّ مجاهدا من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه وسمع وأخذ و روى عنه كثيرا، فروايته عن ابن عباس رضي الله عنه مباشرة بدون واسطة توجد حتى في الصحيحين كثيرا.
5- أوبزيادة ونقصان في ألفاظ متن الحديث وذلك كما في حديث روتها فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: إنّ في المال حقا سوى الزكاة - رواه الترمذي،[286] وفي رواية عنها ليس في المال حق سوى الزكاة - رواه ابن ماجة[287]، فروي بزيادة "ليس" ونقصها، فمثل هذه الزيادة والنقصان يتأثر في المعرفة عن مراد المتن، لعدم إمكان الجمع بين الإثبات والنفي، ولكن الأصوليين يقدم الإثبات على النفي كما يأتي، فأما الزيادة بحيث يمكن الجمع ولا يخلّ المعنى فإن كانت من الثقة فهي مقبولة كما سيأتي.
6- (أو) بوقوع (إبدال راو مكان راو آخر) أي ذكر راو بدل راو آخر، كما وقع التبديل بين كلّ من أبي عبيدة و علقمة في سند حديث رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خرج رسوالله عليه وسلم لحاجته فقال التمس لي ثلاثة أحجار قال فأتيته
أَوْ مَتْنٍ مَكَانَ مَتْنٍ، أَوْ تَصْحِيفٍ فِي أَسْمَاءِ السَّنَدِ
بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقي الروثة وقال: إنها ركس- رواه الترمذي، وقال: روى إسرائيل وقيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله، وروى معمر وعمار بن زريق عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله، وقد وقع في سنده أكثر من هذا الاختلاف، فرواه زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله، وروى زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن يزيد عن عبد الله، فهذا حديث فيه اضطراب"[288]
7- (أو) بإبدال (متن مكان متن)آخر، أي بإبدال لفظ في المتن وذلك بذكر لفظا آخر مكانه، وذلك كما في حديث قراءة البسملة، "وقال ابن عبد البر: اختلف في ألفاظ هذا الحديث اختلافا كثيرا متدافعا مضطربا، فمنهم من قال: فكانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: فكانوا لا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: فكانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم. قال: هذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد"[289]
8- (أو) بوقوع ( تصحيف) التصحيف هو وقوع الخطأ، وقال الفيروزابادي: التصحيف هو الخطأ في الصحيفة[290]، سـواء كان ذلك التصـحيف ( في أسماء) رجال (السند)، كما وقع من شعبة في اسم العوام بن مزاحم بالزاي والحاء المهملة، فصحفه فقال : العوام بن مراجم، بالراء والجيم المهملة، وذلك في حديث رواه فقال: عــن
أَوْ أَجْزَاءِ الْمَتْنِ أََوْ بِاخْتِصَارٍ
العوام بن مراجم من بني قيس بن ثعلبة عن أبي عثمان النهـدي عن عثمان انّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: إنّ الجماء لتقص من القرناء يوم القيمـة- رواه أحمد[291]
9- ( أو) بوقوع تصحيف في ( أجزاء المتن) وذلك كما وقـع التصحيف في لفظ "ستا" بالسين المهملة والتاء المثناة من فوق، إلى "شيئا" بالشين المعجمـة والياء المثناة من تحت، وذلك في متن حديث عن أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر، فقال الصولي: وأتبعه شيئا من شوال بالشين والياء[292]
10- (أو باختصار) في السند، أي اختصار في اسم رجال السـند، كترك اسم والده
أو اسم جده أو نسبه أو إضافته إلى جده حيث اشتهر به كابن مالك صاحب خلاصة
الألفية في علم النحو، فاسم والده هو عبد الله ولكنه هو مشهور بابن مالك فهو أحد
أجداده.
فالاختصار هو غير ما سبق ذكره من النقص فالنقص – كما أسلفناه- ما يقع خطأ ونقصانا من الراوي بدون عمد ولا قصد منه، والنقصان كثيراما يخلّ المقصود، فلا يدلّ اللفظ على الشخص المراد بالضبط ، بل ربما يوحي على شخص آخر، بخلاف الاختصار، فإنه يفعله الراوي قصدا وعمدا، فلا يخلّ المقصود، ولا يدلّ
على شخص آخرغير مقصـود غالبا، بل يدلّ على الشخص المراد لكن باختصـار، فربما يوجد نوع من الخفـاء.
...................................................................................
وذلك كما في سند حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله صلىّ الله عليه وسلّم في المصلى: إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه فليخط خطا، ففي رواية: عن أبي عمر بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي رواية: عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد اختلف في سند هذا الحديث اختلافا كثيرا، عمدا أو غيره، ولذلك مثّل ابن الصلاح رحمه الله هذا الحديث للاضطراب في الإسناد، وذكر عديدا من اضطراباته ثم قال: وفيه أكثر مما ذكرناه. ثم تعقبه الحافظ العراقي رحمه الله، فزاد الإيضاح[293]
11- أو باختصار في المتن بحيث لا يأتي على جميع الألفاظ الواردة في الحديث، بل يختصر على بعض الألفاظ، يفعل ذلك عمدا وقصدا، لا كالنقضان الذي يقع منه خطأ غير عمد ولا قصد.
والصواب جواز اختصار الحديث، كما قاله الإمام النووي رحمه الله في مقدمـة شرح صحيح البخاري[294].
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة: "أمّا اختصار الحديث فالأكثرون على جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالما، لأنّ العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه بحيث لا يختلف الدلالة ولا يختل البيان حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدلّ ما ذكره على ما حـذفه بخلاف الجاهل، فإنه قـد ينقص ما له تعلق كترك الاستثناء[295]"
أَوْ حَذْفٍ
ومثال اختصار متن الحديث كما روى أبو داود عن ابني بسر قالا: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدّمنا زبدا وتمرا، وكان يحب الزبد والتمر[296]
فهذا الحديث مختصر حيث رواه ابن ماجـة رحمه الله بلفظ قالا دخل علينا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فوضـعنا تحته قطيفـة لنا صببناها له صبا، فجلس عليها، فأنزل الله عزوجل عليه الوحي في بيتنا، فقدّمنا له زبدا وتمرا وكان يحب الزبد والتمر[297]. فالرواية الأولى وإن كانت مختصـرة لكنها تدلّ على أصـل المعنى المقصـود من الرواية الثانية.
ومقابل الاختصار هو الإطالة والتطويل عمدا بذكر بعض الألفاظ التى لم تذكر، فيكون في إطالة الحديث ذكر ما لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كذب لا يجوز. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، من كذب علي متعمدا فليتبأ مقعـده من النار- متفق عليه[298].
12- (أو) بوقوع (حذف) في السند. والعطف بحرف "أو" يدلّ على فرق بيـــن
الاختصار والحذف، لعل الفرق بينه أنّ الاختصار يدلّ على أصل المعنى المقصود حيث
يذكر بعض الألفاظ الدالة عليه، بخلاف الحذف فإنه في السند هو الترك كليا ذكــر
بعض رجال من الرواة عمدا وقصـدا، كرواية حديث واحد متصــلا ومنقطعـا.
أَوْ مِثْلِ ذَلِكَ فَالْحَدِيثُ مُضْطَرَبٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَبِهَا
وذلك كما وقع في سند حديث قال النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم الأرض كلها مسجـد إلا
المقبرة والحمام - رواه الترمذي، وقال: "هذا حـديث فيه اضطراب، روى سـفيـان
الثوري عن عمرو بن يحيي عن أبيه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم مرسـلا، ورواه حماد
بن سلمة عن عمرو بن يحيي عن أبي سعيد عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم متصلا"[299]
13- أو بحدف في المتن هو ترك كلمة أو كلمات أوفقرة أو فقرات كاملة من الكلام بحيث لا تدلّ على المتروك الألفاظ المذكورة البتة، وذلك كما روى عديد من الصحابة بعض الكلمات أوالفقرات فقط من الخطبة الطويلة التى ألقاها النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم في حجة الوداع، وترك بواقيها بحيث لا يدلّ المذكور على المتروك.
14- (أو) بوقوع ( مثل ذلك) أي مثل الاختلافات المذكورة في السند أو المتن، وذلك كالاختلاف في حديث واحد بين الرفع والوقف كما في حديث أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة - رواه الترمذي، وقال وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث فرواه موسى بن عقبة وإبراهيم بن أبي النضر مرفوعا، واوقفه بعضهم وراه مالك ولم يرفعه[300].
وإذا وقع واحد أو أكثر من الاختلافات المذكورة أعلاه في رواية أيّ واحد من الحديث (فالحديث مضطرب) بكسر الراء وقيل بفتحها، لكن بشرط عدم إمكان الجمع بين الروايتين وعدم رجحان إحداهما عن الأخرى.
(فإن أمكن الجمع) بينهما (فبها) جواب الشرط، أي يعمل بالجمع، فتقبل كلتا الروايتين ويعمل بهما. والضمير في "فبها" راجع إلى الجمع، حيث إنّ المصدر يجوز استعماله مذكرا ومؤنثا.
...................................................................................
وإن ارتجحت إحداهما عن الأخرى - مع عدم إمكان الجمع بينهما - فتقبل الرواية الراجحة ويعمل بها وتترك المرجوحة، فحينئذ لا يكون الحديث مضطربا.
ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله: " إنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان، وإذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروى عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا
يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه"[301].
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: "وإن كان أحد الوجوه مرويا من وجه ضعيف والآخر من وجه قوي، فلا تعليل فالعمل بالقوي متعيّن، وإن أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبرا باللفظين الواردين عن معنى واحد فلا إشكال أيضا، مثل أن يكون في أحد الوجهين قد قال الراوي: "عن رجل"، وفي الوجه الآخر سمى رجلا ، فهذا يمكن أن يكون ذلك المسمّى، هو ذلك المبهم فلا تعارض"[302].
وذلك كما في رواية حـديث أبي ذر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: إنّ الصـعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عـشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإنّ ذلك خير- رواه الترمذي، وقال: فروى خالد الحذاء وغيره هذا الحديث عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر، ورواه أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بنى عامر عن أبي ذر ولم يسمه[303].
وَاِلاَّ فَالتَّوَقُّفُ
هذا، وكثير من الأحاديث المضطربة ظاهرا، إذا أمعن النظر فيها يترجح واحد منها بأيّ وجه من وجوه الترجيحات، فلا يكون في الحقيقة اضطراب.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "إنّ المختلفين إمّا يكونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا، فالمتماثلون إمّا أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا، فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن ، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لها، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كلّ حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق[304].
(وإلا) أي إن لم يمكن الجمع وترجيح أحد الوجوه (فالتوقف) عن الأخذ والعمل بالأحاديث المختلفة حتى يظهر وجه للجمع والترجيح، فإذا ظهر وجه للتوجيه والتأويل فيأخذ بكليهما، وإذا ظهر وجه لترجيح واحد فيأخذ ويعمل به كما سبق.
والحديث المضطرب ضعيف ومعلول عند المحدّثين.
وقال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشـعاره بأنه لم يضبط"[305].
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: "وهو أحد أسباب التعليل عندهم، وموجبات الضعف للحديث"[306]
...................................................................................
بعض الاضطرابات ليس بقادح
الاضطراب يوجب ضعف الحديث، رغم ذلك انّ بعض الاضطرابات ليس بقادح عند الفقهاء والأصوليين، حيث احتجوا كثيرا بالأحاديث المضطربة، فإذا تعارض الرفع والوقف فهم يأخذون بالرفع، وإذا تعارض الوصل والإرسال فهم يأخذون بالوصل، وإذا تعارض النفي والإثبات فهم يأخذون بالإثبات لأنّ المثبِت عنده زيادة علم، وإبدال راو مكان راو آخر ليس بقادح عنهم إذا كان كلاهما ثقة.
قال ابن حزم في كتاب الإعراب: "وكم من خبر شديد الاضطراب قال به العلماء كالخبر في إيجاب الزكاة في عشرين دينارا فصاعدا، وهو خبر شديد الاضطراب، فمرة روى عن أبي إسحاق عن الحارث وعاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة روى عن أبي إسحاق أنه قال: "احسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم"
ومنها خبر كعب بن عجرة في حلق رأسه وهو محرم، وهو شديد الاضطراب لفظا ومعنى.
ومنها خبر ابن عباس في تحريم كل ذي مخلب من الطير، فإنه روى عن ابن عباس مرفوعا، ورواه علي بن الحكم عن ميمون بن مهران، فأدخل فيه بين ميمون وبين ابن عباس: سعيد بن جبير.
ومنها خبر تحريم المتعة، فما نعلم خبرا أشد اضطرابا منه، مرة حرمت في خيبر، ومرة في حنين، ومرة في الفتح ، ومرة أن عمر حرمها"[307]
وَإِنْ أََدْرَجَ الرَّاوِي كَلاَمَهُ أَوْ كَلاَمَ غَيْرِهِ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ مَثَلاً لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ كَبَيَانِ اللُّغَةِ
المدرج
(وإن أدرج) أي أدخل (الراوي) سواء كان الراوي صحابيا أو غيره في حديث رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم، سواء كان في أوله أو وسطه أو آخره، (كلامه) أي كلاما من عند نفسه (أو كلام غيره من صحابي) بيان لغيره (أو) من (تابعي) أومن غيرهما من الرواة (مثلا) أي على سبيل المثال لا على الحصر، بحيث لا يوجد فاصل بين هذا الكلام المدرج وبين قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أنّ الجميع من رسول الله صلى الله عليه
وسلم. (لغرض) أي لأجل غرض (من الأغراض)
(كبيان اللغة) أي الأغراض كبيان اللغة واللهجة في استعمال بعض الألفاظ الواردة في صلب الحديث حتى يفهمه السامع.
وذلك كما أدرج ابن وهب لبيان لغة مصر للفظ "زعيم" في حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال سمعت رسـول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا زعيم - والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم وهاجـر ببيت في ربض الجنة ... الحديث- رواه ابن حبان.
قال أبو حاتم: "الزعيـم لغة أهـل المدينة والحميـل لغة أهل مصر والكفيل لغة أهل العـراق، ويشبه أن تكون هذه اللفظة "الزعيم الحميل" من قول ابن وهب أدرج في الخبر"[308].
أَوْ تَفْسِيرٍ لِلْمَعْنَي أَوْ تَقْيِيدٍ لِلْمُطْلَقِِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْحَدِيثَُ مُدْرَجٌ.
(أو تفسير للمعنى) أي أو كإيضاح معنى بعض الألفاظ الغربية الواردة في صلب الحديث. وذلك كما أدرج الزهري كلمة "التعبد" لتفسـير معنى التحنث في حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي كان النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم يخلوا بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي أولات العدد... الحديث - متفق عليه
قال السيوطي رحمه الله: " فقوله وهو التعبد مدرج من قول الزهري"[309]
(أو تقييد للمطلق) أي تخصيص الحديث بالصفة والاستثناء وغيرهما من ألفاظ التخصيص والتقييد. وذلك كإدراج الاستثناء في حديث عن شبعة عن جبلة قال كنا بالمدينة في بعض أهل العراق فاصابنا سنة، فكان ابن الزبير يرزقنا التمر، فكان ابن عمر رضي الله عنهما يمر بنا فيقول: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه - متفق عليه.
وقال مسلم رحمه الله: قال شعبة لا أرى أنّ هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر يعنى الاستثناء ، فالاستثناء ليس من قول النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم بل هو مدرج من ابن عمر رضي الله عنهما.
(أو نحو ذلك) من الأغراض، كذكر الراوي الحكم الذي استنبطه في الحديث كما يأتي مثاله
(فالحديث) جواب لشرط "إن" المذكورة أعلاه، أي إذا أدرج شيئ في الحديث لغرض من الأغراض السابقة فالحديث حيينئذ في اصطلاح المحدثين (مدرج) بفتح الراء.
هذا، وكما ذكرناه انّ الإدراج لا يختص بآخر الحـديث، بل يكون أيضا في أوله ووسطه ، ولكن الأغلب أن يكون في أخر الحديث متصلا به.
...................................................................................
قال الحافظ الذهبي رحمه الله : "يبعد الإدراج في وسط المتن"[310]،
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله : "أن يكون ذلك في أوّل المتن نادر جدا، وأن يكون في أخره هو الأكثر، وأن يكون في الوسط هو القليل"[311]
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله : "والغالب وقوع الإدراج أخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ، لأنّ الراوي يقول كلاما يريد أن يستدلّ عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل فيتوهم أنّ الكلّ حديث"[312]
وفيما يلى مثال لكلّ من هذه الأنواع الثلاثة :
1- الإدراج في أوّل الحديث: فمثاله ما رواه الخطيب رحمه الله بإسناده من روايـة أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار، قال الخطيب رحمه الله وهم أبو قطن عمرو بن الهثم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا الحديث على ما سقناه، وذلك أنّ قوله اسبغوا الوضوء كلام أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله ويل للأعقاب من النار من قول النبي صلى الله عليه وسلم[313].
وقد وردت روايات أخرى بعبارة تفصل بين كلام أبي هريرة وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى الشيخان بسندهما عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال اسبغوا الوضوء فانّ أبا القاسم صلىّ الله عليه وسلّم قال ويل للأعقاب من النار[314].
...................................................................................
2- الإدراج في وسط الحديث: والإدراج في وسط الحديث إمّا يكون سببه بيان اللغة أو تفسير المعنى، وقد سبق مثاله، أو يكون سببه استنباط الراوي حكما من الحديث قبل أن يتم فيدرجه.
ومثاله ما رواه الدارقطني رحمه الله في سننه والطبراني رحمه الله في معجمه الكبير بسندهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: من مسّ ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ. و قال الدارقطني رحمه الله: كذا رواه عبد الحميد بن جعفر عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، وقال إنّ المحفوظ أنّ ذلك من قول عروة غير مرفوع.[315]
وقد روى الدارقطني رحمه الله نفسه في سننه هذا الحديث بحيث يفصل قول عروة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: من مسّ ذكره فليتوضأ ، وقال: كان عروة يقول إذا مسّ رفغـه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ[316].
وهذا ظاهر في أنّ قوله أو أنثيه أو رفغه ليس بمرفوع بل مدرج عن عروة بن الزبير. وقد روى هذا الحديث بدون إدراج عبد الله بن أبي بكر وغيره من الثقات عن عروة عن بسرة عن النبي صلى الله عليه كما في رواية أبي داود[317]
...................................................................................
3- الإدراج في آخر الحديث: وأمثلته كثيرة، ومنها: حديث التشهد في الصلاة عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم علّمه التشهد في الصلاة، فقال: قل التحيات لله فذكر التشهد، وفي آخره: إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد- رواه أبو داود[318].
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحر، فأدرج في الحديث قوله فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إلخ. وإنما هذا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم[319].
والدليل على ذلك أنه قـد جاء هذا الحديث في رواية أخرى تفصل بين كلام رسـول الله صلى الله عليه وسلم وبين كلام عـبد الله بن مسـعود رضي الله عنه. فقال الإمام البيهقي رحمه الله: هذا الحديث رواه شبـابة بن سوار عن زهير وفصل آخر الحديث عن أوله وجعله من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه[320]، وقد روى الشيخان وغيرهما هذا الحديث عن عبـد الله بن مسعود رضي الله عنه بدون إدراج كلامـه[321].
...................................................................................
الطريق إلى معرفة الإدراج
إنّ معرفة المدرج أهم جدا، لأنها وسيلة للتفرقة بين كلام رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم وبين كلام الآخرين، حيث إنّ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل الوحيد المتبع بعد كلام الله تبارك وتعالى، ولكن كيف يعرف؟، فالطريق إلى معرفته من وجوه:
1- أن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل الكلام المدرج عن المتن المرفوع، كما في الأمثلة السابقة.
2- أن تأتي رواية أخرى يصرح فيها الصحابي بأنه لم يسمع الكلام المدرج من النبي صلى الله عليه وسلم.
وذلك كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: من مات وهو لا يشرك شيئا دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئا دخل النار.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: هكذا رواه أحمد بن عبد الجبار العطاردي عن أبي بكر بن عياش بإسناده ووهم فيه[322].
فقد رواه أسود بن عامر شاذان وغيره عن أبي بكر بن عياش بلفظ: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول من جعل لله عزّ و جلّ ندا دخل النار وأخرى أقولها ولم اسمعها من النبي صلىّ الله عليه وسـلّم: من مات لا يجعل لله ندا أدخله الجنة- رواه أحمد[323]
...................................................................................
وقد رواه الأعمش عن شقيق عن عبد الله بلفظ قال: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت أنا: من مات يشرك بالله شيئا دخل النار- رواه مسلم[324]
3- أن يكون الكلام بحيث يستحيل إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عرفت أيّ كلام في الحديث بحيث لا يصح إضافته إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فاحكم بأنه مدرج من الراوي.
ومثاله حديث عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمّى أحببت أن أموت وأنا مملوك - رواه البخاري[325]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: فهذا الفصل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، إذ يمتنع عليه أن يتمنى أن يصير مملوكا، وأيضا فلم تكن له أمّ يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة رضي الله عنه أدرج في المتن، وقد بينه حيان بن موسى عن ابن المبارك فساق الحديث إلى قوله أجران فقال فيه والذي نفس أبي هريرة بيده ... إلخ[326].
4- أن يكون الكلام عن شيء وقع بعد وفاة الصحابي الذي روى الحديث
وذلك كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما قنت رسول الله
صلىّ الله عليه وسـلّم في شيء من الصـلوات كلهن إلا في الوتر، وكان إذا حارب
...................................................................................
يقنت في الصلاة كلهن يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت في الصلولات كلهن، وكان معاوية يدعو أيضا يدعو كلّ واحد منهما على الآخر.
وقال الحافظ نور الدين الهيثمي رحمه الله: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه شيء من المدرج من غير ابن مسعود بيقين، وهو قنوت علي ومعاوية رضي الله عنهما في حال حربهما، فإنّ ابن مسعود رضي الله عنه مات في زمن عثمان رضي الله عنه[327]
مدرج الإسناد
المدرج الذي عرّفه المصنف رحمه الله هو مدرج المتن، هناك نوع آخر للمدرج يسمّى بمدرج الإسناد، وهو على أقسام ومنها:
1- أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بسندين مختلفين فيوجد عنده لكلّ واحد من المتنين سند على حده، ولكن يدرج بين كلا المتنين ويدخل بعضه على بعض، فيرويهما بسند أحدهما.
ومثاله رواية سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا... الحديث، فقوله: لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، فهذا القدر هو متن واحد جاء بسنده الخاص فأدرج معه قوله كلمة لا تنافسوا التى هي في الحقيقة من متن آخر جاء بإسناد آخر رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، فيه: لا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا.
...................................................................................
2- أن يسمع الراوي حديثا واحدا من جماعة، ولكن اختلفوا في إسناده رفعا أو وقفا أو إرسالا أو غيره، مع ذلك يرويه عنهم باتفاق بدون إشعار على اختلافهم، فيروي عن الجميع متصلا مرفوعا مع أنّ بعضهم أرسلوا الحديث أو أوقفوا الحديث مثلا.
ومثاله - كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: ما رواه عثمان بن عمر عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن حلام عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم من سودة رضي الله عنها، فإذا امرأة على الطريق قد تشوفت ترجو أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث. فروى هذا الحديث متصلا .
قال العسقلاني رحمه الله: فظاهر هذا السياق يوهم أنّ أبا إسحاق رواه عن أبي عبد الرحمن وعبد الله بن حلام جميعا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وليس كذلك، وإنما رواه أبو إسحـق عن أبي عبد الرحمن عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم مرسلا، وعن أبي إسحاق عن عبد الله بن حلام عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم متصلا[328]
3- أن يسمع الراوي حديثا واحدا من جماعة بأسانيد مختلفـة، ولكن اختلفوا في ذكر متنه زيادة أو نقصانا أو غيرهما، فيروي الحديث بسند واحد من الأسانيد المختلفة مع ذكر زيادة في المتن مثلا، مع أنّ هـذه الزيادة لم يأت بها هذا الإسناد المذكور بل جاء بها إسناد آخر غير مذكور هنا، فيوهم هذا السياق أنّ هذه الزيادة جاء بها أيضا هذا الإسناد المذكور.
...................................................................................
ومثاله: ما رواه ابن عيينة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حـجر في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيه: ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شـديد، فرأيت الناس عليهم جـل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب ، فقوله ثم جئتهم إلى بعد ذلك إلخ. ليس هو بهذا الإسناد، بل هو من إسناد آخر، من رواية عاصم بن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر رضي الله عنه[329].
(فصل) في رواية الحديث بالمعنى
فَصْلٌ : تَنْبِيهٌ وَهَذَا الْمَبْحَثُ يَنْجَرُّ إِلَي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَنَقْلِهِ بِالْمَعْنَى
(تنبيه) أتى المصنف رحمه الله بهذه الكلمة للإشارة إلى أنّ ما يذكره في هذا الفصل مما ينبغي أن يتنبه إليه الطالب ويهتم به.
(وهذا المبحث) الذي يتعلق بالمدرج (ينجر) أي يفضى (إلى) بحث (رواية الحديث ونقله) عطف تفسير، أي ذكره (بالمعنى)، لأنّ من الإدراج ذكر معنى كلمات الحديث بألفاظ غير واردة في صلب الحديث، كما ذكر الزهري كلمة التعبد لبيان معنى كلمة التحنث الواردة في حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي كما سبق، فهو في الحقيقة ذكر كلمة الحديث بالمعنى.
وكذلك من المدرج أيضا بيان معنى الحديث حسب ما فهمه الراوي، وذلك كما فسّر بعض الرواة قول أنس رضي الله عنه" كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العامين" بأنهم "لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم" وذلك في حديث رواه مسلم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : صليت خلف النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم[330]، فقوله "لايذكرون بسم الله الرحمن الرحيم" هو مدرج أدرجه الراوى لبيان معنى قوله كانوا يفتتحـون بالحمد لله رب العالمين ، حسب ما فهمـه الراوي[331].
وَفِيهِ اِخْتِلاَفٌ، فَالْأَكْثَرُونَ عَليَ أََنَّهُ جَائِزٌ مِمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَمَاهِرٌ فِي أَسَالِيبِ الْكَلاَمِ وَعَاِرفٌ بِخَوَاصِّ التَّرَاكِيبِ وَمَفْهُومَاتِ الْخِطَابِ لِئَلاَّ يُخْطِئَ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ
(وفيه) أي في رواية الحـديث ونقله بالمعنى (اختلاف) بين العلماء، فاختلفوا على خمسة أقوال:
1- (فالأكثرون) من المحدّثين والفقهاء والأصوليين (على أنه) أي رواية الحديث ونقله بالمعنى (جائز ممن هو عالم بالعربية) أي بمعانى الكلمات العربية ومقاصدها ودلالاتها المختلفـة، (وماهر في أساليب الكلام) العربي من كناية ومجاز، وتشبيه واستعارة وغير ذلك (وعارف بخواص التراكيب) المختلفة في الدلالة على المعاني المختلفة، والمراد بالتركيب هنا هو ضم كلمة إلى كلمة أخرى ويسمى أيضا إسنادا، فلكلّ تركيب في الكلام العربي دلالة خاصة لا توجد لتركيب آخـر، فكلما تختلف التراكيب تختلف المعاني. وكل من المبتدأ والخبر والحال والتمييز والنعت والتوكيد وغيرها من التراكيب المختلفة يدلّ على معنى خاص لا يدل عليه الآخر[332]، فإن لم يكن الراوي عارفا بخواص هذه التراكيب في الدلالة لا يستطيع أن يأتي بتركيب يدلّ على المعنى المقصود بالحديث، بل أيّ خطأ يقع في التركيب يؤدّي إلى خطأ في المعنى (ومفهومات الخطاب) من مفهومي الموافقة والمخالفة كما حققهما الأصوليون (لئلا يخطئ) في تأدية معنى الحديث (بزيادة ونقصان) في المعنى الذي يدلّ عليه لفظ الحديث.
فأمّا من لا يعرفها فلا يجـوز له رواية الحديث بالمعنى بلا خلاف.
وَقِيلَ جَائِزٌ فِي مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمُرَكَّبَاتِ، وَقِيلَ جَائِزٌ لِمَنْ اسْتَحْضَرَ أَلْفَاظَهُ حَتَّى يَتَمَكَّن مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ
وقال الإمام النووي رحمه الله في عديد من كتبه: "إذا أراد رواية الحديث بالمعنى، فإن لم يكن خبيرا بالألفاظ ومقاصدها، عالما بما تختلف به دلالتها لم تجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف، بل عليه أداء اللفظ كما سمعه"[333].
قال الإمام الآمدي رحمه الله:" والذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري وأكثر الأئمة أنه يحرم ذلك على الناقل، إذا كان غير عارف بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها، وإن كان عالما بذلك فالأولى له النقل بنفس اللفظ، إذ هو أبعد من التغيير والتبديل وسوء التأويل، فإن نقله بالمعنى من غير زيادة في المعنى ولا نقصان منه، فهو جائز"[334]
2- (وقيل) إنّ رواية الحديث بالمعنى (جائز في مفردات الألفاظ ) وذلك باتيان ألفاظ أخرى مترادفة بدلا عن الألفاظ الواردة في متن الحديث كأن يأتي لفظ جلوس بدلا عن قعود لأنهما مترادفان (دون المركبات) فلا يجوز له تبديل جملة بعينها بأن يأتى جملة أخرى تأدّى معنى الجملة الواردة في الحديث.
3- (وقيل) إنّ رواية الحديث بالمعنى (جائز لمن استحضر) في قلبه وتذكّر ولم ينس (ألفاظه) أي ألفاظ الحديث الذي سمعه (حتي يتمكن) أي يستطيع (من التصرف فيه) أي في ألفاظ الحديث، بحيث يستطيع أن يأتي بألفاظ توافق وترادف للألفاظ التي استحضرها، وأن يأتي بتركيب يؤدّي نفس المعنى الذي يدلّ عليه تركيب ذلك الحديث.
وَقِيلَ جَائِزٌ لِمَنْ يَحْفَظُ مَعَانِيَ الْحَدِيثِ وَنَسِيَ أَلْفَاظَهَا لِلضَّرُورَةِ فِي تَحْصِيلِ الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا مَنِ اسْتَحْضَرَ الْأَلْفَاظَ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا الْخِلاَفُ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، أَمَّا أَوْلَوِيَّةُ
فأما من لم يستحضر ألفاظ الحديث ولم يتذكرها بل نسيها فلا يجوز له رواية الحديث بالمعنى، لأنّ من نسيها لا يستطيع أن يأتي بنفس المعنى الذي يدلّ عليه نفس الألفاظ ونفس التركيب للحديث.
4- (وقيل) إنّ رواية الحديث بالمعنى (جائز لمن يحفظ معاني الحديث) أي المعاني التي يدلّ عليها ألفاظ الحديث (و) لكنه (نسي ألفاظها) أي الألفاظ الواردة في الحديث للدلالة على تلك المعاني، فيجوز له رواية الحديث بالمعنى بألفاظ من عنده. وذلك (للضرورة) لمعرفة معاني الحديث (في تحصيل الأحكام) الشرعية، لأنّ الأحكام الشرعية تأخذ من معاني الحديث، فالمعاني هي المقصود بالذات، والألفاظ هي دالة ووسيلة لمعرفـة المعاني.
(و) على هذا القول (أمّا من استحضر الألفاظ) وحفظها (فلا يجـوز له) رواية الحديث بالمعنى، وذلك (لعـدم الضرورة) إلى رواية الحديث بالمعنى حيث يستطيـع لروايته بألفاظه.
وقال الإمام الماوردي رحمه الله: " إن نسي اللفظ جاز له، لأنه تحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أداء أحدهما، فيلزمه أداء الآخر، لا سيما انّ تركه قد يكون كتما للأحكام، فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره، لأنّ في كلامه صلىّ الله عليه وسلّم من الفصاحة ما ليس في غيره"[335]
(وهذا الخلاف) المذكور في روايـة الحديث بالمعنى هو( في الجواز) أي في جواز رواية الحـديث بالمعنى (و) في (عدمه) أي في عدم جوازها، (أما أولويـة) أي أفضليـة
رِوَايَةِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهَا فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَضَّرَ اللهُ امْرَأًً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَ.... الْحَدِيثَ
(رواية اللفظ) أي رواية الحديث بنفس الألفاظ التي سمعها الراوي (من غير تصرف) أي تغيير أو تبديل ( فيها) أي في الألفاظ، فيروي الحديث كما سمعه (فمتفق عليه) أي اتفق العلماء على أولوية وأفضلية رواية الحديث بنفس الألفاظ التى سمعها.
وذلك (لقوله صلىّ الله عليه وسلّم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع.... الحديث) - رواه أبو داود والترمذي وغيرهما[336]، ولا شك في أنّ الألفاظ والتراكيب التى خرجت من الفم الشريف لا مثيل ولاشبيه لها من كلام الآخرين أبدا.
5- وذهب طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول إلى أنه لا يجوز للراوي أن ينقل الحديث بالمعنى في أيّ حال من الأحوال، سواء استحضر ألفاظ الحديث أو نسيها. وإلي هذا ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما[337]
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "وكان ابن عمر رضي الله عنهما يشدّد في إتباع لفظ الحديث، وينهى عن تغيير شيئ منه، وكذلك محمد بن سيرين ، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وهو قول مالك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون حديث غيره"[338]
وَالنَّقْلُ بِالْمَعْنَى وَاقِعٌ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهَا
واستدلوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار- رواه البخاري[339].
وقال العلامة العيني رحمه الله في عمدة القاري: "وقد استدل بظاهر هذا الحديث الذي منع من رواية الحديث بالمعنى، وأجيب من جهة المجوزين بأنّ المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغير الحكم"[340]
(و) الصحيح هو القول الأوّل الذي ذهب إليه الجمهور من جـوازها مطلقا لمن يعرف العربيـة وأساليبها وخواص تراكيبها كما سبـق ، إذ (النقل بالمعنى) أي رواية الحديث بالمعنى (واقع) أي موجـود (في الكتب) الصحاح (الستة) المشهورة المقررة في الإسلام (وغيرها) من الكتب.
وقال الترمذي رحمه الله : "فأما من أقام الإسناد وحفظه وغيّر اللفظ فإنّ هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير به المعني"[341]
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "هو قول كثير من العلماء ونصّ عليه أحمد، وما زال الحفاظ يحدّثون عن المعنى وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب ، بصيرا بالمعاني، عالما بما يحيل المعنى وما لا يحيله، نصّ على ذلك الشافعي، وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه فغيّروا المعنى"[342]
قال الإمام النووي رحمه الله : "هذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة
...................................................................................
رضي الله عنهم فمن بعدهم في نقلهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة [343]
ومما يدلّ على جواز رواية الحديث بالمعنى الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير عن يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جـده قال : أتينا النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فقلنا له، بآبائنا أنت وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع منك الحديث فلا نقدر أن نؤديه كما سمعنا قال: إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس[344].
وقد استدلّ الإمام الشافعي رضي الله عنه لجواز رواية الحديث بالمعنى بحديث أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه، قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمنا منه بأنّ الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن اختلافهم إحالة المعنى، كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه[345]
وقد روي عن وائلة بن الأسقع قال: "إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم". وعن ابن سيرين قال: "كنت أسمع من عشرة، واللفظ مختلف والمعنى واحد". وعن ابن عون قال: "كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي يأتون بالحديث على المعاني". وعن سفيان الثوري قال: "إذا قلت لكم أني أحـدثكم كما سمعت فلا تصـدقوني إنما هو المعنى"[346]
...................................................................................
وقد روى قتادة عن زرارة بن أوفى قال: "لقيت عدة من أصحاب النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فاختلفوا على اللفظ واجتمعوا على المعنى"[347]
واستدلّ الإمام الآمدي رحمه الله لجوازه بوجهين من المعقـول، فقال: "وأما المعقول فمن وجهين:
الأول: أنّ الاجماع منعقد على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، وإذا جاز الإبدال بغير العربية في تفهيم المعنى، فالعربية أولى.
الثاني: هو إنا نعلم أنّ اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه، ولهذا، إنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم كان يذكر المعنى في الكرّات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى ، فلا أثر لاختلاف اللفظ"[348]
وقد سبق أنّ رواية الحديث بالمعنى لا يجوز إلا لعالم بالعربية وأساليب الكلام وخواص التراكيب ، لأنّ من لا يعرف ذلك إذا روى الحديث بالمعنى يقع في أخطاء وزلات، كما وقع فيها بعض الرواة.
ولذا يجب على الراوي الاحتراز عن الرواية بالمعنى. وقال القاضي عياض رحمه الله : "ينبغى سدّ باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع للرواة كثيرا قديما وحديثا"
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: " روى بعضهم حديث : اذا قرأ - يعني الإمام- فانصتوا، بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام "ولا الضالين" فانصتوا، فحمله على فراغه من القراءة لا علي شروعه فيها" ، وروى بعضهم حديث كنا نؤديه
...................................................................................
على عهد النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ، يريد زكاة الفطر ، فصحف نؤديه فقال نورثه ثم فسره من عنده فقال يعني الجد ، وكل هذا تصرف سيئ لا يجوز مثله"[349]
وقد فهمنا مما سبق أيضا أنه يجوز رواية الحديث بالمعنى، ولكن من آداب الرواية بالمعنى أن يشير الراوي إلي ذلك عقب روايته، كما كان يفعل ذلك عديد من الصحابة والتابعين.
قال الإمام النووي رحمه الله: "وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقبه: أو كما قال، أو نحوه، أو شبهه أو ما أشبه هذا من الألفاظ"[350]
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: "وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك وهم أعلم الناس بمعاني الكلام خوفا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر"[351].
وقد روى ابن ماجه رحمه الله عن محمد بن سيرين قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا حدّث عن رسول الله ففرغ قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[352]
وقد روى الدرامي رحمه الله أنه كان أبو الدرداء رضي الله عنه إذا حدّث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا أونحوه أو شبهه أو شكله[353]
وقد روى ابن ماجة رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ذات عشية: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم، فنكس، فاغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه ، قال: أو دون ذلك أو فوق ذلك أو قريبا من ذلك أو شبيها من ذلك[354].
وَالْعَنْعَنَةُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ "عَنْ فُلاَنٍ عَنْ فُلاَنٍ" وَالْمُعَنْعَنُ حَدِيثٌ رُوِيَ بِطَرِيقِِ اْلعَنْعَنَةِ
العنعنة
(والعنعنة) وهو مصدر جعلي كالبسملة والحمدلة، يقال عنعن فلان الحديث يعنعنه عنعنة، معناه (رواية الحديث بلفظ عن فلان عن فلان) بدلا عن أن يقال حدثني أو أخبرني أو غير ذلك.
(والمعنعن) بصيغة اسم مفعول (حديث روي بطريق العنعنة) أي الحديث الذي ذكر في سنده لفظ عن فلان عن فلان
وذلك كما رواه مالك رحمه الله عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: رأيت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يشير إلى المشرق ويقول ها إنّ الفتنة ههنا إنّ الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان[355].
فهذا الحديث معنعن حيث رواه مالك رحمه الله عن طريق العنعنة، إذ ذكر في سنده عن فلان عن فلان ولم يذكر فيه حدثني أو أخبرني أو غير ذلك مما ينص على السماع.
ولا يشترط في كون الحـديث معنعنا أن يروي جميع الرواة في سنده عمن فوقه بلفظ عن فلان عن فلان، ولكن إذا استعمل أيّ راو من رواته لفظ عن فلان فالحديث يكون معنعنا، كحديث البخاري قال حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهـري قال حدثني طلعة بن عبد الله أنّ عبد الرحمن بن عمرو بن سـهل أخبره أنّ سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسـلّم يقول من ظلم مـن الأرض
...................................................................................
شيئا طوقه من سبع أرضين[356].
فهذا الحديث قد استعمل رواته لفظ حدّث أو أخبر أو سمع مما ينص على السماع إلا شعيب فإنه قد أتى بلفظ العنعنة، فلذا أصبح هذا الحديث معنعنا، حيث يوجد في سنده عن فلان.
والداعي إلى رواية الحديث بالعنعنة هو الاختصار في السند، لأنّ قول مالك رحمه الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أخصر من قوله حدثني نافع حدثنى ابن عمر رضي الله عنهما، كما هو ظاهر كضوء النهار.
أراء العلماء في قبول المعنعن
وقد اختلف العلماء في قبول رواية الحديث المعنعن على عدة أقوال:
1- لا يقبل الحديث المعنعن على أيّ حال من الأحوال، مالم يتبين اتصاله لاحتمال انقطاعه، لأنّ العنعنة لا تنص على السماع، فالحديث المعنعن من قبيل المنقطع.
وقد روي هذا القول عن شعبة وقال: "كلّ حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خلّ وبقل"[357]، وقال أيضا: فلان عن فلان ليس بحديث"[358].
وهذا القول شـاذ مردود، حتى أنه قد حكى ابن عبد البر أنّ شـعبة رجـع عن هـذا[359]
وعلى هذا القول تكون مجموعة كبيرة من أحاديث الصحيحين منقطعة مردودة
وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَنْعَنةِ الْمُعَاصَرَةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ
حيث جائت بطريق العنعنة ، على أنّ الأمة قد أجمعت علي قبولها.
فهذا القول مخالف لإجماع الأئمة ، كما ذكره الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه، وقال الإمام النووي رحمه الله شارحا لقول الإمام مسلم رحمه الله: "إنّ مسلما رحمه الله ادعى إجماع العلماء قديما وحديثا على أنّ المعنعن – وهو الذي فيه فلان عن فلان- محمول على الاتصال والسماع، إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا، يعنى مع براءتهم من التدليس"[360]
2- يقبل (و) لكن (يشترط في) قبول (العنعنة) ثبوت (المعاصرة) بين الراوي وبين من عنعن عنه، أي أن يعيشا في عصر واحد، وإن لم يثبت اللقاء والسماع والأخذ بينهما، فإذا ثبت المعاصرة فالحديث يعتبر متصلا، هذا هو الراحج (عند) الإمام (مسلم ) بن حجاج النيسابوري رحمه الله[361].
وذلك كحديث سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : نهي رســول الله صلىّ الله عليه وسلّم عن أكل المجثمة وهي التى يصبر بالنبــل- رواه
وَاللُّقِيُّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ
الترمذي[362]، فسعيد بن المسب قد عاصر أبا الدرداء رضي الله عنه، ولكن لم يثبت اللقاء والسماع بينهما، ولكن يعتبر متصلا لثبوت المعاصرة بينهما.
قال الإمام الدارقطني رحمه الله: "لا يثبت سعيد عن أبي الدرداء لانهما لم يلتقيا"[363]. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : "ومراده أنه لم يثبت التقائهما، لا أنه ثبت انتفاؤه لأنّ نفيه لم يرد في رواية قط"[364].
فإن ثبت عدم اللقاء فلا تقبل العنعنة اتفاقا، بل يعتبر الحديث منقطعا.
3- (و) يشترط في قبول رواية الحديث المعنعن ثبوت (اللقي) أي اللقاء والرؤية بين الراوي وبين من عنعن عنه، وإن لم يثبت الأخذ بينهما، هذا هو الراجح (عند) الإمام محمد بن إسماعيل (البخاري)[365]، منسوب إلى مدينـة بُخارى، قال الياقوت الحمـوي:
وَالْأَخْذُ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ
"هي من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلها"[366]. وهذا المذهب الذي ذهب إليه البخاري رحمه الله هو أيضا مذهب علي المديني، وأبي بكر الصيرفي الشافعي وكثير من المحققين ، وقال الإمام النووي رحمه الله : "وهو الأصح"[367]
وذلك كحديث الزهري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم - رواه ابن أبي شيبه[368] ، فابن شهاب الزهري لم يثبت سماعه عن ابن عمر رضي الله عنهما ، لأنه اختلف العلماء في سماعه عن ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: معمر أنه سمع منه حديثين ، قال أبو حاتم : "الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر رآه ولم يسمع" [369] فتثبت المعاصرة واللقاء بينهما، وإن لم يثبت السماع.
وان ثبت عدم السماع فلا يقبل الحديث لثبوت عدم الاتصال، وإن ثبتت المعاصرة فقط بدون اللقاء فالحديث من قبيل المنقطع على هذا القول، فحديث سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء رضي الله عنه يعتبر منقطعا ومرسلا على هذا القول وإن كان متصلا على القول السابق.
4- (و) يشترط في قبول الحديث المعنعن ثبوت (الأخذ) أي أخذ الراوي وسماعه عمن عنعن عنه، فلا يكفي في قبوله ثبوت المعاصرة أو اللقاء فقط هذا هو الراجح (عند قوم آخرين) من المحدّثين، فحديث سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء رضي الله عنه وحديث
وَمُسْلِمٌ رَدَّ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أََشَدَّ الرَّدِّ وَبَالَغَ فِيهِ، وَعَنْعَنَةُ الْمُدَلِّسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ
الزهري عن ابن عمر رضي لله عنهما، كلاهما يعتبر منقطعا وغير متصل على هذا القول.
(و) الإمام (مسلم) رحمه الله (رد على) هذين (الفريقين) الأخيرين (أشدّ الرد وبالغ فيه) أي في الرد، وذلك في مقدمة صحيحه كما ذكرناه.
عنعنة المدلّس لا تقبل
(وعنعنة المدلّس) بصيغة اسم الفاعل (غير مقبول) عند جمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، فالحديث المعنعن من المدلّس ضعيف يعتبر منقطعا، حتى يتبين سماعه ذلك الحديث عمن عنعن عنه، وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: "فالمشهور أنه لا يحمل على السماع حتى يبيّن الراوي ذلك، وما لم يبيّن فهو كالمنقطع فلا يقبل"[370]
ومثاله حديث محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الأديان أحب إلى الله قال الحنفية السمحة - رواه أحمد والطبراني[371]، وقال الهيثمي رحمه الله : فيه ابن إسحاق، وهو مدلّس ولم يصرح بالسماع"[372]، فلا تقبل عنعنته ، فهذا الحديث في حكم المنقطع.
فإن لم يكن الراوي مدلّسا فعنعنته مقبولة وحديثه المعنعن يعتبر متصلا، هذا هو الصحيح. قال الإمام النووي رحمه الله: "والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول- أنه متصل بشرط أن يكون المعنعِن غير مدلّس"[373]
...................................................................................
وقد نقل الحاكم رحمه الله فيه إجماعا، فقال: "الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل"[374]
ثم ذكر الحاكم رحمه الله مثالا لذلك بحديث عمرو بن الحارث عن عبد ربه عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أنه قال: لكلّ داء دواء، فإذا أصيب داوء الداء برئ بإذن الله عز و جل[375].
وقال الحاكم رحمه الله: "هذا حديث رواته مصريون ثم مدنيون ثم مكيون، وليس من مذاهبهم التدليس، فسواء عندنا ذكروا سماعهم أو لم يذكروه"[376]
وقد ادعى ابن عبد البر أيضا الإجماع في قبول الحديث المعنعن مع شروطه، فقال في كتابه التميهد: "أجمع أهل العلم على قبول الإسناد المعنعن ، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطا ثلاثة ، وهي: عدالة المحدّثين في أحوالهم. ولقاء بعضهم بعضا مجالسة ومشاهدة. وأن يكونوا برآء من التدليس"[377]
وقد اعترض الإمام الزركشي رحمه الله على دعوى الإجماع في هذه المسئلة، فقال في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح: "ولكن في نقل هذا الإجماع نظر، فقد رأيت في كتاب فهم السنن للإمام حارث بن أسد المحاسبي: "اختلف الناس فيما تثبت به السنة ، فقال قوم: تثبت بخبر الواحد إذا جاء متصلا برجال معروفين بالصدق والحفظ واللقاء بعضهم لبعض ، إذا قال سمعت أو حدثني كلّ واحد منهم فمن فوقه إلى
...................................................................................
النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ، فأما إذا كانوا ثقات قد لقي بعضهم بعضا ولم يقل كلّ واحد منهم سمعت أو حدثتي أو قالوه جميعا إلا واحد فلا تثبت به أبدا سـنة، لأنا قـد وجدنا الحفاظ يروون عن غيرهم ما لم يسمعوه منهم إذا أخبرهم عنهم غيرهم ، فلا يجـوز إلا أن يقول كلّ واحد منهم سمعت أو حدثني أو أخبرني"[378]
إنّ فلانا قال كذا بمنزلة العنعنة
وذهب كثير من المحدّثين إلى أنّ قول الراوي إنّ فلانا قال كذا هو بمنـزلة العنعنة.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "اختلفوا في قول الراوي إنّ فلانا قال كذا وكذا، هل هو بمنزلة "عن" في الحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما، حتى يتبين فيه الانقطاع، مثاله مالك عن الزهري انّ سعيد بن المسيب قال كذا، فروينا عن مالك رضي الله عنه أنه كان يرى عن فلان وانّ فلانا سواء، وعن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنهما ليسا سواء"[379]
وحكى ابن عبد البر رحمه الله عن جمهور أهل العلم أنّ "عن" و"انّ" سواء، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسـة والسماع والمشاهدة، يعنى مع السلامة من التدليس، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحـا كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد محمولا على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع[380]
وَكُلُّ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ سَنَدُهُ مُتَّصِلٌ فَهُوَ مُسْنَدٌ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّي كُلَّ مُتَّصِلٍ مُسْنَدًا وَإِِنْ كَانَ مَوْقُوفًا أَوْ مَقْطُوعًا
المسند
اختلفوا في تفسير المسند على ثلاثة أقوال :
1- (وكل حديث مرفوع) أي ما رفع إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم (سنده متصل) أي ليس فيه انقطاع (فهو مسـند) أي يسمّى مسـندا، فالمسند هو المتصل المرفوع ، أي ما اتصل إسناده وانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيشترط في المسند الاتصال والرفع ، فلا يوصف به الموقوف والمقطوع و المنقطع.
(هذا هو المشهور المعتمد عليه) عند المحدّثين ، واختاره الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه الاقتراح[381]. وجزم به أبو عبد الله الحاكم رحمه الله في كتاب معرفة علوم الحديث فقال: "المسند من الحديث أن يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعه منه وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[382]
2- (وبعضهم) أي من المحدّثين (يسمّى كلّ متصل مسندا) فالمسند عندهم هو المرادف للمتصل، أي ما اتصل سنده (وإن كان) مرفوعـا أو (موقوفا أو مقطوعا)، ولكن أكثر استعماله في المرفوع، هذا ما نقل ابن الصلاح عن الحافظ أبي بكر الخطيب فقال: إنّ المسند عند أهل الحديث هو الذي اتصـل إسناده من راويـه إلى منتهاه، وأكثر ما
وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّي الْمَرْفُوعَ مُسْنَدًا، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلاً أَوْ مُعْضَلاً أَوْمُنْقَطِعًا.
يستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم[383].
3- (وبعضهم) أي من المحدّثين (يسمّى المرفوع مسندا) فالمسند عندهم هو المرادف للمرفوع أي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وإن كان) متصلا أو(مرسلا أو معضلا أو منقطعا).
هذا ما ذهب إليه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله، فقال في كتاب التمهيد: إنّ المسند ما رفع إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم خاصة، وقد يكون متصلا مثل مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسـول الله صلى الله عليه وسـلم، وقد يكون منقطعا مثل مالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فهذا مسند لأنه أسند إلى رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم، وهو منقطع لأنّ الزهري لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنه[384].
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "فقائل الأوّل نظر في المسند إلى حال المتن والسند معا، والثاني إلى حال السند فقط والثالث إلى حال المتن فقط"[385]
(فصل) في ذكر الشاذ والمنكر والمعلل
فَصْلٌ: وَمِنْ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ الشَّاذُّ وَالْمُنْكَرُ وَالْمُعَلَّلُ، وَالشَّاذُّ فِي اللُّغَةِ مَنْ تَفَرَّدَ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجَ مِنْهَا، وَفِي الْاِصْطِلَاحِ مَا رُوِيَ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ
والحديث بالنظر إلى رواية أو روايات أخرى له من حيث القوة والضعف وكثرة العدد ينقسم إلى عدة أقسام ، ولبيان بعض هذه الأقسام عقد المصنف رحمه الله هذا الفصل فقال (ومن أقسام الحديث الشاذ والمنكر والمعلل) ثم بين تعريف كلّ واحد منها مع بيان مقابلها.
الشاذ
(والشاذ) اسم فاعل من الشذوذ، معناه ( في اللغة: من تفرّد من الجماعة وخرج منها) يقال شذ يشذ - بضم الشين المعجمة- شذوذا، إذا انفرد، ومنه قول النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم: يد الله على الجماعة فمن شذ شذ في النار- رواه الترمذي[386].
(و) هو (في الاصطلاح) أي في اصطلاح المحدّثين (ما) أي الحديث الذي (روي) أي رواه الثقة (مخالفا) بصيغة اسم الفاعل أي معارضا ، حال من " ما" أي حال كون ذلك الحديث مخالفا ومعارضا (لما) أي للحديث الذي (رواه الثقات) يعنى أنّ الشاذ في اصطلاح المحدّثين هو الحديث الذي رواه الثقـة بحيث يخالف ذلك الحديث
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُوَاتُهُ ثِقَةً فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَإِِنْ كَانَ ثِقَةً فَسَبِيلُهُ التَّرْجِيحُ بِمَزِيدِ حِفْظٍ وَضَبْطٍ أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ وَوُجُوهٍ أُخَرَ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ، فاَلرَّاجِحُ يُسَمَّى مَحْفُوظًا وَاْلمَرْجُوحُ شَاذًّا
للحديث الذي رواه الآخرون من الثقات.
(فان لم يكن رواته) أي رواة الحديث الذي يخالف الحديث الذي رواه الثقات (ثقة) بل كانوا أو كان واحد منهم ضعيفا (فهو) أي الحديث (مردود) ولا يسمّى له أيضا شاذا، لأنّ الشاذ يكون كل رواته ثقات.
(وإن كان) كلّ من رواة الحديثين المتخالفين (ثقة) فتعارض كلا الحديثين بين القبول والرد (فسبيله) أي سبيل قبول أحد الحديث وردّ الآخر (الترجيح) أي ترجيح واحد من الحديثين (بمزيد حفظ وضبط) بأن يكون راوي أحد الحديثين أحفظ وأضبط من راوي الحديث الآخر، ( أوكثرة عدد) بأن يكون رواة أحد الحديثن أكثر عددا من الآخر، وذلك بأن يأتي أحد الحديثين بطرق عديدة دون الآخر (ووجوه أخر من الترجيحات) كأن يكون راوى أحد الحديثين فقيها دون الآخر، فرواية الفقيه مقدّم ومرجّح على غيره، وكأن يكون معنى أحد الحديثين مثبتا والآخر نافيا، فالمثبت مقدّم ومرجّح على النافي لأنّ المثبِت عنده زيادة علم دون النافي أو غير ذلك من وجوه الترجيحات التي ذكرها الأصوليون.
(والراجح) أي الحديث الذي ترجّح بأيّ وجه كان من وجوه الترجيحات (يسمّى محفوظا) لأنه هوكالمحفوظ عن الخطأ
(والمرجوح) من الحديثين يسمّى (شاذا) لأنه شذّ وتفرّد بمخالفته عن الحديث الراجح المحفوظ.
...................................................................................
شاذ المتن والإسناد
والشذوذ قد يكون في متن الحديث وقد يكون في سنده.
ومثاله في المتن : ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: إذا صلىّ أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه[387].
قال البيهقي رحمه الله : "خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا ، فإنّ الناس إنما رووا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، لا من قوله وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ[388]
ومثاله في السند: ما رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدع وارثا إلا مولى هو اعتقه فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ميراثه[389].
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله : وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفه حماد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس[390]، يعنى أنّ هذا الحديث قد رواه ابن عيينة وابن جريج وغيرهما من الثقات مسندا متصلا، ولكن خالفهم في روايته حماد بن زيد وهو ثقة، فرواه مرسلا.
...................................................................................
فحماد بن زيد الثقة قد روى هذا الحديث مخالفا لما رواه الثقات من ابن عيينة وغيره، فرواية حماد بن زيد مرجوح ويسمّى شاذا، ورواية ابن عيينة وغيره راجح ويسمى محفوظا، ولذا قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة[391]
وقال العسقلاني رحمه الله : فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه، وعرف من هذا، أنّ الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، وهذا هوالمعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح"[392]
أقوال العلماء في تعريف الشاذ
والتعريف الذي ذكره المصنف للشاذ هو المعتمد من تعريفه كما سبق، وقد ذهب المحدّثون في تعريف الشاذ إلى عدة أقوال:
1- الحديث الذي رواه الثقة مخالفا لما رواه الناس: هذا تعريف ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله، فقال ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس - نقله الحاكم رحمه الله بسنده في كتابه معرفة علوم الحديث[393]
قال العلامة عبد الحيّ اللكنوي في شرح مختصر الجرجاني: "وقد أصاب الشافعي في اعتبار المخالفة وتقييد الثقة، إلا أنه تسامح في قوله: "لما رواه الناس" فإنه بإطلاقه يسـتلزم كون ما رواه الثقة مخالفا لما رواه جمع من الضعفاء أيضا شاذا، وأن لا يكـون ما رواه الثقـة مخالفا لما رواه راو واحـد وهو أوثق منـه وأضبط شاذا، وليس كذلك،
...................................................................................
فإنّ مدار الشذوذ المخلّ في صحة الحديث هو مخالفة الثقة لغيره من الثقات، وإن كان واحدا، ولا يشترط فيه أن تكون المخالفة مع جمع من الثقات، فإنه لو روى حديثا واحدا إثنان فقط وأحدهما أوثق من الآخر، وخالفت رواية الثقة لرواية من هو أعلى منه كان شاذا أيضا، ولو روى ثقة مخالفا لما رواه الضعفاء فالعبرة لروايته لا لروايتهم، ولا تضرّ هذه المخالفة في صحة الحديث، وهذا كله ظاهر على كلّ ماهر، فلعل المراد "بالناس" في قول الشافعي الثقات والحفاظ، واللام الداخلة عليه للجنس فبطلت الجمعية"[394]
2- الحديث الذي ليس له إلا إسناد واحد: هذا ما حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي[395] في كتابه الإرشاد ونسبه إلى حفاظ الحديث فقال: والذي عليه حفاظ الحديث أنّ الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به[396].
فاعتبر الخليلي في تعريف الشاذ مطلق التفرّد، فلم يقيّده بالمخالفة، ولا بالثقة بل أوضح أنّ الشاذ سواء فيه تفرّد الثقة وغيره، فيلزم من هذا أن يكون الحديث الذي تفرّد به الضعيف شاذا، كما إذا تفرّد به الثقة كان أيضا شاذا، سواء كان هناك مخالفة أم لا، فالشاذ على هذا نوعان:
...................................................................................
أ- شاذ متروك وهو ما تفرّد به الضعيف.
ب- شاذ لا يحتج به ولا يردّ، بل يتوقف فيه، وهو ما تفرّد به الثقة.
3- الحديث الذي تفرّد به الثقة: هذا ما ذهب إليه أبو عبد الله الحاكم رحمه الله، فقال في كتابه معرفة علوم الحديث: "أمّا الشاذ فإنه حديث يتفرّد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة[397].
وقد مثّله الحاكم رحمه الله بحديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصلّيهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلىّ الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.
ثم قال الحاكم رحمه الله: "نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل، فقلنا الحديث شاذ[398]، يعنى أنّ هذا الحديث تفرّد بروايته يزيد بن أبي حبيب، وهو ثقة عند المحدثين[399]، فحكم الحاكم رحمه الله بشذوذ هذا الحديث.
فالحاكم رحمه الله قد اعتبر في تعريف الشاذ تفرّد الثقة، ولم يعتبر المخالفة ، فإذا تفرّد به الضعيف فلا يكون شاذا عنده خلافا للتعريف الذي حكاه أبو يعلي الخليلي.
...................................................................................
ولكن يلزم من كلا التعريفين أن يكون الحديث الذي تفرّد به الثقة وليس له إلا إسناد واحد شاذا، ولذا قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "فيشكل بما يتفرّد به العدل الحافظ الضابط، كحديث إنما الأعمال بالنيات، فإنه حديث تفرّد به عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ثم تفرّد به عن عمر رضي الله عنه علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث"[400].
وقال أيضا: " أو ضح من ذلك حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم نهى عن بيع الولاء وهبته، تفرّد به عبد الله بن دينار، وحديث مالك عن الزهري عن أنس رضي الله عنه: أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم دخل مكـة وعلى رأسـه مغفر، تفرّد به مالك عن الزهري، فكل هذه مخرجة في الصحيح مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرّد به ثقـة، وفي غرائب الصحيح ما شابه لذلك غير قليلة" [401]
4- الحديث الذي رواه الثقة مخالفا لما رواه الثقات أو الأوثق: هذا ما ذهب إليه ابن الصلاح رحمه الله، فقال في مقدمته متعقبا على التعريفات الثلاث السابقة: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبيّن لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيّنه، فنقـول: إذا انفرد الراوي بشيء ينظر فيـه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هـو أولى منـه بالحفظ
........................................................................
لذلك وأضبط كان ما تفرّد به شاذا مردودا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارمًا له مزحزحًا له عن حيّز الصحيح.
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة، بحسب الحال، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرّده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فخرج من ذلك أنّ الشاذ المردود قسمان، أحدهما: الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجب التفرّد والشذوذ من النكارة والضعف"[402]
فالإمام ابن الصلاح رحمه الله جعل الشاذ قسمين، ولكن القسم الثاني الذي ذكره من الشاذ يسمّيه عديد من المحدثين منكرا، لا يسمونه شاذا، وسيأتي تعريف المنكر فيما بعد، والشاذ والمنكر عند ابن الصلاح رحمه الله بمعنى واحد، وقال "إنه بمعناه"[403] فهما مترادفان عنده، وتبعه فيه ابن دقيق العيد رحمه الله ، فقال في الاقتراح : "المنكر هو كالشاذ"[404]
والتحقيق أنّ المنكر غير الشاذ، وهو المختار عند المحققين، واستقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين.
وَالْمُنْكَرُ حَدِيثٌ رَوَاهُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِمَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَمُقَابلُهُ الْمَعْرُوفُ.
المنكر
(والمنكر) بفتح الكاف، قال الفيروزابادي : هو ضد المعروف[405]، اسم مفعول من الإنكار، يقال: أنكره ينكره فهو منكر، إذا جهله.
قال ابن فارس: النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التى يسكن إليها القلب، ونكر الشيء وأنكره لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه[406] وفي اصطلاح المحدّثين لفظ المنكر قد يطلق على الحديث، فيقال هذا حديث منكر، وقد يطلق على الراوي فيقال هذا الراوي منكر الحديث.
فالحديث المنكر هو (حديث رواه ضعيف مخالف) صفة لقوله ضـعيف أي الضعيف الذي خالف في روايته (لمن) أي للراوي الذي (هو) أي الضعيف المخالِف (أضعف منه) والضمير يرجع إلى "من" ، أي أنّ المخالف هو أضعف ممن خالفه ، فكلاهما ضعيف ولكن المخالِف أضعف من الآخر، ولو قال المصنف رحمه الله المنكر هو مارواه الأضعف مخالفا للضعيف كان أقصر وأوضح كما لا يخفي.
(ومقابله) أي مقابل المنكر يقال له (المعروف) فالمعروف في اصطلاح المحدّثين: هو حديث رواه الضعيف مخالفا للأضعف.
وبناء على ما ذهب إليه المصنف رحمه الله أنّ الحديث الذي رواه الضعيف مخالفا للثقات فلايقال عنه منكرا، لأنه اشترط في المنكر ضعف كلا الجانبين، مع كون أحد الجانبين أضعف.
فَالْمُنْكَرُ وَالْمَعْرُوفُ كِلاَ رَاوِيهِمَا ضَعِيفٌ وَأَحدُهُمَا اَضْعَفُ مِنَ الْآخَرِ، وفِي الشَّاذِ وَالْمَحْفُوظِ قَوِيٌّ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنَ الْآخَر،ِ وَالشَّاذُّ وَالْمُنْكَرُ مَرْجُوحَانِ، وَالْمَحْفُوظُ وَاْلمَعُرُوفُ رَاجِحَانِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الشَّاذِّ وَاْلمُنْكَرِ قَيْدَ الْمُخَالَفَةِ لِرَاوٍ آخَرَ قَوِيًّا كَانَ أَوْ ضَعِيفًا، وَقَالُوا الشَّاذُّ مَا رَوَاهُ الثِّقَةُ وَتَفَرَّدَ بِهِ وَلاَ يُوجَدُ لَهُ أَصْلٌ مُوَافِقٌ وَمُعَاضِدٌ لَهُ، وَهَذَا صَادِقٌ عَلَى فَرْدٍ ثِقَةٍ صَحِيحٍ
الفرق بين الشاذ والمنكر
وبعد ما ذكر المصنف رحمه الله تعريف المنكر ومقابله بيّن الفرق بين الشاذ والمنكر ومقابليهما وذلك لمزيد من الإيضاح فقال: (فالمنكر والمعروف كلا راويهما ضعيف وأحدهما) أي راوي المنكر (أضعف من الآخر) أي راوي المعروف، (و) الراوي (في) كلّ من (الشاذ والمحفوظ قوي) أي ثقة ولكن (أحدهما) أي راو المحفوظ (أقوى) أي أوثق (من الآخر) أي من راوي الشاذ. (والشاذ والمنكر مرجوحان والمحفوظ والمعروف راجحان) يعنى أنّ الشاذ مرجوح ومقابله الراجح هو المحفوظ، وكذلك أنّ المنكر مرجوح ومقابله الراجح هو المعروف.
وقد فهمنا من تعريفي الشاذ والمنكر أنّ المصنف قد اعتبر المخالفة في تعريف كلّ منهما، ولكن (بعضهم) أي بعض المحدّثين (لم يشترطوا في) تعريف (الشاذ والمنكر قيد المخالفة لراو آخر قويّا كان أو ضعيفا) ومنهم من اعتبروا في تعريف الشاذ تفرّد الثقة فقط دون المخالفة (وقالوا: الشاذ ما) أي الحديث الذي (رواه الثقة وتفرّد به) ولم يروه أحد غيره (ولا يوجد له أصل موافق ومعاضد له) أي لا توجد رواية أخرى تقوّي لروايته.
(وهذا) أي هذا التعريف للشاذ (صادق على فرد ثقة صحيح) أي أنّ الشاذ وفقا على هذا التعريف يصـدق على الحديث الذي تفرّد به الثقة ، والحديث الذي تفــرّد
وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا الثِّقَةَ وَلاَ الْمُخَالَفَةَ، وَكَذَلِكَ الْمُنْكَرُ لَمْ يَخُصُّوهُ بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَسَمَّوْا حَدِيثَ الْمَطْعُونِ بِفِسْقٍ أَوْ فَرْطِ غَفْلَةٍ وَكَثْرَةِ غَلَطٍ مُنْكَرًا، وَ هَذِهِ اِصْطِلَاحَاتٌ لاَمُشَاحَّةَ فِيهَا.
به الثقة بدون مخالفة يعتبر صحيحا عند المحدّيثن.
فعلى هذا أنّ الحديث الشاذ قد يكون صحيحا وقد يكون ضعيفا، فالصحيح من الشاذ ما تفرّد به الثقة بدون مخالفة، والضعيف من الشاذ ما تفرّد به الثقة مع مخالفة لمن هو أوثق منه أو الثقات.
(وبعضهم) أي بعض المحدّثين (لم يعتبروا) في تعريف الشاذ (الثقة ولا المخالفة) فعندهم الشاذ ما تفرّد به، سواء كان المتفرّد ثقة أو ضعيفا، وسواء كان له مخالفة أم لا.
فهذا التعريف أعمّ من التعريفين السابقين للشاذ، فعلى هذا انّ الشاذ أيضا قد يكون صحيحا وقد يكون ضعيفا، فالصحيح منه ما تفرّد به الثقة بدون مخالفة، والضعيف منه نوعان:
أ- ما تفرّد به الثقة مع مخالفة لمن هو أوثق منه أو الثقات.
ب- ما تفرّد به الضعيف سواء كان له مخالفة أم لا .
وقد ذكرنا هذه الأقوال كلّها في تعريف الشاذ.
(وكذلك المنكر) أي كما أنّ المحدّثين قد اختلفوا في تعريف الشاذ اختلفوا أيضا في تعريف المنكر، حيث (لم يخصوه) أي لم يخصوا إطلاق المنكر (بالصورة المذكورة) أي التى ذكرها المصنف رحمه الله، (وسموا) أيضا (حديث المطعون بفسق أو فرط غفلة وكثرة غلط منكرا) وسيأتي بيانه مع ذكر مثاله.
هكذا اختلفوا في تعريف المنكر اختلافا كثيرا (وهذه اصطلاحات لا مشاحة) أي بيَن ثابت لا مناقشة (فيها) أي في الاصطلاحات، لأنّ لكلّ واحد أن يضع اصطلاحا خاصا حسبما يريد.
...................................................................................
أقوال العلماء في تعريف المنكر
والحديث المنكر قد ذهب العلماء في تعريفه إلى عدة أقوال:
1- الحديث الذي رواه الأضعف مخالفا لما رواه الضعيف: هذا ما ذهب إليه المصنف رحمه الله، وقد سبق بيانه، ولكن المصنف رحمه الله لعله تفرّد بهذا التعريف، حيث لم أجد غيره ذكر هكذا.
2- الحديث الذي رواه الضعيف مخالفا لما رواه الثقة: هذا ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره، فقال: في شرح النخبة: " وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له المنكر"[407].
فلم يشترط الضعف في كلا الجانبين، فالحديث الذي رواه الضعيف مخالفا للثقة فهو منكر.
هذا هو موافق لما ذهب إليه الإمام مسلم رحمه الله، حيث تكلم عن المنكر في مقدمة صحيحه بما يبين مذهبه فقال: "وعلامة المنكر في حديث المحدّث، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم ، أو لم تكد توافقها ، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك ، كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله[408].
فالإمام مسلم رحمه الله أيضا اعتبر في تعريف المنكر مخالفة الضعيف لأهل الحفظ والرضا، فالمنكر عنده هو ما رواه الضعيف مخالفا للثقة، وهذا هو المختار في تعريفه[409]، وعليه اصطلاح المتأخرين.
...................................................................................
وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه ا لله مثالا للمنكر فقال:
"مثاله ما رواه ابن أبي حاتم من طريق جيب بن جيب وهو أخو حمزة بن جيب المقري عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: من أقام الصلاة وأتى الزكاة وحج البيت ، وصام وقرى الضيف دخل الجنة، قال أبو حاتم : هو منكر لأنّ غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف" ثم قال العسقلاني رحمه الله: "وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عموما وخصوصا من وجه، لأنّ بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة وافتراقا في أنّ الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، قد غفل من سوّى بينهما"[410]
3- الحديث الذي رواه الثقة مخالفا لما رواه الثقات أو الأوثق: هذا ما ذهب إليـه ابن
الصلاح رحمه الله ومن وافقه من أنّ الشاذ والمنكر مترادفان، وكلاهما بمعنى واحـد، كما
تقـدم في تعريف الشاذ.
ومثاله ما رواه أبو داود من طريق همام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، قال أبو داود: هذا حديث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه ، والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام[411]
فالإمام أبو داود حكم على هذا الحديث بأنه منكر، وذلك لأنّ هماما قد روى هذ الحديث عن ابن جريج عن الزهري، أي بإسقاط الواسطة بين ابن جريج والزهري،
...................................................................................
وبصيغة إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، ولا شك أنّ ابن جريج هو ثقة، ولكنه خالف الثقات الآخرين من رواته لأنهم قد رووا هذا الحديث بذكر الواسطة وهو زياد بن سعيد وبصيغة أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم اتخذ خاتما من ورق... الحديث.
فرواية همام هذا الحديث عن ابن جريج مخالف لما رواه الثقات الآخرون، ولذا قال أبو داود هذا حديث منكر.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "إنّ أبا داود حكم عليه بكونه منكرا ، لأنّ هماما تفرّد به عن ابن جريج. وهما وإن كانا من رجال الصـحيح، فإنّ الشيخين لم يخرجا من رواية همام عن ابن جريج شيئا، لأنّ أخذه عنه كان لما كان ابن جريج بالبصرة، والذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة خلل من قبله، والخلل في هذا الحديث من جهة ابن جريج ، دلّسه عن الزهري بإسقاط الواسطة، وهو زياد بن سعد، ووهم همام في حفظه، على ما جـزم به أبو داود وغيره، هذا وجـه حكمه عليه بكونه منكرا"[412]
ولكن هذا الحديث الذي رواه أبـو داود هو في الحقيقة ليس بمنكر بل هو شاذ كما فهمنا من التعريف الراجح لكل من الشاذ والمنكر، فهذا الحديث لا يكون منكرا إلا على قول من قال إنهما مترادفان، فالصواب أن نحكم على هـذا الحديث بأنه شاذ، وقال العسقلاني رحمه الله: وحكم النسائي عليه بكونه غير محـفوظ أصوب فإنه شاذ في الحقيقة، إذ المنفرد به من شرط الصحيح لكنه بالمخالفـة صار حديثه شاذا[413]
...................................................................................
4- الحديث الذي تفرّد به الضعفاء والمتروكون، ممن طعن بفسق أو فرط غفلة أو كثـرة
غلط. هذا ما ذهب إليه الإمام الترمذي رحمه الله وغيره من أهل الحديث المتقدمين. ووافقهم
الحافظ الذهبي رحمه الله فقال في كتاب الموقظة: "المنكر هو ما انفرد به الراوي الضعيف"[414]
مثاله : ما رواه أيوب بن واقد الكوفي عن هشام بن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم، قال الترمذي رحمه الله: سألت محمدا يعنى الإمام البخاري رحمه الله عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر[415]
ووجه النكارة – كما قال الترمذي رحمه الله- لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا أيوب بن واقد، فهو تفرّد به، مع كونه ضعيف جدا ، وغير ثقة، قال الدارقطني رحمه الله : هو متروك الحديث. قال الدوري وابن معين وغيرهما: ليس بثقة[416]
5- الحديث الذي تفرّد الثقة بروايته، هذا ما ذهب إليه بعض المحدّثين، حيث يطلقـون
عليه المنكر.
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: " وقد يُعَدّ مُفرَد الصدوق منكرا"[417]
وقال أيضا: فإن كان المنفرد من طبقة مشـيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا هذا منكر[418], مع أنهما من رجال الصحيحين.
...................................................................................
ولكن هذا النوع من المنكر ليس بمردود إذا كان ذلك الثقة ضابطا متقنا، حيث يصح الاحتجاج به عند الفقهاء والأصوليين.
ومن أمثلة ذلك: الحديث الذي رواه عمرو بن عاصم من طريق همام عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه: أنّ رجلا قال للنبيّ صلىّ الله عليه وسلّم إنيّ أصبت حدّا فأقمه عليّ... الحديث.
والحديث أخرجه الشيخان، ولكن قال البرديجي عن هذا الحديث: هذا عندى حديث منكر[419]، فحكم البرديجي على هذا الحديث بأنه منكر، مع أنه حديث متفق عليه، لأنّ المنكر عنده ما تفرّد به الراوي، سـواء كان ثقة أم لا، ولذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " أما إطلاقه كونه منكرا ، فعلي طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرا ، إذا لم يكن له متابع"[420]
6- الحديث الذي تفرّد بروايته الثقة النازل عن درجة الضبط و الإتقان، هذا ما ذهب إليه الإمام أحمد والنسائي و كثير من نقاد الحديث.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: " فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرّد ، لكن حيث لا يكون المتفرّد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده[421]
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: "وقد يسمّى جماعة من الحفاظ الحـديث الذي
...................................................................................
ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرا[422]" مع أنّ مسلما قد أخرج عنهما في صحيحه، فإذا تفرّد مثل هؤلاء بحديث فهو منكر.
ومن أمثله ذلك : الحديث الذي رواه أبو زكير يحيى بن محمد بن قيس المحاربي الضرير المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: كلوا البلح بالتمر فإنّ ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان - رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما[423].
قال النسائي وغيره: هذا منكر[424].
قال الذهبي في الميزان: "هذا حديث منكر"[425]
قال المناوي: اتفقوا على نكارته[426]
ووجه النكارة في هذا الحديث أنّ أبا زكير تفرّد بروايته، وهو ثقة، وحديثه موجود في صحيح مسلم[427] ولكن للمتابعـة، قال ابن عدي: عامة أحاديثه مستقيمة إلا أربعة أحاديث[428]، وقال أبو زرعة: أحاديثه مقاربة[429]، ولكنه نازل عن درجة الإتقان، قال
...................................................................................
العسقلاني رحمه الله: صدوق يخطئ كثيرا[430] فحديثه إذا تفرّد به فهو منكر، ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله: تفرّد به أبو زكير ، وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرّده[431]، ولذا قال ابن حبان رحمه الله: لا يحتج به، وقال العقيلي لا يتابع حديثه، وقال آخرون حسن الحديث[432]
7- الحديث الموضوع المكذوب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم: هذا ما ذهب إليه كثير من علماء الحديث، حيث أطلقوا لفظ المنكر على الحديث الموضوع المكذوب المخترع. مثاله: الحديث الذي رواه الدراقطني عن محمد بن داود القنطري أخبرنا جبرون بن واقد عن سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا[433].
قال ابن عدي في الكامل: هذا حديث منكر[434]، وقال الذهبي في الميزان: وهو موضوع[435]. وجه النكارة أنه تفرّد به جبرون بن واقد، وهو متهم بوضع الحديث، وقال عنه الذهبي و العسقلاني رحمهما الله : إنه متهم[436]. وقال سبط ابن العجمي، فقوله متهم مع قوله موضوع أي متهم بالوضع[437]
وَالْمُعَلَّلُ بِفَتْحِ اللاَّمِ
المعلّل
(والمعلّل بفتح اللام) وتشديدها أي بصيغة اسم مفعول من التعليل.
قال الإمام السيوطي رحمه الله: وهو مفعول علّل وهو لغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله[438]، هذا هو المعنى الأصلي له.
وقال الإمام الزركشي رحمه الله: وأمّا قول المحدّثين علّله فلان بكذا، فهو غير موجود في اللغة، وإنما هو مشهور عندهم بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصبي بالطعام، لكن استعمال المحدّثين له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة [439]
والمعلّل: يسمونه أهل الحديث أيضا بالمعلول.
قال الحافظ العراقي رحمه الله: والتعبير بالمعلول موجود في كلام كثير من أهل الحديث، في كلام الترمذي في جامعه، وفي كلام الدارقطني، وأبي أحمد بن عديّ وأبي عبد الله الحاكم، وأبي يعلى الخليلي، ورواه الحاكم أيضا عن البخاري[440].
ولكن استعمال لفظة المعلول غير موافق لاستعمال اللغة الشائع، وإن كان يستعمله المحدّثون والفقهاء والمتكلمون كثيرا.
ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله: ويسمّيه أهل الحديث المعلول وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذول عند أهل العربيـة واللغـة[441]
...................................................................................
قال الإمام النووي رحمه الله: وهو لحن[442] .
قال السيوطي رحمه الله: " المعلول، كذا وقع في عبارة البخاري والحاكم والدارقطني وغيرهم وهو لحن، لأنّ اسم المفعول من أعلّ الرباعي لا يأتي على مفعول، بل الأجود فيه معلّ بلام واحد، لأنه مفعول أعلّ قياسا[443]
قال الفيروزبادي: أعلّه الله تعالى فهو معلّ وعليل ولا تقل معلول والمتكلمون يقولونها [444].
قال الحافظ العراقي رحمه الله: والأحسن أن يقال معلّ بلام واحدة، لا معلّل، فإنّ الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء، وشغله به من تعليل الصبي بالطعام، وأما بلام واحدة فهو الأكثر في كلام أهل اللغة وفي عبارة أهل الحديث أيضا، لأنّ أكثر عبارات أهل الحديث في الفعل أن يقولوا أعلّه فلان بكذا، وقياسه معلّ[445]
وقال الإمام الزركشي رحمه الله : والصواب أنه يجوز أن يقال علّه فهو معلول من العلة والاعتلال إلا أنه قليل، لأنّ منهم من نصّ على أنه فعل ثلاثي، وهو ابن القويطة في كتاب الأفعال فقال: "علّ الانسان علة مرض" وكذلك قاله قطرب في كتاب فعلت وأفعلت، وقال أحمد صاحب الصحاح : علّ الشيء فهو معلول من العلة[446]
إِسْنَادٌ فِيهِ عِلَلٌ وَأَسْبَابٌ غَامِضَةٌ خَفِيَّةٌ قَادِحَةٌ فِي الصِّحَّةِ يَتَنَبَّهُ لَهَا الْحُذَّاقُ الْمَهَرَةُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ
والمعلّل أو المعلول أو المعلّ هو في اصطلاح المحدثين: حديث له (إسناد) أو متن ( فيه علل) قد فسر المصنف رحمه الله مراد العلل بقوله (وأسباب غامضة خفية) أي دقيقة وغير واضحة، ولا يستطيع أن يطلع عليها إلا المهرة في هذا الفنّ (قادحة في الصحة) أي في صحة الحديث وقبوله والاحتجاج به، فمتى ظهر سبب من تلك الأسباب في إسناد أو متن للحديث فيعتبر ضعيفا معلولا عند المحدّثين.
فالحديث المعلّل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أنّ الظاهر السلامة منها[447]، فمن نظر إلى ظاهر الحديث فإنه يحكم بصحته، لأنّ العلة – كما قال ابن الصلاح رحمه الله – " إنما تطرق إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر"[448]
فمن الذي لا يملك خبرة واسعة في علم الحديث ورجاله لا يستطيع أن يطلع عليها، بل (يتنبه لها الحذاق) جمع حاذق (المهرة) جمع ماهر (من أهل هذا الشأن) وهم أئمة الحديث الذين أعطاهم الله سبحانه وتعالى علما عريضا، وفهما عميقا ، واطلاعا كاملا ووقوفا تاما على طرق الحديث مع كثرتها واختلافها.
ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله: "اعلم أنّ معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها، وإنما يطلع على ذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب"[449].
...................................................................................
قال الحاكم رحمه الله: "إنما يعلّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، والحجة في التعليل عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير"[450]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "وهذا الفنّ أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غامضا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليه المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك"[451]
وقال أيضا: ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهما ثاقبا وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن ، كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب أبي شيبة، وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني[452]
فأمّا من لم يصل إلى هذه المرتبة العظيمة فليس له في الحقيقة أيّ حق لنقد الحديث، فلا يجترئ أبدا على تصحيح الحديث ولا على تضعيفه، بل يمسك عن ذلك، ويعتمد على قول الأئمة ويقبل ذلك، وذلك صونا لهذا الدين، لأنّ هذا العلم دين، ولا يجوز اللعب فيه، فهل أنت خـبير عما وقع لمحمد ناصر الدين الألباني، حيث صحّح عديدا من الأحاديث التى علّلها الأئمة كما علّل كثيرا من الأحاديث التى صححوها،
...................................................................................
ولم ينصف ولم يصب، فوقـع في أخطاء وزلات وشـذوذ وغلطات وأوهام وتناقضات[453].
فيعسر في هذا العصر نقد الحديث، وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه الموقظة: "هذا في زماننا هذا يعسر نقـده على المحدّث، فإنّ أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدخل على الحاكم في تصرفه في المستدرك"[454].
فليس لنا أيّ سبيل لمعرفة صحة الحديث وعلته إلا قبول قول أئمة الحديث السابقين المرجوع إليهم في هذا الفنّ، ولذا قال العسقلاني رحمه الله: فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة بتعليله فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صحّحه[455].
ولذا نرى المحدّثين المتأخرين لا يجترؤون غالبا على الحكم بتصحيح الحديث وتضعيفه من عندهم، فلا يقولون عن حديث لم يصححه القدماء و لم يضعفوه: "هذا حديث صحيح" أو "هذا حديث ضعيف"، بل يقولون فقط: "إسناده صحيح" أو" إسناده ضعيف" لأنّ صحة الإسناد لا يدلّ على صحة الحديث كعكسه، كما هو ظاهر لمن يعرف هذا الفنّ.
كَإِرْسَالٍ فِي الْمَوْصُولِ
والعلل قد تكون في السند وقد تكون في المتن، ولكن وقوعها في السند هو الأغلب، وفيما يلى اذكر لك أمثلة لكلّ من معلّل السـند والمتن حتى تكون أنت خبيرا بذلك.
معلل السند
1 - (كإرسال في الموصول) يعنى أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند ويروى متصلا من وجه ظاهره الصحة، فالحديث يكون بظاهره متصلا صحيحا، ولكن في الحقيقة هو مرسل، وهو لا يفهم من ظاهره، ولكن يفهم ذلك بالنظر في الروايات الأخرى الراجحة.
فالحديث المتصل هوالذي يوصف بالمعلّل، فأمّا المرسل فلا يوصف به، لأنّ من شرط المعلّل أن يكون ظاهره الصحة والسلامة كما تقدم عن ابن الصلاح في تعريف المعلّل، فالمرسل لا يكون ظاهره هكذا، لأنه منقطع، ولذا قال العسقلاني رحمه الله تعقيبا على تعريف المعلّل: "فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو ضعيف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك، وفي هذا ردّ على من زعم أنّ المعلول يشمل كل مردود"[456]
مثاله: حديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنـه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: أرحـم أمتى أبو بكر
وَوَقْفٍ فِي الْمَرْفُوعِ
وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرأها لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، وإنّ لكلّ أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح - رواه أحمد[457].
فهذا الحديث ظاهره صحيح، لأنه في الظاهر متصل، وجميع رواته ثقة، ولكن في الحقيقة ليس هو بمتصل بل هو منقطع مرسل، أرسله أبو قلابة ولم يرفعه ، كما تـدلّ على ذلك الروايات الأخرى الراجحة، فهو معلّل وضعيف عند المحدّثين، ولذا قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: فلو صح بإسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلا[458]
2- (ووقف في المرفوع) يعنى أن يروى الحديث مرفوعا من وجه وموقوقا من وجه آخر، ولكن في الحقيقة ليس بمرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، بل هو موقوف على الصحابي، أو بالعكس، فالحديث معلّل وضعيف عند المحدّثين.
مثاله: الحديث الذي رواه الحاكم أبو عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث بسنده عن يزيد بن سنان الرهاوي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولايعيد الوضوء - هكذا رواه الحاكم مرفوعا[459]، ولكنه معلّل، توجد فيه علة قادحة.
وقال الحاكم أبوعبد الله رحمه الله: لهذا الحديث علة صحيحة[460].
وَنَحْوِ ذَلِكَ
وذلك أنه ليس بمرفوع في الحقيقة، بل هو موقوف على جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقد رواه الآخرون موقوفا عن وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال: سئل جابر عن الرجل يضحك في الصلاة قال يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء[461]
وقال الإمام البيهقي رحمه الله: الصحيح أنه موقوف[462]
3- (و نحو ذلك) من العلل الخفية القادحة، كوقوع تبديل في اسم الراوي في بعض الرواية.
مثاله: الحديث الذي رواه يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: البيعان بالخيار، وكلّ بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار[463].
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: فهذا الإسناد متصل بنقل عدل عن العدل وهو معلّل غير صحيح، والمتن على كلّ حال صحيح، والعلة في قوله عن عمرو بن دينار، إنما هو عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه، فوهم يعلي بن عبيد، وعدل عن عبد الله بن دينار إلى عمرو بن دينار، وكلاهما ثقة[464].
...................................................................................
4- أو اختلاف في سند الحديث بين الإعضال والإيصال، بأن يروي الحديث متصلا من وجه وأن يرويه معضلا بوجه آخر.
مثاله: حديث رواه الحاكم بسنده، عن علي بن الحسين بن واقد ، قال حدثني أبي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما لك أفصحنا، ولم تخرج من بين أظهرنا، قال: كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاء بها جبريل عليه السلام إليّ فحفّظنيها[465].
وهذا الحديث بظاهره متصل صحيح، وسالم عن العلة، ولكنه في الحقيقة معضل، كما هو يعرف من الروايات الأخرى.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: لهذا الحديث علة عجيبة، ثم رواه بسنده عن على بن الحسين بن واقد قد بلغني أنّ عمر بن الخطاب ضي الله عنه قال يا رسول الله أنك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا.... الحديث[466].
5- أو أن يروي الراوي حديثا عن شخص أدركه وسمع منه، ولكن لم يسمع منه ذلك الحديث، فإذا روى عنه ذلك الحديث بلا واسطة فعِلَّته الانقطاع لأنه لم يسمعه منه.
مثاله: الحديث الذي رواه الحاكم بسنده في كتاب معرفة علوم الحديث[467] عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار، أنهم كانوا
...................................................................................
مع رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ذات ليلة فرمي بنجم فاستنار فذكر الحديث بطوله[468]
فهذا الحديث بظاهره متصل صحيح، ولكنه معلّل ، وهو أنّ يونس بن يزيد قد رواه عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار، ولكنه في الحقيقة هو علي بن الحسين عن عبد الله بن عباس عن رجال من الأنصار، كما دلّ على ذلك طريق أخرى محفوظة، فوقع في إسناده انقطاع، وهذه علة غامضة خفية لا ينتبه لها إلا الحذاق المهرة، لأنّ علي بن الحسين تابعي قد رأى رجالا من الأنصار.
وقال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: علة هذا الحديث أنّ يونس على حفظه وجلالة محله قصر به، وإنما هو عن ابن عباس قال حدثني رجال من الأنصار، وهكذا رواه ابن عيينة ويونس من سائر الروايات وشعيب بن أبي حمزة وصالح بن كيسان والأوزاعي وغيرهم عن الزهري وهو مخرج في الصحيح[469]
...................................................................................
6- أ وكأن يروي الراوي حديثا عن شخض لم يسمع منه.
مثاله: ما رواه الترمذي وغيره عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي سالم عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: من جلس في مجلسه فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت، استغرك واتوب إليك إلا غفر له ما كان من مجلسه ذلك[470]
هذا الحديث ظاهره متصل صحيح، ولكنه معلّل بالانقطاع، لأنّ موسى بن عقبة لم يسمع من سهيل بن أبي سالم.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: هذا الحديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة. ثم حكى الحاكم بسنده عن مسلم بن الحجاج أنه جاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبّل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبل رجليك، يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدّثين وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام قال حدثنا مخلد بن يزيد الحراني قال أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم في كفارة المجلس، فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث[471]، إلا أنه معلول، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل[472]
...................................................................................
معلّل المتن
1- مثال المعلل في المتن – كما قال ابن الصلاح رحمه الله: الحديث الذي انفرد مسلم بإخراجه عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمـد لله ربّ العالمين لايذكرون باسـم الله الرحمن الرحيم [473].
فهذا الحديث معلّل.
قال الحافظ العراقي رحمه الله: "وقد أعلّه جماعة من الحفاظ: الشافعي والدارقطني وابن عبدالبر رحمهم الله"[474]
وذلك أنّ قوله "لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم" ليس من قول أنس بن مالك رضي الله عنه، بل هو مدرج، أدرجه أحد رواة الحديث، حيث فسّر الحديث وفقا لمذهبه.
فهذا الإدراج هو علة خفية، لا ينتبه إليه الجميع.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "علّل قوم رواية اللفظ المذكور- أي قوله لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم - لما رأوا الأكثيرن إنما قالوا فيه فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله ربّ العالمين، من غير تعرض لذكر البسملة، وهوالذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيـح، ورأوا أنّ من رواه باللفظ المذكور بالمعنى الذي
...................................................................................
وقع له، ففهم من قوله كانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين أنهم كانوا لا يبسملون فرواه على ما فهم وأخطأ[475].
وحكي الترمذي رحمه الله في جامعه عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: إنما معنى هذا الحديث أنّ النبي صلىّ الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله ربّ العالمين ، معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم[476]
2- ومن المعلّل في المتن حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: توضأ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا، ومسح برأسـه، وقال الأذنان من الرأس - رواه الترمذي[477].
فهذا الحديث معلّل، لأنّ قوله الأذنان من الرأس ليس من قول النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، بل هو مدرج من قول أبي أمامة رضي الله عنه.
فهذه علة خفية لا ينتبه لها إلا الحذاق المهرة في هذا الفنّ.
قال سليمان بن حرب: الأذنان من الرأس إنما هو من قول أبي أمامة رضي الله عنه، فمن قال غير هذا قد أخطا[478].
...................................................................................
وقد صنف الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله كتابا خاصا لبيان ذلك، فقال في تلخيص الحبير: "حديث أبي أمامة، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقد بيّنت أنه مدرج في كتابي ذلك" [479]
وقذ ذكر أبو عبد الله الحاكم رحمه الله في كتابه معرفة علوم الحديث عشرة أجناس من علل الحديث ، ثم قال فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة ليهتدى إليها المتبحر في هذا العلم ، فإنّ معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم[480] .
وقد صنف في علل الحديث عديد من العلماء القدماء كعلي المديني، وابن أبي حاتم، والخلال، والترمذي. وأجمعها كتاب الدارقطني.
قال العلامة ابن كثير رحمه الله: كتاب علل الدارقطني هو من أجـل الكتاب، بل أجلّ ما رأيناه وضع في هذا الفنّ، لم يسـبق إلى مثله، وقـد أعجز من يريـد أن يأتي بعده[481].
وقال السيوطي رحمه الله في التدريب: إنّ الحافظ ابن حجر العسقلاني قد ألف كتابا في العلل وسماه الزهر المطلول في الخبر المعلول[482]، وقال العلامة أحمد شاكر تعقيبا عليه: ولم أراه، ولو وجد لكان في رأيي جديرا بالنشر، لأنّ الحافظ ابن حجر دقيــق
وَقَدْ يَقْتَصِرُ عِبَارَةُ الْمُعَلِّلِ بِكَسْرِ اللاَّمِ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى دَعْوَاهُ
الملاحظة واسع الاطلاع، ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة من الأحاديث المعلولة[483]
والكلام على علل الحديث يوجد مفرقا في بطون كتب كثيرة، من أهمها وأنفعها: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر العسقلاني.
معرفة علل الحديث إلهام
والطريق إلى معرفة علل الحديث وسلامته منها: هو جمع جميع طرق الحديث، والنظر في مختلف رواياته، والمقارنة بين رواته في الحفظ والضبط والإتقان، فيقع في ذهن
الماهر في هذا الفنّ أنّ الحديث معلول أو سالم من العلة، ويغلب ذلك على ظنه، فيحكم بأنّ الحديث معلول أو صحيح، أو يتردد فلا يحكم بل يتوقف فيه
(وقد يقتصر) أي يعجز (عبارة المعلل بكسر اللام) أي بصغيـة اسـم الفاعل، أي الذي يبيّن علل الحديث أي أنّ العالم الذي يعلّل الحديث ربما يكون عاجزا عن التعبير (عن اقامة الحجة على دعواه) فلا يستطيع أن يأتي بدليل على دعواه بأنّ الحـديث معلّل.
ولذا قال عبد الرحمن بن المهدي رحمه الله: معرفة الحديث إلهام ، فلو قلت للعالم يعلّل الحديث من أين قلت هذا، لم يكن له حجة[484].
كَالصَّيْرَفِيِّ فِي نَقْدِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ
وقد روى الحاكم رحمه الله بسنده عن أبي زرعة أنه سأله رجل ما الحجة في تعليلكم الحديث، قال الحجة أن تسألني عن حديث له علة فاذكر علته ثم تقصد ابن وارة يعنى محمد مسلم بن وارة وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنـه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلّله، ثم تميّز كلام كلّ منا على ذلك الحديث فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أنّ كلاّ منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل فاتفقت كلمتهم عليه فقال: اشهد أنّ هذا العلم إلهام[485].
فالمحدّث الذي يعلّل الحـديث (كالصيرفي) وهو الذي يميز بين الجيّد والرديء من النقود أي ناقد الدنانير والدراهيم ( في نقد الدينار والدرهم) أي أنّ المحدّث الذي يعلّل الحديث ربما يكون قاصرا وعاجزا عن إقامة الحجة وبيان السـبب لعلة الحديث، كما أنّ الصيرفي يكون قاصرا عن إقامة الحجة وبيان السب لكون النقد زائفا
هذا هونفس ما قاله عبد الرحمن بن المهدي رحمه الله، وإنه لما قيل له إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال هذا جيّد وهذا بهرج، أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك، بطول المجالسة والمناظرة والخبرة[486]
...................................................................................
بعض العلل ليس بقادح
اعلم أنّ بعض العلل الذي يثبته المحـدّثون ليس بقادح عـند الفقهاء والأصولين.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله في كتاب الاقتراح: "فإنّ كثيرا من العلل التى يعلّل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء"[487]
وقال في شرح الإلمام:" الذي تقتضيه قواعد الأصوليين والفقهاء أنّ العمدة في تصحيح الحديث على عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه، فمتى حصل ذلك وجاز أن لا يكون غلطا، وأمكن الجمع بين روايتيه، ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه، وأمّا أهل الحديث فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته، كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحـفظ منه، أو قيام قرينة تؤثر في أنفسم غلبة الظن بغلطه، ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع الأحاديث، ولهذا اقول: إنّ من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو واقف ورافع، أوناقص وزائد، أنّ الحكم للزائد، فلم نجد هذا في الإطلاق فإنّ ذلك ليس قانونا مطردا"[488].
وقال أبو الحسن ابن الحصار الأندلسي في تقريب المدارك على مؤطا مالك: "إنّ للمحدثين أغراضا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغـوا في الاحتياط، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفا أومرسـلا،
...................................................................................
وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفة من هو أعدل منه وأحفظ، قال: وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو آية من كتاب الله تعالى، فيحمله ذلك على قبول الحديث والعمل به والاعتقاد بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة"[489]
وقد اتضح لنا مما ذكرناه أنّ عدّة علل يثبتها المحدثون ليست بقادحة عند الفقهاء والأصوليين، ومنها:
1- إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه غيره ممن سمع من ذلك الشيخ، فالحديث معلّل ومردود عند المحدثين، ولكن الفقهاء والأصوليين يقبلونه بناء على القاعدة الأصولية: "المثبِت مقدّم على النافي" لأنّ المثبِت عنده زيادة علم.
2- إذا روى العدل الضابط عن تابعي- مثلا- عن صحابي حديثا، فيرويه عدل ضابط غيره مساو له في عدالته وضبطه وغير ذلك من الصفات العلية عن ذلك التابعي بعينه عن صحابي آخر، فإنّ مثل هذا علة عند المحدثين لوجود الاختلاف على ذلك التابعي في شيخه، ولكنها غير قادحة لجواز أن يكون التابعي سمعه من الصحابيين معا[490]
فالمحدثون يعلّلون الحديث، ولكن الفقهاء والأصوليون يقبلونه حيث يجوّزون أن يكون التابعي سمعها منهما جميعا.
3- إذا اختلف الحديث بين الرفع والوقف، فبعضهم رواه موقوفا وبعضهم مرفوعا، وقد تقدم مثاله، فالحديث مضطرب ومعلول وضعيف عند المحدثين، ولكن الفقهاء والأصوليون يقبلون المرفوع منهما يحتجون به، فهو عندهم كزيادة في المتن.
...................................................................................
4- إذا اختلف بين الوصل والانقطاع وقد تقدم مثاله، فالحديث أيضا معلول عند المحدثين، ولكن الفقهاء والأصوليون يقبلون الوصل ويحتجون بالحديث فهو أيضا عندهم كزيادة في متن الحديث.
5- إذا وقع تبديل في الراوي مكان راو آخر، وقد تقدم مثاله، فإن كان كلّ منهما ثقة فالحديث معلّل مضطرب عند المحدّثين، ولكن الحديث مقبول عند الفقهاء والأصوليين.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: " فإن كانا ثقتين، فههنا مقتضى مذاهب الفقهاء والأصوليين أن لا يضرّ هذا الخلاف، لأنه إن كان الحديث عن هذا المعيّن فهو عدل، وإن كان عن الآخر فهو عدل، فكيفما انقلبنا انقلبنا إلى عدل فلا يضرّ هذا الاختلاف"[491]
6- إذا اختلفت رواية المتن بين الإثبات والنفي كما في حديث روته فاطمة بنت قيس عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: إنّ في المال حقا سوى الزكاة - رواه الترمذي،[492] وفي رواية عنها ليس في المال حق سوى الزكاة -رواه ابن ماجة[493].
فاضطرب هذا الحديث بين الإثبات والنفي، كما تقدم، فالحديث معلول غير مقبول عند المحدّثين، ولكن الفقهاء يأخذون المثبِت ويرفضون النافي، لأنّ من القواعد الأصولية "المثبِت مقدّم على النافي".
...................................................................................
7- إذا اختلفت الرواية بين الأمر والنهي، فالحديث أيضا معلول عند المحدّثين، ولكن الفقهاء والأصوليون يقبلون منهما النهي ويرفضون الأمر، لأنّ النهي لدفع المفسدة والأمر لجلب المنفعة، ومن القواعد الأصولية: "دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة".
قال الإمام الآمدي رحمه الله: "إنّ الغالب من النهي طلب دفع المفسدة ومن الأمر طلب تحصيل المصلحة، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح"[494]
هكذا، إنّ الفقهاء والأصوليين لا يتركون كثيرا من الأحاديث المعلّلة المضطربة، بل يحاولون بقدر الإمكان للجمع والتوفيق بينها، لأنّ من القواعد الأصولية: " انّ العمل بالمتعارضين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما"[495].
وإن تعذر الجمع والتوفيق بينها فقط يذهبون إلى ترجيح إحدى الروايات منها، لأنّ من القواعد الأصولية أيضا " انّ العمل بأحدهما أولى من الغاءهما جميعا"
ولهم أوجه كثيرة للترجيح عند التعارض، وقد أطال الإمام الآمدي رحمه الله مبحث الترجيحات في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، فراجعه[496]
وَإِذَا رَوَى رَاوٍ حَدِيثًا وَرَوَى رَاوٍ آخَرُ حَدِيثًَا مُوَافِقًا لَهُ يُسَمَّى هَذَا الْحَدِيثُ مُتَابِعًا بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاِعِلِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا يَقُولُ الْمُحَدِّثُونَ تَابَعَهُ فُلاَنٌ، وَكَثِيرًامَّا يَقُولُ الْبُخَاِريُّ فِي صَحِيحِهِ.
المتابع
(إذا روى راو حديثا وروى راو آخر حديثا موافقا له) لفظا ومعنى أومعنى فقط ( يسمّى هذا الحديث) أي الحديث الثاني الذي وافق الأوّل (متابعا) بكسر الباء (بصغية اسم الفاعل) ويسمّى للحديث الأول متابعا بفتح الباء بصيغة اسم المفعول، ويسمّى لهذه الموافقة متابعة، بصيعة المصدر.
(وهذا معنى ما يقول المحدّثون) أي هذا المعنى الاصطلاحي للمتابعة هوالمراد بقولهم (تابعه فلان) بعد رواية حديث ما، أي تابع لراوي هذا الحديث راو آخر في روايته، حيث روى الآخر أيضا حديثا موافقا لهذا الحديث.
(وكثيرا ما) للتكثير ( يقول) الإمام (البخاري) هكذا ( في صحيحه ) مثاله قوله : "حدثنا آدم قال حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب قال سمعت أنسا رضي الله عنه يقول : كان النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إنّي أغوذ بك من الخبث والخبائث، وتابعه ابن عرعرة عن شعبة"[497]، يعنى كما روى آدم هذا الحديث عن شعبة قد رواه أيضا ابن عرعرة عن شعبة، فحديث ابن عرعرة هو موافق لحديث رواه آدم، وكلاهما رويا عن شعبة.
وقد يكون المتابعة من اثنين نحو حديث البخاري رحمه الله قال: حدثنا محمد بن بشارحدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة سمع أنس بن مالك
وَيَقُولُونَ وَلَهُ مُتَابِعَاتٌ
يقول: كان رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يدخل الخلاء، فاحمل أنا إداوة من ماء وعنـزة، تابعه نضر وشاذان عن شعبة[498]
وقد يكون المتابعة من أكثر من اثنين، كحديث البخاري رحمه الله قال:
حدثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: إنّي لأقوم في الصلاة أريد أن اطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمّه، تابعه بشر بن بكر وابن المبارك وبقية عن الأوزاعي[499]
حدثنا عبد الله بن منذر سمع وهب بن جرير وعبد الملك بن إبراهيم قالا حدثنا شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور، تابعه غندر وأبو عامر وبهز وعبد الصمد عن شعبة[500]
(و) اذا كانت المتابعة من أكثر من اثنين فالمحدّثون (يقولون: وله) أي للحديث (متابعات)
وإن لم يوجد للحديث متابعة أصلا فيقول المحدّثون هذا حديث تفرّد به فلان.
وَالمُتَابَعَةُ يُوجِبُ التَّقْوِيَّةَ وَالتَّأِْييدَ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اْلمُتَابِعُ مُسَاوِيًا فِي الْمَرْتَبَةِ لِلْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ يَصْلَحُ ِللْمُتَابَعَةِ
تقوية الحديث بالمتابعة
(والمتابعة يوجب التقوية) للحديث (والتأييد) له عطف تفسير، أي يقوّي الحديث ويؤيّده، فالمتابعة سبب لحصول قوة للحديث، فالحديث الصحيح يرتقى بالمتابعة إلى درجة الأصح، والحديث الحسن يرتقى بها إلى درجة الصحيح، والحديث الضعيف ربّما ينجبر بها ضعفه فيرتقي إلى درجة الحسن.
(ولا يلزم) أي لا يجب في أن يكون الحديث صالحا للمتابعـة (أن يكون المتابع) بكسر الباء بصيغـة اسم الفاعل، أي الشخص الذي تابع (مساويا في المرتبة) أي في مرتبة التعديل، (للأصل) أي المتابع – بفتح الباء، بصيغة اسم المفعول- (وإن كان دونه) في المرتبة أيضا (يصلح للمتابعة) أي لا يجب أن يكون كلّ من المتابعين مساويا في مرتبة التعديل، بل يجوز أن يكون أحدهما أدنى من الآخر، بأن يكون أحدهما أوثق أو أضبط من الآخر، أو أن يكون أحدهما ثقـة والآخر ضعيفا، لأنّ الضعيف أيضا يصلح للمتابعة.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتاب البخاري ومسلم جماعات من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد"[501]
ولكن بشرط أن لا يكون ضعيفا جدا، لأنه ليس كلّ ضعيف يصلح للمتابعة، فمنهم من يصلح لذلك ومنهم من لا يصلح.
وَاْلمَُتَابَعَةُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الرَّاويِ وَقَدْ يَكُونُ فِي شَيْخٍ فَوْقَهُ، وَاْلأَوَّلُ أََتَمُّ وَأَكْمَلُ مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّ الْوَهْنَ فِي أَوَّلِ اْلإِسْنَاد ِأََكْثَرُ وَ أَغْلَبُ
قال الإمام النووي رحمه الله:" اعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء، ولا يصلح لذلك كلّ ضعيف"[502]
وقد يصرّح المحدّثون عند الجرح والتعديل من يصلح للمتابعة ومن لا يصلح لذلك، فيقولون: فلان يتابع حـديثه أولا يتابع، ويصلح للمتابعـة أو لايصلح، وفلان لا يحتج به.
المتابعة التامة والناقصة
والمتابعة قد تكون تامة وقد تكون ناقصة، وإلى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله (والمتابعة قد يكون في نفس الراوي) الذي بدأ منه الإسناد (وقد يكون في شيخ فوقه) أو في أيّ شيخ فوق شيخه (والأوّل أتم وأكمل من الثاني) والثالث (لأنّ الوهن) أي الضعف (في أول الإسناد أكثر وأغلب) وقوعا بالنسبة إلى وسطه وآخره، فإذا وقعت المتابعة من أوّل السند فتحصل للحديث قوة أكثر من وقوعها في وسط السند أو في آخره
وإذا روى راو حديثا عن شيخه فتابعه غيره عن نفس الشيخ، فكلاهما رويا ذلك الحديث بعينه عن شيخ واحد بنفس الإسناد، فهي متابعة تامـة، وإلا فهي متابعـة ناقصة.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "والمتابعة على مراتب إن حصلت للراوي نفسه فهي التامة، وإن حصلت لشيخه فمن فوقه فهي القاصرة"[503]
...................................................................................
وقال العلامة العيني رحمه الله: "إذا كان أحد الراويين رفيقا للآخر من أول الإسناد إلى آخره تسمّى بالمتابعة التامة، وإذا كان رفيقا له لا من الأوّل يسمىّ بالمتابعة الناقصة. وقال: والفرق بين المتابعتين: أنّ المتابعة الأولى أقوى، لأنها متابعة تامة، والمتابعة الثانية أدنى من الأولى، لأنها متابعة ناقصة"[504]
فمثال المتابعة التامة: هو ما رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين[505].
فهذا الحديث رواه الإمام الشافعي عن شيخه مالك، وقد تابعه فيه عبد الله بن مسلمة القعنبي عن نفس الشيخ مالك رضي الله عنه، وذلك فيما رواه البخاري فقال حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء[506].
فكلّ من الإمام الشافعي وعبد الله بن مسلمة القعنبي قد رويا هذا الحديث عن الإمام مالك بنفس الإسناد والمتن.
وقال العسقلاني رحمه الله: "فهذه متباعة تامة لرواية الشافعي رضي الله عنه"[507]
وَالْمُتَابِعُ إِِنْ ­­­وَافَقَ اْلأَصْلَ فِي الَّلفْظِ وَالْمَعْنَى يُقَالُ مِثْلهُ
ومثال المتابعة الناقصة ما أخرجه ابن خزيمة رحمه الله بسنده من طريق عاصم بن محمد العمري عن أبيه عن عمر رضي الله عنهما، بلفظ وإن غمّ عليكم فأكملوا ثلاثين[508]
وهذا الحديث الذي رواه ابن خزيمة رحمه الله متنه موافق لما رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه، ولكن لم يتابع ابن خزيمة للشافعي في إسناده عن مالك، ولكن أتى بإسناد أخر يصل إلى ابن عمر رضي الله عنهما، ثم أتى بمتن الحديث، وقال العسقلاني رحمه الله: "فهذه متابعة أيضا لكنها ناقصة"[509].
الفرق بين المثل والنحو
والمثل والنحو يستعمل في اللغة بمعنى واحد، يقال هذا نحو ذلك أي مثله.
ولكن في اصطلاح المحدّثين هناك فرق بينهما، وإلى ذلك أشار المصنف رحمه الله بقوله (و) الحديث (المتابع ) بكسر الباء بصيغـة اسم الفاعل (إن وافق الأصل) أي الحديث المتابع بفتح الباء بصيغة اسم المفعول، يعنى إذا وافق كلّ منهما (في اللفظ والمعنى) معا (يقال) تابعه فلان بمثله، أو أخبر فلان (مثله) أو روى فلان مثله، أوحدّث فلان مثله، أو مثل ذلك.
مثاله قول الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم عن هشام عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، تابعه عمرو بن مرزوق عن شعبة
وَإِنْ وَافَقَ فِي الْمَعْنَي دُونَ الَّلفْظِ يُقَالُ نَحْوهُ وَيُشْتَرَطُ فِي اْلمُتَابَعَةِ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثَانِ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَا مِنْ صَحَابِيَّيْنِ يُقَالُ لَهُ شَاهِدٌ
مثله، وقال موسى: حدثنا أبان حدثنا قتادة أخبرنا الحسن مثله[510]
(وإن وافق في المعنى) فقط (دون اللفظ) أي اختلفا في اللفظ مع اتفاقهما في المعنى (يقال) تابع فلان بنحوه، أو حدّث فلان (نحوه) أو روى فلان نحوه أو أخبر فلان نحوه، أو نحو ذلك.
مثاله قول الإمام البخاري رحمه الله: حـدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عـبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت
رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فافتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا، قال الفربرى حدثنا عباس قال حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن هشام نحوه[511]
الشاهد
(ويشترط في المتابعة أن يكون الحديثان) المتفقان لفظا أو معنى (من صحابي واحد) أي يشترط في تسمية المتابعة أن يروي كلّ واحد منهما بسند ينتهي إلى صحابي واحد،( فإن كانا من صحابيين) كأن يروي واحد عن أبي هريرة رضي الله عنه وآخر عن ابن عمر رضي الله عنهما، فلا يقال عن الحديث الموافق متابع بل (يقال له) أي عنه (شاهد). فالشاهد هوالحديث الذي رواه صحابي موافقا لما رواه صحابي آخر.
كَماَ يُقَالُ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
قال العسقلاني رحمه الله: وإن وجد متن يروى من حديث صحابي آخر يشبهه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط فهو الشاهد[512].
مثاله الحديث السابق الذي رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين[513]
فهذا الحديث كما يوجد له متابع كما سبق، يوجد له الشاهد أيضا، فالشاهد له ما رواه النسائي من رواية محمد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر سواء، فهذا هو الشاهد له باللفظ.
وأما الشاهد له بالمعنى فهو ما رواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ وإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين[514] .
وعند وجود الشاهد يعبّر عنه المحدثون عند نقد الحديث بألفاظ تدل عليه،(كما يقال) أي يقول المحدّثون عند وجود شاهد واحد (له) أي لهذا الحديث (شاهد من حديث أبي هريرة) رضي الله عنه مثلا.
مثاله قول أبي عبد الله الحاكم رحمه الله ، بعد حديث رواه بسنده عن سمـرة بن الجندب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل عبـده قتلناه،
وَيُقَالُ َلَهُ شَوَاهِدُ وَيَشْهَدُ بِهِ حَدِيثُ فُلاَنٍ
ومن جذع عبده جذعناه، هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث أبي هريرة[515]
ويقال عند وجود شاهدين :" له شاهدان"
ومثاله قول الحاكم رحمه الله بعد رواية حديث بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال في بول الرضيع: ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية، هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وله شاهدان صحيحان[516]
(ويقال) عند وجود أكثر من شاهدين: (له) أي لهذا الحديث (شواهد)
مثاله: قول الحاكم رحمه الله بعد حديث رواه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: لا ينبغي لمسلم أن يكون لعانا، ولهذا الحديث شواهد بألفاظ مختلفة، عن أبي هريرة وأبي الدرداء وسمرة بن الجندب يصح بمثلها الحديث بشرط الشيخين[517]
ويقال أيضا عند وجود الشاهد (ويشهد به) أو له (حديث فلان)
مثاله قول ابن العربي في تعقيب حديث رواه سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يُلَبِّي إلا لَبَّى عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا- رواه الترمذي[518] وابن ماجة[519].
وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّونَ الْمُتَابَعَةََ بِالْمُوَافَقَةِ فِي الَّلفْظِ والشَّاهِدَ فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ أَوْ صَحَابِيَّيْنِ. وَقَدْ يُطْلَقُ الشَّاهِدُ وَالْمُتَابِعُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
هذا حديث وإن لم يكن صحيح السند فإنه ممكن يشهد له الحديث الصحيح في المؤذن[520].
وإن لم يوجد للحديث شاهد، فيقول المحدّثون هذا حديث تفرّد به أبو هريرة، أو ابن عباس، أو ابن عمر رضي الله عنهم هكذا.
وهذا ما أسلفناه من الفرق بين المتابع والشاهد هو الاستعمال الشائع المشهور عند جمهور المحدّثين، وعليه استقر اصطلاح المتأخرين.
(وبعضهم ) من المحدّثين (يخصون المتابعة) أي يجعلون استعمال لفظ المتابعة خاصة (بالموافقة في اللفظ) والمعنى معا، ويجعلون استعمال الشاهد خاصة بالموافقة (في المعنى) فقط دون اللفظ، (سواء كان من صحابي واحد أو من صحابيين)
وهذا ما ذهب إليه ابن الصلاح رحمه ا لله في مقدمته فقال: المتابعة أن يروى ذلك الحديث بعينه ... فإن لم يرو ذلك الحديث أصلا من وجه من الوجوه المذكورة لكن روى حديثا آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة[521]
(وقد يطلق الشاهد والمتابع بمعنى واحد) بدون فرق بينهما، فهما متساويان، فيطلق كلّ منهما على حديث موافق لحديث آخر لفظا أو معنى، سواء كان من صحابي واحد أو من صحابيين.
قال الإمام النووي رحمه الله: " وأما الشاهد فأن يروى حديث آخر بمعناه، وتسمى المتابعة شاهدا ولا يسمى الشاهد متابعة"[522]
وَالأمْرُ فِي ذَلِكَ بَيِّنٌ. وَتَتَبُّعُ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَأَسَانِيدِهَا لِقَصْدِ مَعْرِفَةِ الْمُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ يُسَمَّى الْاِعْتِبَارَ.
(والأمر في ذلك) أي استعمال الألفاظ وفقا للاصطلاحات المختلفة (بيّن) أي ظاهر، إذ لا مشاحة في الاصطلاحات.
الاعتبار
(وتتبّع) أي استقراء واختبار (طرق الحديث وأسانيدها) من كتب الحديث أو من حفظ المحدّث، قوله "وأسانيدها" أي أسانيد طرق الحديث، فالضمير راجع إلى الطرق، ولكن كان من حق التعبير أن يأتي بضمير المذكر، حتى يرجع الضمير إلى لفظ الحديث، عطف تفسير لطرق الحديث، إذ كلاهما بمعنى واحد، وقد تقدّم عن المصنف رحمه الله نفسه في تعريف السند أنه قال: "السند طريق الحديث" ( لقصد معرفة المتابع والشاهد) أي حتى يعرف هل يوجد لهذا الحديث متابع أو شاهد؟ وهل شذ وتفرّد هذا الحديث أم لا؟ (يسمّى) لهذا التتبّع في اصطلاح المحدثين (الاعتبار).
وأجاد الحافظ العراقي رحمه الله في تعريف الاعتبار حيث أنشد في ألفيته:
اَلْاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ هَلْ شَارَكَ فيِهِ غَيْرُه فيِمَا حَمَلْ
قال السيوطي رحمه الله في التدريب: "الاعتبار أن يأتي إلى حديث لبعض الرواة، فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث، ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث راو غيره فرواه عن شيخه أولا؟ فان لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة، فإن لم يكن فينظر هل أتى بمعناه حديث آخر؟ وهو الشاهد، فإن لم يكن فالحديث فرد"[523]
...................................................................................
مثاله الحديث السابق الذي رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين[524].
فتتبعنا ونظرنا في إسناد هذا الحديث هل تابع أحد للإمام الشافعي رضي الله عنه في رواية هذا الحديث عن مالك، وراجعنا في كتب الحديث فوجدنا له في صحيح البخاري متابعا، حيث تابعه فيه عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، فعلمنا أنّ هذا الحديث لم يتفرّد به الإمام الشافعي عن مالك بل له متابع، فهذه متابعة تامة.
وأيضا نظرنا فيه فوجدنا له أيضا متابعات ناقصة ومنها:
1- ما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فذكر الحديث، و لفظه فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين[525]
2- ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد العمري عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعا بلفظ فإن غمّ عليكم فأكملوا ثلاثين[526].
...................................................................................
3- ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن طريق ابن شهاب عن سالم عن ابن عمررضي الله عنهما عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم: ولفظه إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له[527].
ثم نظرنا وتتبعنا في إسناد هذا الحديث من جديد، فهل يوجد له شاهد، وراجعنا أيضا كتب الحديث فوجدنا له شواهد، ومنها:
1- ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم: صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين[528]
2- ما رواه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا الهلال لرأيته وأفطروا لرأيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين[529]
3- ما رواه أحمد وغيره عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما[530] .
فعلمنا من هذا التتبّع والاعتبار أنّ الحديث المذكور الذي رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه توجد له شواهد ومتابعات تعطيه زيادة في الصحة والقوة، فهو حديث في غاية الصحة.
...................................................................................
ما يصلح للاعبتار وما لا يصلح
الأحاديث كلها لا تصلح للاعتبار، فمنها ما يصلح له ومنها ما لا يصلح، كما أسلفنا في مبحث المتابعة: أنّ بعض الضعفاء يصلح للمتابعة والاستشهاد وإن لم يصلح كلهم لذلك.
ولذا يقول الدارقطني وابن حبان وغيرهما عند التكلم عن الضعفاء: فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به.
(فصل) في أصل أقسام الحديث
فَصْلٌ : وَأَصْلُ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ ثَلاَثَةٌ، صَحِيحٌ وَحَسَنٌ وَضَعِيفٌ، فَالصَّحِيحُ أَعْلَي مَرْتَبَة، وَالضَّعِيفُ أَدْنَى، وَالْحَسَنُ مُتَوَسِّطٌََََ
(وأصل أقسام الحديث ثلاثة) يعنى أنّ جميع أقسام الحديث السابقة من مرفوع وموقوف ومتصل ومنقطع وما إلى ذلك كلها يرجع إلى ثلاثة أصول وهي:
1- ( صحيح)
2- (وحسن)
3- (وضعيف)
وكلّ واحد من هذه الثلاثة يختلف عن الآخر في مرتبة القبول والرد.
(فالصحيح أعلى مرتبة) في القبول، فهو مقبول لدي الجميع بلا خلاف، ويثبت به جميع الأحكام الشرعية. والصحيح أيضا على مراتب، وسيأتي بيانها.
(والضعيف أدنى) مرتبة، وهو مردود، لا يقبل، ولا تثبت به الأحكام الشرعية إلا إذا انجبر ضعفه بكثرة الطرق، ولكنه يقبل في فضائل الأعمال، إذا لم يكن شديد الضعف، كما سياتي بيانه .
(والحسن متوسط) في المرتبة، فهو كالصحيح في القبول والاحتجاج به في إثبات الأحكام الشرعية، وإن كان دونه، وسيأتي أيضا بيانه.
وَسَائِرُ اْلأَقْسَامِ الَّتِي ذُكِرَتْ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الثَّلاَثَةِ، فَالصَّحِيحُ
(وسائر) أي جميع (الأقسام) أي أقسام الحديث (التى ذكرت) من مرفوع وموقوف ومرسل ومعلّل ومعلّق وما إلى ذلك من أقسام الحديث كلّها (داخلة في هذه الثلاثة) فهي منحصرة فيها ولا يخرج عنها.
فكلّ واحد من المرفوع والموقوف والمتصل قد يكون صحيحا وقد يكون ضعيفا وقد يكون حسنا، والمرسل والمعلّق والمعضل وغير ذلك مما له انقطاع في سنده لا يكون إلا ضعيفا، والمعلّل والشاذ أيضا ضعيف كما تقدم .
الصحيح
(فالصحيح) وهو فعيل – بمعنى فاعل- من الصحة، ومعناه في اللغة: البريء من كل عيب ونقص[531]، وخلاف السقيم[532].
قال ابن فارس: الصاد والحاء أصـل يدل على البراءة من المرض والعيب وعلى الاستواء.[533]
قال الإمام السيوطي رحمه الله: "وهو حقيقة في الأجسام واستعماله هنا مجاز واستعارة تبعية"[534]
مَا يَثْبُتُ بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ وَلاَ شَاذٍّ
وهو في اصطلاح المحدّثين (ما) أي الحديث الذي (يثبت) أي يثبت إسناده بكونه متصلا غير منقطع (بنقل) أي براوية شخص (عدل) أي ذي عدالة وثقة (تام الضبط) أي الحفظ وسيأتي بيانه، (غير معلّل ولا شاذ) وقد سبق بيانهما، حال من ما، أي حال كونه غير معلّل ولا شاذ ، فإن كان معلّلا أوشاذا فالحديث ضعيف.
وقد تقدّم أنّ بعض المعلّل لا يعتبر ضعيفا عند الفقهاء، وكذلك أنّ بعض الشاذ وفقا لتعريف بعض المحدّثين لا يعتبر أيضا ضعيفا، ولذلك قال بعضهم: "من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو شاذ"[535]
وقد احترز المصنف رحمه الله بذكر هذه الصفات عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ وما فيه علة قادحة، فكلها ضعيف.
والصحيح الذي عرّفه المصنف رحمه الله فلا خلاف في صحته وقبوله بين أهل الحديث.
وقد يختلف المحدّثون في صحة بعض الأحاديث، فبعضهم يحكمون بصحته وبعضهم يحكمون بضعفه، وذلك لاختلافهم في اشتراط بعض الصفات أو لاختلافهم في وجود هذه الصفات فيه، وكم من رواة اختلف المحدّثون في توثيقهم وتضعيفهم اختلافا كثيرا، كمحمد ابن إسحاق بن اليسار، فقال عنه الإمام مالك رحمه الله دجال من الدجاجلة، وقال عنه شعبة: أمير المؤمنين في الحديث[536]
وقد يتفق المحدّثون على توفر هذه الصفات في رواة الحديث فيتفقون في صحة إسناده.
...................................................................................
مراتب الصحيح
الصفات المعتبرة في الصحة يختلف توفرها في الرواة، وباختلافه تختلف مراتب الصحيح:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة: "تتفاوت رتبة الصحيح بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة، فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظنّ الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن تكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية. وإذا كانت كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التى توجب الترجيح كان أصح مما دونه"[537]
فإذا وجدت تلك الصفات في جميع رواة حديث على زيادة من الكمال والتمام أي وجدت على أكمل وجه وأتمه فالحديث هو الأصح.
مثاله: ما رواه أحمد في مسنده قال حدثنا محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: لايبع بعضكم علي بيع بعض، ونهي عن النجش، ونهي عن بيع حبل الحبلة، ونهي عن المزابنة[538].
فإذا نظرنا في رواة هذا الحديث نجد في كلّ واحد منهم الضبط والعدالة على أكمل وجه وأتمه، لأنّ جميعهم من أئمة هذه الأمة، فهذا الحديث من أصح الأحاديث، وإن لم توجد هكذا فيكون أدنى منه مرتبة.
...................................................................................
ولذا يختلف مراتب الحديث كالآتي:
1 - ما وجدت فيه الصفات المذكورة على أكمل وجه وأتمه.
2- ما وجدت فيه الصفات المذكورة على وجه الكمال و التمام.
3- ما وجد فيه أصول هذه الصفات بدون زيادة ولا نقصان.
فالأوّل أعلى مرتبة من الثاني، والثاني أعلى من الثالث، والثالث آخر مراتب الصحيح فهو أدنى منهما.
وقد بيّن العسقلاني رحمه الله في شرح النخبـة مثالا لكل من هذه المراتب الثلاثة فقال:
"فمن الرتبة العليا في ذلك: ما أطلق عليه بعض الأئمة أنه أصح الأسانيد كالزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه، وكمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن عليّ رضي الله عنه، وكإبراهيم النخعى عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ودونها في المرتبة: كرواية بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده عن أبي موسى رضي الله عنه، وكحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه.
ودونها في الرتبة: كسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال: فإنّ الجميع من المذكورين يشملهم اسم العدالة والضبط إلا أن في الرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها ، وفي التي تليها من قوة الضبط ما يقتضى تقديمها على الثالثة"[539]
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ عَلَي وَجْهِ الْكَمَالِ وَالتََّمَامِ
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه الموقظة مبيّنا لمراتب الصحيح:
"فأعلى مراتب المجمع عليه: مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. أو منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه، أو الزهري عن سالم عن أبيه . أو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ثم بعده: معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه، أو ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، أو ابن جريج عن عطاء.
ثم بعده في المرتبة: الليث وزهير عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، أو سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه[540]
وسيأتي التفاصيل في مبحث أصح الأسانيد.
صحيح لذاته
(فإن كانت) أي وجدت (هذه الصفات) أي العدالة والضبط وغيرهما، في رواة حديث (على وجه الكمال) أي بدون قصور ولا نقصان (والتمام) عطف تفسير إذا قلنا بعدم الفرق بين الكمال والتمام. وقيل بالفرق بينهما، وهو أنّ الكمال فيه زيادة على التمام، فإن قلنا بالفرق بينهما فالواو إما بمعنى "أو" أي إذا وجدت تلك الصفات على وجه الكمال أو لم توجد بوجه الكمال بل وجدت بوجه التمام، أو الواو للتنويع، أى أنّ هذه الصفات توجد على نوعين: الأوّل على وجه الكمال والثاني على وجه التمام، لأنّ التنويع والتقسيم أيضا من معاني الواو، كما يقال الكلمة اسم وفعل وحـرف أي وهي
فَهُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ قُصُورٍ وَوُجِدَ مَا يَجْبُرُ ذَلِكَ الْقُصُورَ مِنْ كَثْرَةِ الطُّرُقِ فَهُوَ الصَحِيحُ لِغَيْرِهِ
على هذه الأنواع الثلاثة[541]، ولكن لا فرق بينهما في اللغة، قال الفيروزابادي: الكمال التمام[542]، (فهو) أي ذلك الحديث (الصحيح لذاته)
مثال الصحيح لذاته : ما رواه الإمام البخاري رحمه الله قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد أخبرنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن أبي كبشـة عن عبد الله بن عمر و رضي الله عنهما أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: بلّغوا عني ولو آيـة، حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعـده من النار- رواه البخاري[543].
فكلّ من رواة هذا الحديث يوجد فيه الضبط والعدالة على كمال الوجه والتمام، فهذا الحديث صحيح لذاته.
صحيح لغيره
(وإن كان) أي وجد (فيه) في أيّ راو من رواة حديث (نوع قصور) أي نقصان يسير في الضبط (ووجد ما) موصولة ( يجبر) الضمير المستـتر فيه راجع إلى ما (ذلك القصور) أي النقصان (من) بيان لما (كثرة الطرق) من المتابعة والشواهـد )فهو الصحيح لغيره(.
..................................................................................
قال ابن الصلاح رحمه الله: "إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة أهل الحفظ والإتقان، غير أنه من المشهورين بالصدق والسنة وروي مع ذلك حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقى حديثه من الحسن إلى الصحيح"[544]
فالحديث الحسن إذا حصلت له قوة بمجيئه بطرق كثيرة يرتقي إلى مرتبة الصحيح، فيقال عنه هذا صحيح لغيره.
مثاله – كما قال ابن الصلاح- حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: لولا أن أشق على أمتى أمرتهم بالسواك عند كل صلاة[545].
قال ابن الصلاح رحمه الله: فمحمد بن عمرو من المشهورين بالصدق والصيانة، لكن لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعّفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهـم
لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أخر، زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه ، فانجبر به ذلك النقص اليسير، فصح هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح[546]
فالحديث الحسن الذي انجبر ضعفه فهو داخل في قسم الصحيح، وهذا النوع من الصحيـح يوجد كثيرا في الصحيحين، ومن ذلك ما أخرجـه البخاري عن طريق أبيّ بن
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَهُوَ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ
العباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: كان للنبيّ صلىّ الله عليه وسلّم في حائطنا فرس يقال له اللحيف[547].
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "وأبيّ هذا قد ضعّفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحي بن معين والنسائي، ولكن تابعـه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس – أخرجه ابن ماجة من طريقه، وعبد المهيمن أيضا فيه ضعف، فاعتضد، وانضاف إلى ذلك أنه ليس من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعية حكم البخاري بصحته"[548]
الحسن
(وإن) وجد في أيّ حديث نوع قصور في الصفات المعتبرة في الصحة، و(لم يوجد) ما يجبر ذلك القصور من كثرة الطرق (فهو الحسن لذاته) أي بدون انضمام شيء من الخارج كالشواهد والمتابعات.
ولكن القصور المعتبرة في الحسن هي القصور في الضبط فقط كما يأتي بيانه، فهذا التعريف الذي ذكره المصنف رحمه الله يكون موافقا لما ذكره العسقلاني وابن الصلاح رحمهما الله:
وقال العسقلاني رحمه الله: "وإن خفّ الضبط مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فهو الحسن لذاته"[549]
..................................................................................
وقال ابن الصلاح رحمه الله: "القسم الثاني – يعنى الحسن لذاته- أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعدّ تفرّده منكرا"[550]
وهذا هو الشائع المشهور في تعريف الحسن عند المحدّثين، وعليه استقر اصطلاح المتأخرين، ولكن قد تردّد بعض القدماء في تعريفه:
وقال الخطابي رحمه الله :" الحسن: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله"
وهذا التعريف ينطبق على الصحيح والضعيف أيضا، إذ يوجد في كلّ منهما ما اشتهر رجاله وعرف مخرجه.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: تعقيبا على تعريف الخطابي: "وهذه عبارة ليس فيها كبير تلخيص، ولا هي أيضا على صناعة الحدود والتعريفات، فإنّ الصحيح أيضا قد عرف مخرجه واشتهر رجاله، فيدخل في حد الحسن، وكأنه يريد بهذا الكلام ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ما لم يبلغ درجة الصحيح[551].
وقال الترمذي رحمه الله: "كلّ حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حسن"[552]
وهذا التعريف أيضا ينطبق على الضعيف الذي ليس في إسناده متهم بالكذب، لكن إذا جاء من عدة وجوه. وقد وصف الترمذي عدة أحاديث ضعيفة بالحسن، ومنها:
..................................................................................
1- ما أخرجه من طريق مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم عنه: فقلت: إنه ليتم، فقال: أهريقوه. وقال الترمذي هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي هذا[553]
قال العسقلاني رحمه الله : مجالد ضعّفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث أنس وغيره رضي الله تعالى عنهم[554]
2- ما أخرجه من طريق عبيدة بن متعب عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها: كنا نحيض عند رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ثم نطهر فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن، وقد روي عن معاذة عن عائشة أيضا[555]
قال العسقلاني رحمه الله: " وعبيدة ضعيف جدا، قد اتفق أئمة النقل على تضعيفه إلا أنهم لم يتهموه بالكذب، ولهذا الحديث أصل من حديث معاذة عن عائشة رضي الله عنها مخرج في الصحيح فلهذا وصفه بالحسن"[556]
3- ما أخرجه من طريق أبي البختري عن عليّ رضي الله عنه قال لعمر رضي الله عنه في العباس رضي الله عنه: إنّ عمّ الرجل صنو أبيه، كان عمر رضي الله عنه تكلم في صدقتـه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن[557]
..................................................................................
قال العسقلاني رحمه الله: أبو البختري اسمه سعيد بن فيروز، ولم يسمع من عليّ رضي الله عنه، فالإسناد منقطع ، ووصفه بالحسن لأنّ له شواهد من حديث أبي هريرة [558]
وكذلك تعريف الترمذي للحسن يصدق على الصحيح الذي روي على عدة وجوه، ولكنه لا ينطبق على الحسن الذي ليس له إلا مخرج واحد، مع أنّ الترمذي هو نفسه يطلق الحسن عليه، حيث يقول في جامعه في عدة مواضع " هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: "وهذا يشكل عليه ما يقال فيه إنه حسن، مع أنه ليس له مخرج إلا من وجه واحد"[559]
وقال الحافظ ابن رجب تعقيبا على تعريف الترمذي:
"فعلى هذا: الحديث الذي يرويه الثقة العدل ومن كثر غلطه ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهما كلّه حسن، بشرط أن لا يكون شاذا مخالفا للأحاديث الصحيحة وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة"[560]
وقال ابن الجوزي: "الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحسن، ويصلح للعمل به"[561]
..................................................................................
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعقيبا عليه: " قوله فيه ضعف قريب محتمل ليس مضبوطا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره، وإذا اضطرب هذا الوصف لم يحصل التعريف المميّز للحقيقة"[562]
وهكذا اضطربوا في تعريف الحسن وتردّدوا فيه، وسبب ذلك - كما قال ابن كثير رحمه الله في كتاب اختصار علوم الحديث: "هذا النوع - يعنى الحسن - لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر، لا في نفس الأمر، عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصـناعة، وذلك لأنه أمر نسبي، شيء ينقدح عند الحـافظ، ربما تقصر عبارته عنه"[563]
فالحسن هو واسطة بين الصحيح والضعيف.
ولذا قال الحافظ الذهبي رحمه الله:" الحسن ما ارتقى عن درجة الضعيف ولم يبلغ درجة الصحة"[564] وقال أيضا:" الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح"[565]
فلما كان الحسن وسطا بين الصحة والضعف، وأمرا نسبيا بينهما، وتعّسر تحديده بحد يدخل فيه جميع الأحاديث الحسان، نجد المحدّثين يتردّدون في الحكم على حديث واحد بأنه صحيح أو حسن أوضعيف..
و قال الحافظ الذهبي رحمه الله: لا تطمع بأنّ للحسن قاعدة تندرج كلّ الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك ، فكم من حديث تردّد فيه الحفاظ، هل هو حسن أو
..................................................................................
ضعيف أو صحيح، بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد، فيوما يصفه بالصحة ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه [566]
مراتب الحسن
الحسن نظرا إلى مراتبه ينقسم إلى قسمين:
1- ما تردّد فيه الحفاظ بين الصحة والحسن:
ومن هذا القسم حديث محمد بن إسحاق، وبهز بن حكيم، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن عمرو، وغيرهم.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: " وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإنّ عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح"[567].
مثاله: حديث أخرجه أبو داود عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله صلىّ الله عليه وسلّم: ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب له حسنة ورفع بها درجة أو حط بها عنه خطيئة[568]
فهذا حديث عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فتردّد الحفاظ في حكم هذا الإسناد، فمنهم من يحكمون بصحته ومنهم من يحكمون بحسنه.
2- ما تردد فيه الحفاظ بين الحسن والضعيف:
..................................................................................
ومن هذا القسم حديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، وخصيف، ودرّاج بن أبي السمح، وخلق سواهم، فتنازع الحفاظ عن أسانيد هؤلاء وأمثالهم ، فبعضهم يحسنونها، وبعضهم يضعّفونها [569]
وقد نازع الحفاظ أيضا في عبد الله بن لهيعة، فمن الحفاظ من ضعفه ومنهـم من جعل إسناده حسنا.
هذا، وإنّ الحافظ نور الدين الهيثمي رحمه الله قد اضطرب وتردّد في ابن لهيعة، فجعل إسناده ضعيفا في عدة مواضع في مجمع الزوائد، وجعله حسنا في عدة مواضع أخرى فيه . ومن أمثلته:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف[570].
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زر غبّا تزدد حبّا، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه ابن لهيعة ، وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات[571]
فجعل حديثه حسنا مع ما فيه شيء من الضعف، لأنّ ضعفه لا من جهة العدالة، بل هو من جهة الضبط والإتقان، ولذا قال عنه العسقلاني رحمه الله في التقريب:"صدوق"[572]
..................................................................................
الجيد والصالح والثابت
وقد يطلق المحدّثون لفظ الجيّد أو الصالح أو الثابت على حديث أو إسناد، فيقولون هذا حديث أو إسناده جيّد أو صالح أو ثابت أو مجوّد، فهذه ألفاظ متقاربة.
وقد أفاد الإمام السيوطي رحمه الله في ألفيته في علم الحديث بأنها تدلّ على واسطة بين الصحيح والحسن، إلا أنّ الثابت فيه خلاف هل هوعام يشمل الصحيح والحسن، وقد أنشد:
وللقبُول يُطلِقـون جيّـــدا والثابتَ الصالِحَ والمُجَــوّدَا
وهَذه بيْنَ الصّحيحِ والحَسَـنْ وقرّبُوا مُتشابهاتٍ مِنْ حَسَـنْ
وَهلْ يُخـصّ بالصّحيح الثابتُ أوْ يشملُ الحسـن نزاع ثابتٌ
وقال في كتابه التدريب: "أما الجيّد فقال شيخ الإسلام – يعنى الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: في الكلام على أصح الأسانيد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أنّ أصحها الزهري عن سالم عن أبيه: عبارة أحمد أجود الأسانيد، كذا أخرجه الحاكم، قال: هذا يدلّ على أنّ ابن الصلاح يرى التسوية بين الجودة يعبّر بها عن الصحة، وفي الجامع الترمذي في الطب: هذا حديث حسن جيّد، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيّد وصحيح، إلا أنّ الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيّد إلا لنكتة، كأن يرتقى الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردّد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي"[573]
..................................................................................
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودة الحديث صحة الرجال"[574]
وقال الزركشي رحمه الله: "وقع في عبارة بعضهم الجيّد، كالترمذي في الطب من جامعه، ومراد ه الصحيح"[575]، وهذا يشير إلى أنّ الجيّد والصحيح كلاهما بمعنى واحد.
وقال الزركشي رحمه الله أيضا: " ويقع في عـبارتهم "الثابت" ويكثر ذلك في كلام ابن المنذر، وقد كان الحافظان قطب الدين عبد الكريم الحلبي وفتح الدين ابن سيد الناس يقولان: "إنّ الثابت يخـتص بالحديث الصحيح، دون الحـسن"، ونازعهم محمد بن الحسن المعروف بابن الصيرفي، فقال: لايختص به بل يشمل الحسن أيضا لأنّ الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح، وإن كان دونه في القوة"[576]
وقال الزركشي رحمه الله أيضا: " ولا شك أنّ الثبوت يشمل الصحة والحسن لأنّ اللفظ يحتملهما، وقد قال الدارقطني في سننه في حديث شهادة الأعرابي بهلال رمضان إسناده حسن ثابت"[577]
فهذا يدلّ على أنّ الثابت لا يختص بالصحيح، بل يطلق أيضا على الحسن. فالثابت عام يعم كليهما.
وَمَا فُقِدَ فِيهِ الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الصَّحِيحِ كُلاًّ أَوْ بَعْضًا فَهُوَ الضَّعِيفُ
الضعيف
(وما) أي الحديث الذي (فقد فيه) أي لم يوجد ولم يتوفر(الشرائط المعتبرة في الصحيح) أي الاتصال والعدالة والضبط والخلو عن العلة والشذوذ (كُلاّ) أي لم يوجد أيّ شرط من هذه الشروط (أو بعضا) أي لم يوجد بعض منها مع وجود بعض (فهو) أي ذلك الحديث هو (الضعيف).
وهذا التعريف الذي ذكره المصنف رحمه الله موافق تقريبا لما ذكره ابن الصلاح رحمه الله حيث قال في المقدمة: "كلّ حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف"[578]
ولكن تعريف ابن دقيق العيد رحمه الله أخصر من هذا، حيث قال: "الضعيف هو ما نقص عن درجة الحسن"[579]
وبناء على هذه التعريفات كلّها أنّ الضعيف عام ينقسم إلى عدة أقسام، فيدخل فيه المتروك والموضوع والمنقطع والشاذ والمعلّل والمرسل والمعضل والمضطرب وغيرها من جميع أنواع الحديث الذي لم تتوفر فيه الشروط المعتبرة في الصحيح والحسن. فالمتروك والموضوع قسم من أقسام الضعيف.
ولكن الحافظ الذهبي رحمه الله جعل الضعيف قسيما للمطروح والموضـوع، فقال
...................................................................................
في تعريف الضعيف: "الضعيف ما نقص عن درجة الحسن قليلا... و آخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف"[580]
ثم قال: المطروح ما انحط عن رتبة الضعيف[581].
فاشترط الذهبي رحمه الله في الضعيف النقصَ عن الحسن قليلا، فاذا نقص كثيرا عن الحسن فيخرج عن حدّ الضعيف، ويدخل في حدّ المطروح.
وعلى هذا انّ الحديث إذا نقص عن درجة الصحيح قليلا فهو حسن، وإذا نقص عن درجة الحسن قليلا فهو ضعيف، وإذا نقص عن درجة الضعيف فهو مطروح.
مراتب الضعيف
وبناء على تعريف المصنف رحمه الله وغيره من الجمهور، انّ الضعيف يدخل فيه كلّ حديث لم يتوفر فيه شروط الصحة والحسن كلاّ أو بعضا، فيختلف مراتب الضعف اختلافا كثيرا، فهو على أقسام:
1- ما ينجبر ضعفه بكثرة الطرق ويرتقي بها إلى درجة الحسن.
2- ما لا ينجبر ضعفه بكثرة الطرق ولكن يجوز روايته.
3- ما لا ينحبر ضعفه بكثرة الطرق ولا يجوز روايته ولاكتابته لمن يعرف حاله
إلا مع بيان ضعفه.
وكلّ من هذه الأقسام الثلاثة أيضا تختلف مراتبها في قلة الضعف وكثرته كما لا يخفي.
وسيأتي البحث عن أوهي الأسانيد.
وَالضَّعِيفُ إِنْ تَعَدَّدَ طُرُقُهُ وَانْجَبَرَ ضُعْفُهُ يُسَمَّي حَسَنًا لِغَيْرِهِ
حسن لغيره
(و) الحديث (الضعيف إن تعدّد طرقـه) وذلك بمجيئـه من طرق أخـرى أي إذا كانت له شواهـد أو متابعات (وانجبر ضعفه) بتلك الطرق فالحديث ضعيف لذاته ولكن (يسمىّ حسنا لغيره) يعنى أنّ الحـديث الضعيف يرتقى بكثرة الطرق إلى درجة الحسن، فيكون له حكم الحسن، فيجـوز العمل به كما يجوز العمل بالحديث الحسن لذاته.
وقد جعل ابن الصلاح رحمه الله هذا النوع من الحسن أوّل قسم من قسميه، فقال: "الحديث الحسن قسمان، أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث أي لم يظهر منه تعمّد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر، أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله أو بما له من شواهد ، وهو ورود حديث آخر بنحوه فيخرج بذلك أن يكون الحديث شاذا أو منكرا"[582]
فالحديث الحسن لغيره هو ضعيف انجبر ضعفه بمجيئه من وجه آخر أو من وجوه أخرى، وقد تقدّم أنّ من الضعيف ما ينجبر ضعفه بتعدّد الطرق ومنه ما لاينجبر، فإذا كان من سوء الحفظ والغلط مع عدالة الراوي فينجبر به.
...................................................................................
قال الإمام النووي رحمه الله : "إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن، بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر، وصار حسنا"[583]
مثاله - كما قال السيوطي رحمه الله في التدريب: ما رواه الترمذي وحسّنه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنّ امرأ من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرضيت من نفسك وما لك بنعلين قالت : نعم، فأجاز.
قال الترمذي رحمه الله: "وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وسهل بن سعد وأبي سعيد وأنس وعائشة وجابر وأبي حدرد الأسلمي"[584]
قال السيوطي رحمه الله: "فعاصم ضعيف لسوء حفظه، وقد حسّن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه"[585]
فانجبر ضعف هذا الحديث بكثرة الطرق لكون ضعفه من سوء الحفظ.
والحديث المرسل أيضا ينجبر ضعفه بمجيئه من وجه آخر
قال ابن الصلاح رحمه الله: "إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر"[586]
وقد تقدم في مبحث المرسل أنّ الإمام الشافعي يحتج بالمرسل إذا انجبر ضعفه، وإنه يكفي في جبره عمل الصحابي وفتوى أكثر أهل العلم، وقد فصلنا كل ذلك مع الأمثلة.
...................................................................................
والحديث المدلّس أيضا ينجبر ضعفه بمجيئه بوجه آخر.
ومثاله - كما قال السيوطي رحمه ا لله في التدريب: ما رواه الترمذي وحسّنه من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: حق على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب[587].
وقال السيوطي رحمه الله: "فهشيم موصوف بالتدليس، لكن لما تابعه عند الترمذي أبو يحيى اليمي، وكان للمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره حسّنه"[588]
فالضعيف الذي فيه ضعف شديد لا ينجبر بكثرة الطرق - كحديث الفاسق والمتهم بالكذب - فلا يرتقى إلى درجة الحسن لغيره.
قال الإمام النووي رحمه الله: "وأما الضـعف لفسـق الراوي فلا يؤثر فيـه موافقة غيره"[589]
قال ابن الصلاح رحمه الله: " ومن الضعف ما لا يزول بنحو ذلك – يعنى بمجيئه بوجه آخر- لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذا"[590]
ومن الضعيـف الذي لم ينجبر ضعفـه بكثـرة الطرق ما روي مرفوعـا: "الأذنان من الرأس"
وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصَّحِيحِ نَاقِصًا فيِ الْحَسَنِ
قال الإمام البيهقي رحمه الله: "أما ما روي عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أنه قال: الأذنان من الرأس، فروي ذلك بأسانيد ضعاف"[591]
قال ابن الصلاح رحمه الله: "لعل الباحث الفهم يقول إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل الأذنان من الرأس ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن لأنّ بعض ذلك عضد بعضا، والجواب عن ذلك انه ليس كلّ ضعف في الحديث يزيل بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئا من حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة"[592].
ولكن إذا جاء حديث ضعيف بطرق واهية عديدة يدلّ على أنّ لهذا الحديث أصلا ما.
وقال السيوطي رحمه الله: " يرتقى بمجموع طرقه عن كونه منكرا أو لا أصل له"[593]
وقال العسقلاني رحمه الله: "بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور أو السيئ الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقي بمجمـوع ذلك إلى درجة الحسن"[594]
(وظاهركلامهم) أي المحدّثين (أنه) أي الشأن (يجوز أن يكون حميع الصفات المذكورة) المعتبرة (في الصحيح) أي في كون الحديث صحيحا، وهي الاتصال والعدالة والضبط وعدم العلة والشذود، يعتبر (ناقصا في الحسن) يعنى أنّ ظاهر كلام المحدّثين يوحى
لَكِنِ التَّحْقِيقُ أَنَّ النُّقْصَانَ الَّذِي اعْتُبِرَ فِي الْحَسَنِ إِنَّمَا هُوَ بِخِفَّةِ الضَّبْطِ وَبَاقِي الصِّفَاتِ بِحَالِهَا، وَالْعَدَالَةُ
إلى أنّ الحديث إذا كان فيه أيّ قصور ونقصان في أيّ من الصفات المعتبرة في الصحيح يكون حسنا، سواء كان القصور في الاتصال أو العدالة أو غيرهما. (لكن التحقيق) الذي حققه المحققون هو (أنّ النقصان الذي اعتبر في الحسن) أي في كون الحديث حسنا (إنما هو) أي النقصان ( بخفة) أي بقلة (الضبط)، أي أنّ الحديث يكون حسنا إذا كان فيه نقصان من حيث الضبط، وإذا كان فيه نقصان من حيث العدالة والاتصال وغيرهما فلا يكون الحديث حسنا بل يكون ضعيفا، (و) لذا يجب لأن يكون الحديث حسنا أن يتوفر فيه (باقي الصفات) أي غير الضبط (بحالها) أي بدون أيّ قصور فيها.
فالمصنف رحمه الله عرّف الحسن أولا وفقا لظاهر كلامهم، ثم بيّن بهذا مرادهم، وذلك لأن يفهم الطالب مرادهم وأن لا يخطأ في فهمه، ثم شرع المصنف رحمه الله في شرح الصفات المعتبرة في الصحيح وبيان مراد المحدّثين بها، فقال:
العدالة
(والعدالة) في اللغة: ضد الجور[595]
قال الآمدي رحمه الله: " العدل في اللغـة هو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان، منه قوله تعالى" وكذلك جعلناكم أمة وسطا" أي عدلا. فالوسط والعدل بمعنى واحد، وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو اتصاف الغير بفعـل ما يجب له وترك ما لا يجب، والجـور في مقابله، وقــد
مَلَكَةٌ فِي الشَّخْصِ تَحْمِلُهُ عَلَي مُلاَزَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ
يطلق ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته عادل"[596]
والعدالة في الاصطلاح (ملكة) بالفتحات، وهي كيفية راسخة في النفس، وقال السيد الشريف الجرجاني: "وتحقيقه أنه تحصل للنفس هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالة مازالت سريعة الزوال، فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال فتصير ملكة"[597]، (في الشخص) أي قائمة فيه (تحمله) أي تشجعه، أي أنّ الملكة تشجع الشخض الذي اتصف بها ( على ملازمة ) أي مداومة (التقوى والمروءة)
التقوى معناه في اللغة الوقاية والصيانة.
قال الفيروزابادي :" وقاه وقيا ووقاية أي صانه، واتقيت الشيء تقى وتقية أي حذرته، والاسم التقوى: أصله تقيا، قلبوه للفرق بين الاسم والصفة"[598]
والمروءة معناه في اللغة كمال الرجولية[599] والإنسانية.
وقال الفيروزابادي:" مرؤ ككرم مروءة فهو مريء أي ذو مروءة وإنسانية"[600]
وقال الجوهري: "المروءة الانسانيـة، ولك أن تشـدّد، مرؤ الرجل صار ذا مروءة فهو مريء"[601]
وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى اِجْتِنَابُ اْلأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْفِسْقِ وَالْبِدْعَةِ
وليس المراد هنا بالتقوى والمروءة معناهما اللغوي، بل المراد هو المعنى الاصطلاحي، والمعنى اللغوي كثيراما لا يحتاج إلى بيانه إلا إذا كان هناك خفاء ما، فأما المعنى الاصطلاحي لا يفهمه إلا من يعرف ذلك، ولذا أراد المصنف رحمه الله أن يبين المعنى الاصطلاحي المراد هنا لكلّ من التقوى والمروءة فقال:
التقوى
(والمراد بالتقوى) المذكورة في تعريف العدالة (اجتناب) أي ترك (الأعمال السيئة) التى جعلها الشارع سيئة ونهى عنها، أي المعاصى (من) بيانية (الشرك) أي الإشراك بالله تعالى، وهو كما قال التفتازاتي رحمه الله في شرح العقائد النسفية: إثبات الألوهية بمعنى وجوب الوجود أو بمعنى استحقاق العبادة، ومقابله التوحيد، (والفسق) هو الترك لأمر الله تعالى، والعصيان، والخروج عن طريق الحق[602]، فلا يقبل رواية الفاسق، ومما يدلّ على عدم قبول روايته قوله تعالى: "يا أيها الذي آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا"[603] (والبدعة) وتقابله السنة، وسيأتي قول المصنف رحمه الله بأن المراد بالبدعة هنا "اعتقاد أمر محدث على خلاف ما عرف في الدين وما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه"
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمودة". وقال أيضا: "المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة"[604]
وَِفي الاِجْتِنَابِ عَنِ الصَّغِيرَةِ خِلاَفٌ، وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ اِشْتِرَاطِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الطَّاقَةِ إِلاَّّ اْلإِصْرَار عَلَيْهَا لِكَوْنِهِ كَبِيرَةً
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرح في مقابل السنة، فتكون مذمومة. والتحقيق انها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرح فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرح فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة"[605]
والمراد هنا بالبدعة هي السئية المذمومة التى تقابلها السنة، وهي لا تكون إلا ضلالة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة، و كلّ بدعة ضلالة- رواه أبو داود[606].
هل يشترط في العدالة اجتناب الصغيرة؟
(وفي) اشتراط (الاجتناب عن الصغيرة) أي تركها، يعنى هل يشترط في التقوى ترك الصغيرة أيضا أم لا؟ ففيه (خلاف) فذهب بعض المحدّثين إلى اشتراطه وذهب بعض آخر إلى عدم اشتراطه.
(والمختار عدم اشتراطه)، وسبب عدم اشتراطه هو (لخروجه) أي خروج اجتناب جميع الصغائر (عن الطاقة) البشرية، لأنّ الإنسان لا يطيق ولا يستطيع أن يتجنب عن جميع الصغائر عادة، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم معصومون (إلا) أنه يشترط في التقوى اجتناب (الإصرار) أي الإستمرار والمداومة (عليها) أي على الصغائر، (لكونه) أي لكون الإصرار عليها (كبيرة).
وَالْمُرَادُ بِالمُرُوءَةِ التَّنَزُّهُ عَنْ بَعْضِ الْخَسَائِسِ وَالنَّقَاِئِصِ الَّتِي هِيَ خِلاَفُ مُقْتَضَى الْهِمَّةِ
ما الصغيرة وما الكبيرة؟
وقد اختلف العلماء اختلافا كبيرا في تحديد الكبيرة والصغيرة، وقال العلامة سعد الدين التفتازاني رحمه الله: "الكبيرة قد اختلفت الروايات فيها، فروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تسعة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وقدف المحصنة، والزنا، والفرار عن الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم. وزاد أبو هريرة رضي الله عنه أكل الربا. وزاد على رضي الله عنه السرقة وشرب الخمر. وقيل كلّ ما كان مفسدته مثل مفسدة شيء مما ذكر أو أكثر منه. وقيل كلّ ما توعّد عليه الشارع بخصوصه. وقيل كلّ معصية أصرّ عليها العبد فهي كبيرة، وكلما استغفر عنها فهي صغيرة. وقال صاحب الكفاية: والحق أنها إضافيان، لا يفرقان بذاتهما، فكل معصية إذا أضيفت إلى ما فوقها فهي صغيرة"[607].
ولكن لا خلاف بين العلماء في أنّ الشرك هو أكبر الكبائر بالإطلاق، وقال تعالى: "إنّ الشرك لظلم عظيم"[608]
المروءة
(والمراد بالمروءة) المذكورة في تعريف العدالة هو (التنـزه) أي التباعد والتجنب (عن بعض الخسائس) جمع خسيسة، أي الرذائل و الأمور الحقيرة والدنية (والنقائص) عطف تفسير، أي الأمور التى تعتبر نقصانا لكمال الرجولية والإنسانية (التى) موصولة، صـفة للخسائس والنقائص ( هي خلاف مقتضى الهمّة) بكسر الهاء وقد تفتح،
وَالْمُرُوءَةِ مِثْل بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ الدَّنِيَّةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي السُّوقِ وَاْلبَوْلِ فِي الطَّرِيقِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عَدْلَ الرِّوَايَةِ أَعَمُّ مِنْ عَدْلِ الشَهَادَةِ، فَإِنَّ َعَدْلَ الشَّهَادَةِ مَخْصُوصٌ بِالْحُرِّ وَعَدْلَ الرِّوَايَةِ يَشْمَلُ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ
هو ما هُمّ به من أمر ليُفعل[609] (والمروءة) أي كمال الرجولية والانسانية (مثل بعض المباحات الدنية) التى أباحها الدين ولم ينه عنها مع كونها دينة وحقيرة، (كالأكل والشرب في السوق والبول في الطريق وأمثال ذلك) كالإفراط في المزاح وممارسة الحرف الدنية[610].وهذه الأشياء لم ينه عنها الشرع، ولكنها دنية وحقيرة يعتبر ارتكابها نقصانا لكمال الرجولية والانسانه، ومخالفة لما تقتضيه الهمة والمروءة.
ومما يخلّ المروءة أيضا الصغائر الدالة على الحقارة، كسرقة لقمة وتطفيف تمرة وما إلى ذلك، فإنها ليست من المباحات، نهى عنها الشرع، لأنّ السرقة والتطفيف سواء كان قليلا أو كثيرا فهو حرام ، فارتكاب مثل هذه الصغائر يعتبر حقيـرا ودنيا ومخلاّ للمروءة.
عدل الرواية والشهادة
والعدالة معتبرة في قبول رواية الحديث وفي قبول الشـهادة في المحاكم وغيرها، (و) لكن (ينبغي أن يعلم) أنّ هناك فرقا يسيرا بين عدالة الرواية وعدالة الشهادة، وهو (أنّ عدل الرواية أعم من عدل الشهادة) فكلّ من تقبل شهادته تقبل روايته أيضا ولا عكس، (فإنّ عدل الشهادة مخصوص بالحرّ) فالعبد لا يعتبر في الشهادة ( وعدل الرواية يشمل الحرّ والعبد)، فالرواية تقبل من كل منهما.
وَاْلمُرَادُ بِالضَّبْطِ حِفْظُ الْمَسْمُوعِ وَتَثْبِيتُهُ مِنَ الْفَوَاتِ وَالاخْتلاَلِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِحْضَارِهِ، وَهُوَ قِسْمَانِ ضَبْطُ الصَّدْرِ وَضَبْطُ الْكِتَابِ، فَضَبْطُ الصَّدْرِ بِحِفْظِ الْقَلْبِ وَوَعْيِِهِ
وقال الإمام الآمدي رحمه الله: "تختص الشهادة بشروط آخر: كالحرّية، والذكورة، والعدد، والبصر، وعدم القرابة والعداوة"[611]
الضبط
(والمراد بالضبط) المذكور في تعريف الحديث الصحيح هو (حفظ) الحديث (المسموع) أي أن يحفظ الراوي في قلبه أو في كتابه ما سمع من الحديث (وتثبيته) أي صيانته (من الفوات) والضياع (و) صيانته من وقوع (الاختلال) والنقصان فيه (بحيث يتمكن) أي يقدر و يستطيع (من استحضاره ) أي عرضه وروايته بدون وقوع خلل وخطأ فيما سمع من الحديث.
(وهو) أي الضبط (قسمان):
الأوّل: (ضبط الصدر)
(و) الثاني: ( ضبط الكتاب)
(فضبط الصدر) يتحقق (بحفظ القلب) أي بحفظ الحديث (ووعيه) في قلبه إلى وقت الرواية، فيرويه ويؤديه كما سمع بدون خلل ولا غلط ولا وهم. والحفظ والوعي بمعنى واحد، قال الفيروزابادي: "وعاه يعيه: حفظه وجمعه"[612].
وَضَبْطُ الْكِتَابِ بِصِيَانَتِهِ عِنْدَهُ إِلَي وَقْتِ اْلأَدَاءِ
(وضبط الكتاب) يتحقق (بصيانته) أي بصيانة الكتاب الذي كتب فيه الحديث (عنده) أي عند الراوي بدون وقوع أيّ تعديل أو تغيير أو تبديل أو شطب أو كشط أو محو أودس فيه (إلى وقت الأداء) أي الرواية، فيرويه على وجه صحيح بدون وقوع أيّ خطأ أو خلل في سند الحديث ولا في متنه.
وقد أفسد الورّاق كتاب سفيان بن وكيع، حيث أسند مرسله ووصل منقطعه، فلاتقبل روايته[613]. وكذلك، قد وقع الدس في كتاب حماد بن سلمة، حيث أدخل بعض الزنادقة في كتابه أحاديث باطلة في صفات الله تعالى[614] كما يأتي.
(فصل) في وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة
فَصْلٌ: أَمَّا الْعَدَالَةُ فَوُجُوهُ الطَّعْنِ الْمُتَعَلّقَةُ بِهَا خَمْسٌ: اَلأَوَّلُ بِالْكَذِبِ، وَالثَّانِي بِاتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ، وَالثَّالِثُ بِالْفِسْقِ، وَالرَّابِعُ بِالْجَهَالَةِ، وَالْخَامِسُ بِالْبِدْعَةِ. وَالْمُرَادُ بِكَذِبِ الرَّاوِي أَنَّهُ ثَبَتَ كَذِبُهُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ صَلَّي الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا بِإِقْرَارِ الْوَاضِعِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ
(أما العدالة) المعتبرة في رواية الحديث (فوجوه الطعن المتعلقة بها) أي بالعدالة (خمس):
(الأول): الطعن (بالكذب) في الحديث، أي ثبت منه كذبه في الحديث النبوي
(الثاني): الطعن (باتهامه بالكذب) في الحديث، أي لم يثبت منه ذلك، ولكنه هومتهم به.
(الثالث):الطعن (بالفسق) أي أظهر الفسق بارتكاب الكبيرة أوبالإصرارعلى الصغيرة.
(الرابع): الطعن (بالجهالة) أي كون الراوي مجهولا.
(الخامس): الطعن (بالبدعة) في الاعتقاد.
وفيما يلى تفاصيل كل من هذه الوجوه الخمسة المذكورة أعلاه.
الكذب في الحديث
(و المراد بكذب الراوي) هو أوّل وجه من وجوه الطعن المتعلقـة بالعدالة، وأعظمها خطرا (أنه) الضمير فيه للشأن (ثبت كذبه) أي كذب الراوي (في الحديث النبويّ صلى الله عليه وسلم) أي ثبت منه وضع الحديث وافتراءه على النبيّ صلىّ الله عليه وسلم، وإن ثبت ذلك مرة واحدة من عمره، ويثبت الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم (إما بإقرار الواضع أو بغير ذلك من القرائن) الدالة على الكذب.
وَحَدِيثُ الْمَطْعُونِ بِالْكَذِبِ يُسَمَّى مَوْضُوعًا
هذا، ومما علم في الدين بالضرورة: أنّ الكذب حرام ، والصدق واجب.
قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"[615] .
ولكن الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم من الكبائر، فيه مفسدة عامة، وهي معصية خطيرة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار" – متفق عليه[616]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "اتفقوا على أنّ تعمّد الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم من الكبائر، وبالغ أبو محمد الجويني، فكفّر من تعمّد الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم"[617]
الموضوع
(وحديث المطعون بالكذب) على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم (يسمىّ موضوعا) لأنه وضع على النبيّ صلىّ الله عليه وسلم.
هذا هو المعنى من حيث الاصطلاح.
وأما من حيث اللغة فقال أبو الخطاب ابن دحية:" الموضوع الملصق، وضع فلان على فلان كذا أي ألصقه به"[618]
وَمَنْ ثَبَتَ عَنْهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَإِِنْ كَانَ وُقُوعُهُ فِي الْعُمرِ مَرَّةً وَإِِنْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ أَبَدًا بِخِلافِ شَاهِدِ الزُّورِ إِِذَا تَابَ
قال العسقلاني رحمه الله: "وهو أيضا الحط والإسقاط"[619]
(ومن ثبت عنه تعمّد الكذب) أي أنه كذب قصدا ومتعمّدا (في الحديث) أي أنه اختلق واخترع حديثا على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ونسبه إليه وروى عنه، (وإن كان وقوعه) منه (في العمر مرة) واحدة، أي أنه لم يختلق في طِيلة حياته إلا حديثا واحدا، يعنى سواء كان وقوعه منه مرة واحدة أو أكثر من مرة، ( وإن تاب من ذلك) أي مِن تعمّدِ الكذب في الحديث واختلاقه، يعنى سواء كان تاب من ذلك أم لا، (لم يقبل حديثه أبدا) بل لا تحلّ رواية حديثه إلا مقرونا ببيان حاله، لأنه قد سقطت عدالته وانقطعت عنه كليا وأبديا، فلا ترجع إليه العدالة سرمديا، (بخلاف شاهد الزور إذا تاب) يعني أنه إذا ثبتت من رجلٍ شهادةُ الزور مرة سقطت عنه عدالته فلا تقبل شهادته، و لكنه إذا تاب ترجع إليه العدالة من جديد، فتقبل شهادته بعد توبته.
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله:" التائب من الكذب متعمّدا في حديث رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم لاتقبل روايته أبدا، وإن حسنت توبته، على ما ذكر غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصيرفي، وقال السمعاني: "إنّ من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه"[620]
قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه التقريب تعقيبا على هذا المذهب: "هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا، ولا نقـوّي الفرق بينه وبين الشهادة"[621]
فَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ هَذَا، لا أَنَّهُ ثَبَتَ كَذِبُهُ وَعُلِمَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُصُوصِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ وَالْحُكْمُ بِالْوَضعِ وَاْلاِفْتِرَاءِ بِحُكْمِ الظَّنِّ الْغَالِبِ، وَلَيْسَ إِلَى الْقَطَعِ وَالْيَقِينِ بِذَلِكَ سَبِيلٌ
وقال في شرح مسلم: "المختار القطع بصحة توبته من ذلك، وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا على رواية من كان كافرا ثم أسلم، وأكثر الصحابة كانوا على هذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة"[622]
(فالمراد بالحديث الموضوع في اصطلاح المحدثين هذا) أي أنّ الموضوع هو حديث رواه من ثبت عنه الكذب في الحديث ولو مرة واحدة في عمره، (لا) المراد به (أنه ثبت كذبه وعلم ذلك) أي كذبه ( في هذا الحديث بخصوصه).
فإذا قال المحدّث عن أيّ حديث: "هذا موضوع"، فالمرا به هذا حديث المطعون بالكذب، ولا المراد به أنّ هذا الحديث هو نفسه مكذوب.
(والمسئلة) أي مسئلة الوضع (ظنية) لا يقينية (والحكم بالوضع والافتراء) علي أيّ حديث (بحكم الظن الغالب) يعنى أنّ المحدّث إنما يحكم على وضع الحديث بغلبة ظنه، أي غلب في ظنه أنّ هذا الحديث موضوع، لأنه رواه المطعون بالكذب في الحديث، وكل حديث رواه المطعون بالكذب يحتمل أن يكون مكذوبا، فرجح في قلبه جانب الكذب فحكم بوضعه.
(وليس إلى القطع واليقين) عطف تفسير ( بذلك) أي بالوضع عن أيّ حديث (سبيل)، فالحكم عليه بالوضع ظني لا يقيني.
فَإِنَّ الْكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَضعِ بِإِِقْرَارِ الْوَاضِعِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَاذِباً فِي هَذَا الْإقْرَار،ِ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ صِدْقُهُ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمَا سَاغَ قَتْلُ الْمُقِرِّ بِالْقَتْلِ وَلاَ رَجْمُ الْمُعْتَرِفِ بِالزِّنَا فَافْهَمْ
(فانّ الكذوب) صيغة مبالغة للكاذب (قد يصدق) فيحتمل أن يكون في حديثه صادقا.
(وبهذا) الذي قرّرناه من أنّ المسئلة ظنية، لا يقينية (يندفع) أي يبطل ( ما قيل) ردا على ابن الصلاح رحمه الله (في ) أي عن (معرفة الوضع بإقرار الواضع)، حيث قال ابن الصلاح رحمه الله في مقدمته: "إنما يعرف كون الحديث موضوعا بإقرار الواضع"[623]
فاعترض عليه ابن دقيق العيد رحمه الله فقال في الاقتراح: " وقد ذكر في معرفة أسباب الوضع إقرار الراوي بالوضع، هذا كاف في ردّه، ليس بقاطع في كونه موضوعا، إذ (انه يجوز أن يكون كاذبا في هذا الاقرار) بعينه"[624]، فلا يجوز الحكم بوضع الحديث بإقرار واضعه.
فالمصنف رحمه الله أجاب عن اعتراض ابن دقيق العيد على ابن الصلاح رحمهما الله، فقرر أنّ المسئلة ظنية، والحكم بالوضع والافتراء بحكم الظن الغالب، (فانه يعرف صدقه) أي صدق المقر بالوضع (بغالب الظن )، فعرفنا الوضع وحكمنا به بالظن الغالب لا باليقين، وذلك ظنا بصدق المقر بالوضع، هكذا يجوز الحكم في الشرع بغلبة الظن، (ولو لا ذلك) أي ولو لم يجز الحكم بغلبة الظن ( لما ساغ) أي لم يجز (قتل المقرّ بالقتل ولا رجْم المعترف بالزنا)، فالحكم بقتل ذاك ورجم هذا بغلبة الظن، لاحتمال أن يكونا كاذبين في الإقرار والاعتراف، (فافهم) أنّ التحقيق هو ما قاله ابن الصلاح رحمه الله، فيجوز الحكم بوضع الحديث بإقرار واضعه، وذلك بغلبة الظن لا باليقين.
..................................................................................
أسباب الحكم بالوضع
إنّ معرفة الوضع و الحكم به على أيّ حديث يكون باعتبار الأسباب التالية:
1- معرفة أهل الحديث: إنّ الجهابذة من نقاد الحديث لهم ملكة يعرفون بها الوضع فيحكمون على حديث بوضعه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة:" لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميّزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبا، وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة"[625]
فأهل الحديث يميّزون ذلك، كما يميّز الصيرفي النقد الزائف من الصحيح.
ججج
قال الإمام الزركشي رحمه الله: "اعلم قد استعمل أئمة الحديث هذه الطريقة، ولهم في معرفة ذلك ملكة يعرفون بها الموضوع، وشاهده أنّ إنسانا لو خدم ملكا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فجاء إنسان ادعى أنه كان يكره شيئا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه من قال إنه يكرهه"[626]
2 - إقرار الواضع: فإذا أقر الواضع بوضع حديث فيحكم بوضعه بغلبة الظنّ، كما أسلفناه، وقد أقرّ جماعة من أهل البدع والأهواء بوضع الحديث بعد أن رجعوا وتابوا عن بدعتهم.
..................................................................................
قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب: "إنّ هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا، صيّرناه حديثا"[627].
وقال أبو العيناء: "وضعت أنا والجاحظ حديث فدَك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد، فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي، فإنه قال: لا يشبه آخـر هذا الحديث أوّله، وأبى أن يقبله"[628].
قال سليمان بن حرب: "دخلت على شيخ هو يبكي، فقلت له ما يبكيك، قال: وضعت أربعمائة حديث، وأدخلتها في برنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع"[629]
3- ركاكة اللفظ والمعنى: و مما يدلّ على وضع الحديث ركاكة اللفظ والمعنى للحديث المرويّ، لأنه صلىّ الله عليه وسلّم كان من أفصح العرب، بيد أنه من قريش، فليس من المعقول أن يصدر من فمه الشريف ما ينافي الفصاحة والبلاغة، وانه يكون لما صدر من مشكوته نور من نور النبوة، ولا يخلو عنه، يعرفه من يمارسه.
قال التابعي الجليل الربيع بن خثيم رحمه الله: "إنّ للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره"[630]
قال الإمام الزركشي رحمه الله في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح[631]: "ويشهد له ما رواه ابن حبان في صحيحه بسنده عن أبي حميد وأبي أسيد أنّ رسول الله
..................................................................................
صلىّ الله عليه وسلّم قال: إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه قريب منكم، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث تقشعر له جلودكم وتنفر له قلوبكم وأشعاركم وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه"[632]
فركاكة الألفاظ والمعاني مما يدلّ ويشهد على وضع الحديث.
قال ابن الصلاح رحمه الله:"وقد وُضعتْ أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها"[633]
ولكن قد اعترض عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله قائلا: "إنّ ركاكة اللفظ لا تدلّ على الوضع، حيث جوّزت الرواية بالمعني".
ثم قال: "نعم، إن صرّح الراوي بأنّ هذا صيغة لفظ الحديث، وكانت تخلّ بالفصاحة، أولا وجه له في الإعراب، دلّ على ذلك. والذي يظهر أنّ المؤلف – يعنى ابن الصلاح رحمه الله- لم يقصد أنّ ركاكة اللفظ وحده تدلّ كما تدل ركاكة المعنى، بل ظاهر كلامه أنّ الذي يدلّ عليه هو مجموع الأمرين: ركاكة اللفظ والمعنى معا"[634]
4- حالة الراوي: إذا ثبت من الراوي الكذب في الحديث فيحكم على الحديث الذي رواه بأنه موضوع، هذا هو معنى قول المصنف رحمه الله في تعريف الموضوع: "حديث المطعون بالكذب يسمّى موضوعا".
وهذه طريقة استعملها كثير من المحدّثين في الحكم بالوضع على الحديث، ولكن أنكره الإمام الزركشي رحمه الله قائلا: "قد كثر منهم الحكم على الحـديث بالوضـع
..................................................................................
استنادا على أنّ راويه عرف بالوضع، فيحكمون على جميع ما يرويه هذا الراوي بالوضع، وهذه الطريقة استعملها ابن الجوزي في كتاب الموضوعات، وهي غير صحيحة، لأنه لا يلزم من كونه معروفا بالوضع أن يكون جميع ما يرويه موضوعا، لكن الصواب في هذا أنه لا يحتج بما يرويه لضعفه، ويجوز أن يكون موضوعا، لا أنه موضوع لا محالة"[635]
5 - قرينة الحال: وقد يعرف الوضع بقرينة الحال.
ومن أمثلة ذلك ما وقع من مأمون بن أحمد أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن البصري سمع عن أبي هريرة رضي الله عنه أم لا؟ فساق في الحال إسنادا إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أنه صلى الله عليه وسلم قال: سمع الحسن من أبي هريرة[636]
ومنها: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي، قال: كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتّاب يبكي، فقال ما لك؟ قال ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا، معلموا صبيانكم شراركم، أقلّهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المساكين[637]
ومنها: ما ذكره أبو حيان التوحيدي في البصائر عن القاضي أبي حامد المروزي: "أنّ رجلا أتى باب المهدي ومعـه نعلان فقال: هما نعـلا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم، فعرفه المهدي – أي بقرينـة الحال، فأدخله وقبّله ووصله. فلما خـرج قال المهدي: والله ما هما بنعلي رسـول الله صلىّ الله عليه وسـلّم، ومن أين صـارتا له؟ أم
..................................................................................
بميراث أم بشراء أم بهبة؟ لكن كرهت أن يقال: أهدي إليه نعلا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فلم يقبلهما واستخف بحكمهما"[638]
ومنها أيضا: ما يأتي عن إبراهيم بن غياث، فانه لما دخل على المهدي بن المنصور وجده يلعب بطائر، فساق في الحال حديثا يوافق لعبه، ففطن الخليفة بقرينة الحال أنه وضع الحديث، فقال: "أشهد أنه كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
6- الإفراط بالوعيد الشديد أو الوعد العظيم: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "ومن جملة القرائن الدالة على الوضع الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية"[639]
7- مخالفة القرآن الكر يم: القرآن هو كلام الله تبارك وتعالى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإذا جاء حديث ينافي نصّ القرآن الكريم، ولا يقبل التأويل فيحكم عليه بالوضع.
قال الإمام الزركشي رحمه الله: "جعلوا مـن دلائل الوضـع أيضا أن يخالف نصّ الكتاب، كما قال عليّ المديني في حديث إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم
..................................................................................
الاربعاء وبث فيها الدواب يو م الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة[640].
فقال على المديني رحمه الله: "لعل إسماعيل سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى".
وقال البخاري رحمه الله:" الصواب أنه من قول كعب الأحبار"
وكذا ضعفه الإمام البيهقي رحمه الله وغيره من الحفاظ، وقالوا: "هو خلاف ظاهر القرآن من أنّ الله خلق السموات والأرض في ستة أيام"[641].
8- مخالفة السنة المتواترة: فإذا كان معنى الحديث منافيا ومناقضا لما ثبت بالسنة المتواترة بحيث لا يقبل الجمع والتأويل فيحكم بوضع ذلك الحـديث، فهو أيضا طريقة لمعرفة الوضع.
وقال العسقلاني رحمه الله: وفي تقييد السنة بالمتواترة احتراز من غير المتواترة، فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفة السنة مطلقا[642]
وإنّ ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما رحمهم الله لم يقيّدوا بالتواتر، بل حكموا على عدة أحاديث بالوضع بمجرد مخالفة صحيح السنة. مع إمكان الجمع والتأويل.
قال الإمام الزركشي رحمه الله: "ومنها: مخالفة صريح السنة، وهذه طريقة ابن خزيمة وابن حبان، وهي طريقة ضعيفة، لا سيما حيث أمكن الجمع"[643].
..................................................................................
قال ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه في حديث لا يؤمنّ عبد قوما فيخص نفسه بدعوة فإن فعل فقد خانهم[644]: هذا حديث موضوع، فقد ثبت قوله صلىّ الله عليه وسـلّم
في دعاء الاستفتاح في الصلاة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب...الخ. متفق عليه[645]
قال الإمام الزركشي رحمه الله: "والحديث لا ينتهي إلى ذلك، فقد حسّنه الترمذي وغيره، وليس لمعارض لحديث الاستفتاح، لإمكان حمله على ما لا يشرع للإمام والمأموم"[646].
وقال الإمام ابن حبان في صحيحه في قوله صلى الله عليه وسلم: " إنيّ لست كأحدكم إني أطعم وأسقي" هذا الخبر يدلّ على أنّ الأحاديث التى جاء فيها أنه كان يضع الحجر على بطنه كلها أباطيل، وإنما معناه الحجز وهو طرف الإزار لا الحجر، إذ الله جل وعلا كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعا مع عدم الوصال حتى يشدّ الحجر على بطنه وما يغنى الحجر عن الجوع"[647].
ولا شك أنّ هذه الأحاديث كلها يمكن الجمع بينها، فلا يصح الحكم عليها بالوضع.
9- مخالفة الإجماع: ولإجماع الأمة المسلمة عصمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله لا يجمع أمتى على ضلالة- رواه الترمذي[648]
..................................................................................
وإذا جاء حديث ينافي الإجماع القطعي فهو موضوع، وقد عدّه العلماء من دلائل الوضع[649].
8- مخالفة العقل القاطع: وقد جعل الأصوليون من دلائل الوضع أن يكون الحديث بحالة يخالف العقل الصريح، ولا يقبل جمعا ولا تأويلا، لأنه لا يحوز أن يجيء الشرع بما ينافي مقتضى العقل القاطع، قال الله تعالى: "لآيات لقوم يعقلون"[650]
قال الإمام الآمدي رحمه الله: "ومما يعلم كذبه ما كان مخالفا لضرورة العقـل أو النظر أو الحس"[651]
قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في جمع الجوامع: "كل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب أو نُقِصَ منه ما يزيل الوهم"[652]
قال الإمام السيوطي رحمه الله: "ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن أسلم عن أبيه عن جدّه مرفوعا: انّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلّت عند المقام ركعتين.
وأسند من طريق محمد بن شجاع البلخي عن حسان بن هلال عن حماد بن سـلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: انّ الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها.
..................................................................................
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: "هذا لا يضعه مسلم بل ولا عاقل، والمتهم به محمد بن شجاع كان زائغا في دينه، قال شعبة رأيته ولو أعطي درهما وضع خمسين حديثا"[653]
9- عدم وجود الحديث في بطون الكتب وصدور الرجال: قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: "إنّ الخبر إذا روي في زمان قد استقرت فيه الأخبار، فإذا فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرجال علم بطلانه"[654]
قال الإمام السيوطي رحمه الله: "ومن المقطوع بكذبه ما نقب عنه من الأخبار ولم يوجد عند أهله من صدور الرواة وبطون الكتب، وكذا قال صاحب المعتمد، قال عز بن جماعة: هذا قد ينازع في إمضائه إلى القطع، وإنما غايته غلبة الظن".
ولهذا قال الحافظ العراقي رحمه الله: "يشترط استعياب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلا وكشف أمره في جميع أقطار الأرض، وهو عسر ومتعذر"[655].
الباعث على وضع الحديث
ولا يجترئ أن يكذب على النبيّ صلى الله عليه وسـلّم وأن يضـع الحديث عليه إلا جاهل أوفاسـق أو زنديق معاند للدين الإسلامي، وعدوّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد وضع أقوام الأحاديث لأغراض باطلة وأسباب فاسدة، ومنها:
..................................................................................
1 – الزندقة والإلحاد: وقد وضعت الزنادقة جملا من الأحاديث وحدّثوا بها، يريدون تنفير الناس عن الدين الإسلامي، وإيقاع الشك في قلوبهم، و تحقير النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وتعكير ملته السمحة البيضاء.
"روى العقيلي بسنده عن حماد بن زيد قال: وضعت الزنادقة على رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أربعة عشر ألف حديث، منهم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي. قال ابن عدي: لما أخذ ليضرب عنقه قال: وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام، وكبيان ابن سمعان النهدي الذي قتله خالد القسري وأحرقه بالنار، قال الحاكم: وكمحمد بن سعيد الشامي المصلوب، فروي عن حميد عن أنس مرفوعا:" أنا خاتم النبيين لا نبيّ بعدي، إلا أن يشاء الله"، وضع هذا الاستثناء فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي"[656].
2- الوعظ والتسول: وقد يضع الوعاظ والقاصون المتسولون أحاديث من عند أنفسهم، ثم يلقونها إلى الناس.
قال ابن الأثير رحمه الله في جامع الأصول:"ومنهم قوم من السؤّال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أحاديث بأسانيد صحيحة، قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.
قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاصّ، فقال حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن قتادة عن أنس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
..................................................................................
وسلم: من قال: لا اله الا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة من نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال هل أنت حدّثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة. قال: فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، وأخذ قطعة، ثم قعد ينظر بقيتها. فقال يحيى بيده أن تعال، فجاء متوهما لنوال يجيزه، فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان لا بد من الكذب، فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أنّ يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعـة. فقال له يحيى: كيف علمت أنيّ أحمق؟. قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما. كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا. قال: فوضع أحمد كمّه على وجهه، وقال: دعه، فقام كالمستهزئ بهما"[657]
3- التقرب إلى الملوك: وقد وضع قوم أحاديث تقربا إلى الملوك والخلفاء والأمراء، وذلك بوضع ما يوافق فعلهم أو آرائهم أو في مدحهم أو في ذمّ مخالفيهم.
ومن أمثله ذلك ما فعله غياث بن إبراهيم فإنه دخل على الخليفة، وكان يعجبه الحمام والطيّارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثا عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أنه قال: لا سبق إلا في خفّ أو حافر أو نصل أوجناح، قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم فلما قام وخرج، قال المهدي أشهد أنه كذاب على رسول الله صلى الله
..................................................................................
عليه وسلم، ما قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم جناح، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام، اذبح الحمام، قال: فذبح حماما بمال كثير، فقيل يا أمير المؤمنين، وما ذنب الحمام ؟ قال من أجلهن كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم"[658]
"وكان بعض الملوك يطلبون وضـع الحديث تأييدا لأمرهم، كما وقـع ذلك في أيام المختار.
وروى الإمام أحمد رحمه الله عن جابر بن نوح عن الأعمش عن إبراهيم قال: إنما سئل الإسـناد في أيام المختار، وسبب هذا أنه كثـر الكذب على عليّ رضي الله عنه في تلك الأيام.
وقال الجوزجاني: وكان المختار يعطي الرجل ألف دينار والألفين على أن يروي له في تقوية أمره" [659]
4- البدع والأهواء: وقد وضع أهل البدعة والأهواء أحاديث كثيرة لإثبات بدعتهم، وترويج عقيدتهم الفاسدة، كما فعلت الخوارج والقدرية والرافضية والكرامية وغيرها من الفرق الضالة، وقد تقدم أنّ منهم من تاب وأقرّ على نفسه بالوضع.
وكان رئيس الكرامية - بتشديد الراء وتخفيفها- محمد بن كرام السجستاني عابدا زاهدا، إلا أنه - كما قال ابن حبان رحمه الله - التقط من المذاهـب أرداهـا، ومن الأحاديث أوهاها، وصحب أحمد بن عبد الله الجوبياري، فكان يضـع له الحـديث وفق مذهبه.
..................................................................................
قال أبو العباس السراج: "شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ودفع إليه كتاب من محمد بن كرام، يسأله عن أحاديث منها:
سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رفعه، " الإيمان يزيد وينقص"
قال: فكتب على ظهر الكتاب "من حدّث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل"[660]
5- التعصب المذهبي: وقد وضع جماعة من المتعصبين أحاديث يمدحون بها زعماء مذهبهم ويذمّون مخالفيهم.
وقيل لمأمون بن أحمد المروزي، ألا ترى إلى الشافعي رحمه الله وإلى من تبع له بخراسان، فقال: حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يكون في أمتى رجل يقال له: محمد بن إدريس، هو أضرّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفـة، هو سراج أمتي[661].
6- تشنيع أهل الحديث: وقد وضع قوم أحاديث وأدخلوها في كتب المحدّثين، وذلك تشنيعا لهم، وتشنيعا لمذهبهم.
ومن ذلك ما حكاه ابن عديّ رحمه الله: أنّ محمد بن شجاع الثلجي كان يضع الأحاديث التي ظاهرها الكفر والتجسيم، ثم يدسها في كتب أصحاب الحديث.
..................................................................................
ومنها: ما دسه في كتاب حماد بن سلمة حديثا عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي جعدا أمرد عليه حلة خضراء[662]
6 - قياس الفقهاء: وقد ذهب بعض المتفقهة إلى جواز نسبة ما دلّ عليه القياس إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلم، فنسبوه إليه ورووه عنه مرفوعا، لأنّ دليل المقيس هو نفس دليل المقيس عليه، كما حققه الأصوليون.
قال أبو العباس القرطبي صاحب المفهم: "استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله صلىّ الله عليه وسلم نسبة قولية، فيقول
في ذلك: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم كذا. ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين، وإنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا"[663]
7 - الزهد والغفلة: قد توغّل بعض الأحاديث الموضوعة إلى مجال الحديث من غير قصد، بفرط الغفلة والتساهل من أهل التصوف والزهد والعبادة، ولم يتفرعوا إلى ضبط الحديث وحفظه وإتقانه، فاستخفوا بالرواية.
ومن أمثلة ذلك ما وقع من ثابت من موسى الزاهد دخل على شريك بن عبد الله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم- ولم يذكر متن الحديث-
..................................................................................
فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال: "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه في النهار"، وإنما أراد بذلك ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظنّ ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعا بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدّث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه[664]
وقد روى ابن ماجه رحمه الله هذا الحديث فقال: حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي حدثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار[665]
قال الإمام السخاوي رحمه الله: "مثلوا به في الموضوع غير المقصود.اتفق أئمة الحديث:ابن عدي، والدارقطني، والعقيلي، وابن حبان، والحاكم على أنه من قول شريك، قاله لثابت لما دخل عليه"[666]
8- التصوف والحسبة: قد وضعت المتصوفة أحاديث كثيرة، احتسابا من الله تعالى
وقد أنشد الإمام السيوطي رحمه الله في ألفيته في علم الحديث:
وَشَـرّهُمْ صُوفِيّة قَدْ وَضَعُوا مُحْتَسِبِينَ الأجْرَ فِيمَا يَدّعُوا
وقد ذهبوا إلى إباحة الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم في الترهيب والترغيب، وزعموا أنهم يدعون الناس إلى فضائل الأعمال.
..................................................................................
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "هوخطأ نشأ عن جهل، لأنّ الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية"[667]
فهؤلاء المتصوفة الجهلة قد وضعوا أحاديث كثيرة في الترغيب والترهيب وغيرهما، ثم رووها ونقلوها ونشروها وروّجوها في المجتمع.
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "والواضعون الحديث أصناف، وأعظمهم ضررا قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم، ثقة منهم، وركونا إليهم، ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها والحمد لله"[668]
ومن هؤلاء المتصوفة الجهلة: أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجوبياري، وغيرهم.
"قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه في فضائل الأعمال سورة وسورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنيّ رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومعازي محمد بن إسحق، فوضعت هذا الحديث حسبة"[669].
قال العلامة عبد الحي اللكنوي في شرح مختصر الجرجاني: "ومن وضع هؤلاء الزهاد الجهـلة البطلة أحاديث الصلوات المخصوصة، كأحاديث صـلاة الرغـائب
..................................................................................
وغيرها في شهر رجب، وأحاديث صلاة النصف من شعبان وأحاديث صيام الأيام المخصوصة من رجب، وأحاديث صلاة أيام الأسبوع وليالها، ونحو ذلك على ما ذكرها الإمام الغزالى في إحياء علوم الدين وأبو طالب المكي في قوت القلوب وغوث الأقطاب الجيلاني في غنية الطالبين وغيرهم ممن ألف في الأوراد والوظائف.
فإنّ هذه الأحاديث كلها من وضع الزهاد الجهلة، فنقلها جمع من أكابر الصوفية لحسن ظنهم بهم. وقد وفق الله حملة آثار نبيه ونقاد أخبار حبيبه لتمييز الخبيث من الطيب، فنصوا على وضعها واختلاقها. والمعتبر في هذا الباب هو قولهم لا قول غيرهم، وإن فاق عليهم زهدا وورعا، وجلّت مرتبته تقوى وولاية"[670]
شبهات في تجويز وضع الحديث
وقد ذكرنا أنّ المتصوفة قد أباحوا الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ووضعوا أحاديث كثيرة في الترغيب والترهيب، وكذلك الفرقة الكرامية[671] أيضا أباحوا وضع الأحاديث ووضعوها.
وقال نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، قال الإمام النووي رحمه الله، هذا حديث متواتر[672]، ولكن رفض الكرامية هذا الحديث، وتبعهم المتصوفة، وأوّلوه بتأويلات فاسدة، وتمسكوا بشبهـات
..................................................................................
باطلة أوردها الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه النكت على مقدمة ابن الصلاح، وردّ عنها، ومنها:
1- إنّ الحديث الوارد في وعيد من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ورد في رجل معيّن ذهب إلى قوم وادعى أنه رسول رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم إليهم، يحكم في دمائهم وأموالهم، فبلغ ذلك النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فأمر بقتله.
والجواب عن هذه الشبهة أنّ السبب المذكور لم يثبت إسناده، ولو ثبت لم يكن لهم فيه متمسك، لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
2- إنّ هذا الحديث في حق من كذب على نبينا يقصد به عيبه أو شين الإسلام.
وتعلقوا لذلك بما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم"، قال: فشق ذلك على أصحابه رضي الله عنهم، حتى عرف في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله، قلت هذا ونحن نسمع منك الحديث فنزيد وننقص ونقدم ونؤخّر، فقال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: "لم اعن ذلك، ولكن عنيت من كذب عليّ يريد عيبي وشين الإسلام".
الجواب عن هذه الشبهة: هذا حديث موضوع، قال الحاكم رحمه الله: هذا الحديث باطل، وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية اتفقوا على تكذيبه، وكان يضع الحديث.
3- ما زعم أبو جعفر محمد بن عبد الله الفانتي السلمي أنه رأى مناما فقال: قلت يا رسول الله فهذه الأخبار التى وضعوها عليك، قال: "من تعمّد عليّ كذبا يريد به إصلاحا لأمتي أو رفع لهم درجة في الآخرة، فأنا أرحم الخلق به فلا أخاصمه وأشفع له
..................................................................................
والله أرحم منيّ ، ومن قصد بذلك الكذب وإفساد أمتي وإبطال حقهم، فأنا خصمه ولا أشفع له".
الجواب عن هذه الشبهة: هذا كلام في غاية السقوط، بل هو باطل مردود، وكذب وافتراء على النبيّ صلى الله عليه وسلم، و إنه منام لا يجوز الاعتماد على المنامات.
4- قد ورد في بعض الطرق من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب وغيرهما رضي الله عنهم، أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: "من كذب عليّ متعمّدا ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار".
قالوا: "فتحمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة".
والجواب عن هذه الشبهة: أنه قوله "ليضلّ به الناس" اتفق أئمـة الحـديث على أنها زيادة ضعيفة.
وأيضا: أنّ اللام في قوله "ليضلّ" ليست للتعليل وانما هي لام العاقبة، كما في قوله تعالى" فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا"[673]
أو اللام فيه للتأكيد ولا مفهوم لها، كما في قوله تعالى:" فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم". لأنّ افتـراء الكذب على الله تعالى محـرم مطلقا، سواء قصـد به الإضلال أم لم يقصده.
..................................................................................
5- قالوا: "واذا كان الكذب في الترغيب والترهيب فهو كذب للنبي صلى الله عليه وسلم، لا عليه".
قال العسقلاني رحمه الله: "هذا جهل منهم باللسان العربي"[674]
وقال شيخنا أستاذ الأساتيذ زين الدين مسليار رحمه الله حينما يدرّس لنا شرح النخبة لابن جر العسقلاني رحمه الله، تسفيها لأصحاب هذا القول: فماذا يكون معنى الصلاة على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أوالصلاة على الميت، فهل هو دعاه له أو دعاء عليه؟.
التساهل في رواية الموضوع؟
الحديث الموضوع يفسد الدين، وخطره كبير، وشره شائع، ونشره يثير آثارا سلبية في الفرد والمجتمع، ولذا لا يجوز روايته إلا ببيان حاله.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "اعلم أنّ الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحلّ روايته لأحد علم حاله، في أيّ معنى كان، إلا مقرونا ببيان وضعه، بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة"[675]
قال الإمام النووي رحمه الله: "يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه، فمن روى حديثا علم أو ظن وضعـه، ولم يبين حال روايته ووضعـه، فهو مندرج في جملة الكاذبيـن على رسول الله صلى الله عليه وسلم"[676]
..................................................................................
وقد أنشدالحافظ العراقي رحمه الله:
شَـرّ الضعِيفِ الخَبرُ المَوْضُوعُ الكذبُ المُختلقُ المَصْنُـوعُ
وَكَيْفَ كانَ لمْ يُجيِـزُوا ذِكرَه ُ لِمَنْ عَلم ما لَمْ يُبيّن أمْـرهُ
وقد أنشد الإمام السيوطي رحمه الله:
الخَبَرُ الموْضُوعُ شَــرّ الخَبَـرِ وذِكْـرُهُ لِعَالِمٍ بـهِ احْظُـرِ
فِي أيٍّ مَعْنىً كَانَ إلاّ وَاصِفًـا لِوَضْعِهِ وَالَوضْـعُ فِيهِ عُرِفَا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حدّث عنّي بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين - رواه مسلم[677]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "ويرى – مضبوطة بضم الياء- بمعنى ظنّ"، وقال: "كفى بهذه الجملة وعيدا شديدا في حق من روى الحديث فيظن أنه كذب، فضلا عن أن يتحقق ذلك ولا يبينه، لأنه صلىّ الله عليه وسـلّم جعل المحدّث بذلك مشاركا لكاذبه في وضعه"[678]
وقال الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه: "اعلم أنّ الواجب على كلّ أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه"[679]
..................................................................................
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرأ كذبا أن يحدّث بكل ما سمع- رواه مسلم[680].
فرواية الحديث بكلّ ما سمع بدون تحقق صحته يؤدي إلى الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
فما بال من يروي الأحاديث الموضوعة ويسردها سردا، يفعله أهل التصوف وبعض الزهاد والصلحاء، فهم أكثر الناس تساهلا في رواية الموضوعات.
روى الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث، وفي رواية لم تر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث، وقال مسلم رحمه الله: يقول: يجرى الكذب على ألستنهم، ولا يتعمدون الكذب[681].
وقال ابن منده رحمه الله: "إذا رأيت في حديث حدّثنا فلان الزاهد فاغسـل يديك منه"
قال ابن عديّ رحمه الله: "يروي الصالحون في فضائل الأعمال أحاديث موضوعة بواطيل، ويتهم جماعة منهم بوضعها"[682]
فلا تغتر بالأحاديث المروية في بعض كتب التصوف، فاحذر عند قراءتها، فإنّ للحديث رجالا فخذه منهم لا من غيرهم.
..................................................................................
هذا هو الإمام البحر العلامة الحبر، حجة الإسلام أبو حامـد الغـزالي رحمه الله، قد أورد بعض الأحاديث المطعونة بالوضع في كتابه إحياء علوم الدين، وذلك على طريقة الصوفية، لأنهم متساهلون في رواية الحديث.
وقد اعتنى هذا الإمام الجليل بالحديث النبوى أخيرا، وأقبل كليا لطلب الحديث ومجالسة أهله في أواخر أيامه.
وقال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية: " وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، والنظر في الصحيحين، ولو عاش لسبق الكلّ في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية، واشتغل في آخر عمره بسماعها، ولم تتفق له الرواية"[683]
وَ اَمَّا اتِّهَامُ الرَّاوِي بِالْكَذِبِ فَبِأنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْكَذِبِ وَمَعْرُوفًا بِهِ فِي كَلاَمِ النَّاسِ وَلَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَفِي حُكْمِهِ رِوَايَةُ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ مَعْلُومَةً ضَرُورِيَّةً فِي الشَّرْعِ، كَذَا قِيلَ
الاتهام بالكذب
(وأما اتهام الراوي بالكذب) على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، وهوالوجه الثاني من وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة، (فبأن يكون) الراوي (مشهورا بالكذب ومعروفا به) أي بالكذب، (في كلام الناس) بخلاف من لم يُعرف ولم يُعلم به، بل يقع منه الكذب أحيانا نادرا في كلام الناس (ولم يثبت) منه (كذبه في الحديث النبوي)، وإن ثبت كذبه في النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم فلا يكون متهما بالكذب، بل يكون مطعونا بالكذب كما سبق.
(وفي حكمه) أي في حكم الاتهام بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم (رواية ما) أي رواية الحديث الذي (يخالف قواعد) شرعية (معلومة ضرورية في الشرع) بحيث لا يخفى على أيّ واحد له أدنى تعلق بالشرع بأنّ ما رواه مخالف لقواعد الشرع ومقاصده.
( كذا قيل) أي انه قيل إنّ من يروي حديثا مخالفا لقواعد الشرع المشهورة والمعلومة ضروريا في الدين هو في حكم المتهم بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّ ذلك سبب لاتهامـه بوضـعه الحـديث وبكذبه على النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وَيُسَمَّى هَذَا الْقِسْمُ مَتْرُوكًا، كَمَا يُقَالُ حَدِيثُهُ مَتْرُوكٌ، وَفُلاَنٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الرَّجُلُ إِنْ تَابَ وَصَحَّتْ تَوْبَتُهُ وَظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الصِّدْقِ مِنْهُ جَازَ سَمَاعُ الْحَدِيثِ، وَالَّذِي يَقَعُ مِنْهُ الْكَذِبُ أَحْيَانًا نَادِرًا فِي كَلاَمِهِ غَيْرِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ فَذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍٍ فِي تَسْمِيَةِ حَدِيثِهِ بِالْمَوْضُوعِ أَوْ الْمَتْرُوكِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً
المتروك
(ويسمى هذا القسم) أي الحديث الذي رواه المتهم بالكذب ( متروكا، كما يقال حديثه متروك)
(و) قد يوصف به للراوي كما يقال (فلان متروك الحديث)
(وهذا الرجل) المتهم بالكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم والمشهور بالكذب في كلام الناس (إن تاب) عن الكذب في كلام الناس (وصحت توبته) أي دلّت القرائن بصحة توبته، (وظهرت أمارات الصدق منه) عطف تفسير، لبيان المراد بصحة التوبة، يعنى أنّ المراد بصحة التوبة هو ظهور أمارات تُصدِّقُ توبتَه، وذلك بأن لا يظهر منه الكذب بعد توبته، (جاز سماع الحديث) منه وروايته، وإن ظهر منه الكذب بعد توبته أيضا فلا يجوز سماع الحديث منه وروايته.
(والذي يقع منه الكذب أحيانا نادرا) تعمّدا (في كلامه غير الحديث النبوى) أي في كلام الناس، (فذلك) أي وقوع الكذب أحيانا نادرا في كلامه (غير مؤثر في تسمية حديثه بالموضوع) لأنه لم يثبت منه الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم (أو المتروك) لأنه لم يشتهر ولم يعرف بالكذب في كلام الناس، (وإن كانت) وقوع الكذب أحيانا ونادرا (معصية)، أمّا وقوع الكذب بدون تعمّد ولا معرفة فليس بمعصية.
وَ أَمَّا الْفِسْقُ
المتروك: قد سماه الحافظ الذهبي رحمه الله بالمطروح وجعله واسطة بين الضعيف والموضوع، كما تقدم، فقال في كتابه الموقظه: "المطروح ما انحط عن رتبـة الضعيف"، ثم مثل له بأسانيد توجد فيها المتروكون فقال:
"مثل عمر بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن عليّ
وكصدقة الدقيقي عن فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر
وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس
وحفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة
ثم قال: وأشباه ذلك من المتروكين والهلكى ، وبعضهم أفضل من بعض"[684]
الفسق
(وأمّا الفسق) وهوالوجه الثالث من وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة، الفسق معناه الخروج عن طريق الحق وعن طاعة الله تعالى.
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى : فسجدوا إلا ابليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه[685] "قوله فسق عن أمر ربه: يقول فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، كما قال الشاعر:
يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غائراً فوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائـرا
فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِسْقُ فِي الْعَمَلِ دُونَ الْاِعْتِقَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْبِدْعَةِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ الْبِدْعَةُ فِي اْلاِعْتِقَادِ، وَالْكَذِبُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلاً فِي الْفِسْقِ لَكِنَّهُمْ عَدُّوهُ أَصْلاً عَلَى حِدَةٍ لِكَوْنِ الطَّعْنِ بِهِ أَشَدَّ وَأَغْلَظَ
يعنى بالفواسق الإبل المنعدلة عن قصد نجد، وكذلك الفسق في الدين إنما هو الانعدال عن القصد، والميل عن الاستقامة.
ويُحكى عن العرب سماعا: فسقت الرطبة من قشرها، إذا خرجت منه، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها"[686]
والفسق أي الخروح عن الحق وعن طاعة الله تعالى يكون بفعل السيئة وباعتقاد البدعة، (فالمراد به) أي بالفسق هنا (الفسق في العمل) أي بارتكاب الأعمال السيئة (دون الاعتقاد) بالبدعة.
(فانّ ذلك) أي الفسق في الاعتقاد (داخل في البدعة) وسيأتي ذكر البدعة مستقلا. فالفسق في الاعتقاد يذكر في مبحث البدعة.
والبدعة أيضا تكون في العمل والاعتقاد (و) لكن (أكثر ما يستعمل البدعة في الاعتقاد) دون العمل.
(والكذب) سواء كان في كلام الناس أو في الحديث النبوي (وإن كان داخلا في الفسق) لأنهما أيضا خروج عن الحق وعن طاعة الله (لكنهم) أي المحدّثين (عدّوه) أي الكذب (أصلا) لا فرعا ولا قسما من الفسق (على حدة) أي ذكروه بخصوصه وعقدوا له مبحثا خاصا منفصلا عن مبحث الفسق، وسبب ذلك (لكون الطعن به) أي بالكذب (أشد وأغلظ) من أنواع الفسوق.
وَأَمَّا جَهَالَةُ الرَّاوِي فَاِنَّهُ اَيْضًا سَبَبٌ لِلطَّعْنِ فِي الْحَدِيثِ، لأََنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ اسْمُهُ وَذَاتُهُ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ وَأَنَّهُ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ كَمَا يَقُولُ حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَوْ أَخْبَرَنِي شَيْخٌ، وَيُسَمَّي هَذَا مُبْهَمًا، وَحَدِيثُ الْمُبْهَمِ غَيْرُ مَقْبُولٍ
جهالة الراوي
(وأما جهالة الراوي) وهو الرابع من وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة (فإنه أيضا سبب للطعن في) راوي (الحديث)، وذلك (لأنه) أي الراوي المجهول (لما) شرطية (لم يُعرف) بصيغة المجهول ( اسمه وذاته) كان (لم يُعرف حاله) أيضا، (و) إذا لم يُعرف حاله فلا يعرف (أنه ثقة أو غير ثقة) أي عدل أو غير عدل.
والراوية عن المجهول (كما يقول) الراوي (حدثني رجل) أو عن رجل (أو أخبرني شيخ) أو عن شيخ أي بدون ذكر اسمه (ويسمى هذا) الذي لم يُذكر اسمه (مبهما) بصيغة اسم المفعول (وحديث المبهم غير مقبول) فهو ضعيف، وذلك لعدم معرفة ثقة الراوي. ومثاله:
أ- حديث رواه الدارقطني بسنده عن هارون بن أبي فزعة عن رجل من آل حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي[687]
ب - حديث رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة قال: أخبرني شيخ من بجيلة قال: سمعت الشعبي يقول: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا يُصلّي الضحى ويُصلّي ما بين الظهر والعصر مع عقبة من الليل طويلة[688]
إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا لأَنَّهُمْ عُدُولٌ وَإِنْ جَاءَ الْمُبْهَمُ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ كَمَا يَقُولُ أَخْبَرَنِي عَدْلٌ أَوْ حَدَّثَنِي ثِقَةٌ فَفِيهِ اخْتِلاَفٌ، وَاْلأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ لأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلاً فِي اعْتِقَادِهِ لاَ فِي نَفْسِ اْلأَمْرِ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ
فإسناد كلّ من هذين الحديثين المذكورين أعلاه ضعيف وغير مقبول لأنّ في كلّ منهما راو مبهم لم يذكر اسمه، فلا يعرف اسمه ولا ذاته فضلا عن عدالته.
فلا يقبل رواية المبهم (إلا أن يكون صحابيا) فالمبهم الذي لم يُذكر اسمه إذا كان صحابيا، فتقبل روايته.
مثاله حديث رواه أحمد وغيره عن منصور عن هلال بن يساف عن القاسم بن مخيمرة عن رجل من أصحاب رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة[689]
ففي هذا الحديث صحابي مبهم ولم يذكراسمه، ولكن هذا الابهام بالصحابي ليس بضار، (لأنهم) أي الصحابة كلهم (عدول) عند أهل السنة والجماعة خلافا للرافضية والشيعة وغيرهما من بعض الفرق الضالة
(وإن جاء المبهم) في سند الحديث (بلفظ التعديل) والتوثيق أي بلفظ يدلّ على عدالته وثقته (كما يقول) الراوي عن المبهـم:(أخبرني عدل أو حدثني ثقـة) بدون ذكر اسمه.
(ففيه) أي في قبول ذلك الحديث (اختلاف) بين المحدّثين (والأصح أنه لا يقبل) وسبب عدم قبوله (لأنه) أي العدل المبهم الذي لم يُذكر اسمه (يجوز أن يكون عدلا في اعتقاده) أي في اعتقاد من روى عنه، (لا في نفس الأمر) أي في الواقع والحقيقة، حيث يجوز أن يكون غير عادل في نفس الأمر. (وإن قال ذلك) أي إذا عبّر عن المبهـم بلفظ
إِمَامٌ حَاذِقٌ قُبِلَ
التعديل والتوثيق، وقال أخبرني عـدل أو حدثني ثقة (إمام) أي من يتبع في هذا الفنّ (حاذق) أي ماهر (قبل) الحديث.
ومثال ذلك قول الإمام الشافعي رضي الله عنه: أخبرني الثقة عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسـلم صلّى بمنى ركعتيـن وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما[690]
فالإمام الشافعي رضي الله عنه لم يذكر اسم الشيخ الذي أخذ عنه هذا الحديث مباشرة، ولكن عبّر عنه بلفظ التعديل والتوثيق فقال "أخبرني الثقة"، فهذا الحديث مقبول بـدون مدافع، لأنه قال ذلك إمام حاذق ماهـر، ومتبع في هذا الفن وفي غيره، و هو الملقب بناصر الحديث.
جهالة العين والحال
اعلم: أنّ الجهالة بالراوي تكون على ثلاثة أنواع:
1- المبهم : وهو الذي ذكره المصنف رحمه الله، ويكون ذلك بعدم تسمية
الراوي، كما أسلفناه
2 - مجهول العين: وهو الذي ذكر اسمه ولكن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوثق
3 - مجهـول الحال: وهو الذي ذكر اسمه وروى عنه اثنان فصاعـدا، ولم
يوثـق ويقال عنه المسـتور.
.......................................... ................. ................. ....
والصحيح أنه لا تقبل رواية المجهول سواء كان مجهول العين أو مجهول الحال لأنه – كما في المبهم - لا يُعرف هل هو عدل أم لا، ولا تقبل الراوية إلا من العدل.
قال الإمام الآمدي رحمه الله: " مذهب الشافعي وأحمد ابن حنبل وأكثر أهل العلم أنّ مجهول الحال غير مقبول الرواية، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته، وكشف سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعدليه له، وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا"[691]
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة: " والتحقيق أنّ رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردّها ولا بقبولها، بل هو موقوفـة إلى استبانة حاله"[692]
قال الإمام الزركشي رحمه الله: " ذهب المحققون من أهل الحديث وغيرهم إلى التوقف عن الاحتجاج بهذا الضرب حتى تثبت عدالتهم. ممن ذهب إلى ذلك أبو حاتم الرازي، وأبو عيسى الترمذي"[693]
قال الإمام النووي رحمه الله: " المجهول أقسام: مجهول العدالة ظاهرا وباطنا، ومجهولها باطنا مع وجودها ظاهرا وهو المستور، ومجهـول العين، فأما الأول فالجمهور على أنه لا يحتج به، وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من المحققين"[694]
..................................................................................
قد ذهب جمع من المحدّثين إلى قبول رواية مجهول الحال وتوثيقه
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: " ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحـد من الرواة الذين تقادم العهـد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم"[695] .
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه الاقتراح: " وقد فُهِم من بعض أرباب الحديث أنه يطلق اسم الثقة على من لم يظهر فيه جرحه مع زوال الجهالة عنه، وهذا هو مستور الحال، وزاول الجهالة يرجع إلي العين. وقد يكـون الشخص غير مجهـول العين، ويكون مجهول الحال . فمن كان يرى هذا المذهب فتزكيته للراوي بكونه ثقـة لا تكفى عنـد من لا يقبل رواية المستور"[696].
وهذا هو مذهب الإمام ابن حبان رحمه الله، فإنه قال في كتابـه الثقات: العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده.
قال الحافظ العسقلاني رحمه الله في لسان الميزان: "وهذا الذي ذهب إليـه ابن حبان من أنّ الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبيّن جرحـه، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان رحمه الله في كتابه الثقات، فإنه وثق فيه خلقا ممن نصّ عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون"[697]
...................................................................................
ومن ثمّ اختلف بين الإمام ابن حبان رحمه الله وغيره في تصحيح وتضعيف عديد من الأحاديث.
ومن ذلك حديث رواه ابن حبان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم اقرءوا على موتاكم يس.
فهذا الحديث صحّحه ابن حبان وضعّفه النووي والدراقطني والعسقلاني وغيرهم[698]، وسب ذلك أنّ أبا عثمان هو مجهول عندهم[699].
فراوية المجهول مقبول عند ابن حبان ولذا صحّحه، وغير مقبول عند غيره، ولذا ضعّفوه، ولكن لم يضعفه أبو داود، فهو صحيح عنده.
رواية المجهولين في الصحيحين؟
وقعت في الصحيحين الرواية عن بعض المنسوبين إلى الجهالة.
قال الإمام الزكشي رحمه الله: "وقد استشكل بما في الصحيحين من الرواية عن جماعة نسبوا للجهالة، ففي الصحيحين من طريق شعبة عن عثمان بن عبد الله بن موهب، وابنه محمد بن عثمان، كلاهما عن موسى بن طلحة عن أبي أيوب رضي الله عنه: أنّ رجلا قال للنبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، أخبرني عن عمل يُدخلني الجنة، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة وتصل الرحم[700]. و قالوا محمد بن عثمان مجهول.
...................................................................................
وكذلك أخرج الإمام مسلم رحمه الله عن أبي يحيى مولى آل جعدة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم عاب طعاما قط، كان إذا اشتهاه أكله، وإن لم يشته سكت[701] وأبو يحيى مجهول العين.
والجواب: انه لم يقع الاحتجاج برواية من ذكر على الاستقلال، وأمّا محمّد بن عثمان فلم يخرج له إلا مقرونا بأبيه عثمان، وأبوه هو العمدة في الاحتجاج، وكذلك أبو يحيى إنما أخرجه حديثه متابعة، فإنّ مسلما رواه أيضا من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط، كان إذا اشتهي شيئا أكله، وإن كرهه تركه[702]، فصار حديث أبي يحيى متابعة"[703]
فلم يخرج الشيخان في صحيحيهما عن المنسوبين إلى الجهالة إلا للمتابعـة.
الجهالة عن الصحابي
وقد ذكرنا أنّ الحديث لا يقبل إذا كان راويه مجهولا، وذلك إذا لم يكن هو صحابيا، وإن كان صحابيا فلا تضرّ جهالته.
مثاله: ما رواه مسلم وغيره عن طريق ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم من الأنصار أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.
...................................................................................
ففي هذا الحديث قد أبهم الصحابيّ ولم يذكر اسمه، ومـع ذلك، الحديث مقبـول وصحيـح، لأنّ الصحابة كلهم عـدول، فلا يضرّ جهالتهم، هذا هو مذهب أهل السـنة والجماعـة.
وقال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله: " الأكثر من العلماء السلف والخلف على عـدالة الصحابة، فلا يبحث عنها، في رواية ولا شهادة، وقيل هم كغيرهم، فيبعث عن العدالة فيهـم، وقيل هم عدول إلى حين قتل عثمان رضي الله عنـه لوقوع الفتن بينهم من حينئذ، وقيل هم عدول إلا من قاتل عليا رضي الله عنه لخروجهم عن الإمام الحق"[704]
وقد استدل الإمام الآمدي رحمه الله بعديد من الأدلة لإثبات
مذهب الجمهور وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فقال:
"والمختار انما هو مذهب الجمهور من الأئمة، وذلك بما تحقق من الأدلة الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم، فمن ذلك قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا"[705] أي عدولا، وقوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"[706]، وهو خطاب مع الصحابة الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها قوله صلىّ
...................................................................................
الله عليه وسلّم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"[707]، والاهتـداء بغير عدل محال، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختار لى أصحابا وأصهارا وأنصارا"[708] واختيار الله تعالى لا يكـون لمن ليس بعـدل، ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصـرتهم للرسول صلى الله عليه وسـلم، والهجرة إليه، والجهاد بين يديـه، والمحافظة على أمور الدين، واقامة القوانيـن، والتشـدد في امتثال أوامر الشرع ونواهـيه، والقيام بحدوده ومراسيمه، حتى انهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين واستقام، ولا أدلّ على العدالة أكثر من ذلك"[709]
وقد يستدلّ على عدالة الصحابة رضي الله عنهم بقوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجريـن والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهـم ورضوا عنه[710]"
وفي هذه الآية إشعار علىَ رِضىَ الله تعالى عنهم، فهو شهادة منه على عدالتهم، لأنه تعالى لا يرضى الفاسقين، لقوله تعالى: فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين[711]
وَأَمَّا الْبِدْعَةُ فَالْمُرَادُ بِهِ اِعْتِقَادُ أَمْرٍ مُحْدَثٍ عَلَى خِلاَفِ مَا عُرِفَ فِي الدِّينِ وَمَا جَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَتَأْوِيلٍ لاَ بِطَرِيقِ جُحُودٍ وَإِنْكَارٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ
البدعة
(وأمّا البدعة) وهو الوجه الخامس من وجوه الطعن المتعلقة بالعـدالة (فالمراد به) أي بالبدعة هنا هو (اعتقاد) مشروعية (أمر محدث) بصيغة المجهول (على خلاف ما عرف) مشروعيته (في الدين) الإسلامي (و) على خلاف (ما جاء من رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم وأصحابه) رضي الله عنهم (بنوع شبهة وتأويل) للآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى وردت على خلاف اعتقادهم، فيؤوّلها صاحب البدعة حتى توافـق اعتقاده كما أوّلت المعتزلة والمرجئة والخوارجـة والجهمية وغيرها عديـدا من الآيات القرآنيـة وكثيرا من الأحاديث النبويـة (لا بطريق جحود وإنكار) للآيات والأحاديث أي لم يعتقـد أمرا محدثا على طريق الججود والإنكار، بل اعتقده على طريـق التأويـل.
وإن اعتقـده على طريق الجحـود والإنكار فلا يكون مبتدعا بل يكون كافرا (فإنّ ذلك) أي اعتقاد أمر محدث على طريق جحود وإنكار (كفر)
وَحَدِيثُ المُبْتَدِعِ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ,
هل تقبل رواية المبتدع؟
اختلف العلماء في قبول روية المبتدع إلى عدة أقوال:
1- (وحديث المبتدع) أي الحديث الذي رواه المبتدع (مردود) لا يقبل مطلقا، فلا يقبل حديثه أيّ حال من الأحوال، سواء كان صدوقا ورعا تقيا أم لا؟ هذا هو الراجح (عند الجمهور) من المحدّثين القدماء المتشدّدين، قال ابن سيرين رحمه الله: "لما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤحذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"[712]
وذلك لأنّ البدعة هو فسق في الاعتقاد، فالمبتدع هو فاسق، ولا تقبل رواية المبتدع، لقوله تعالى: "إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبيوا"[713].
وهذا القول برفض روايةِ المبتدعـة مطلقا ليس بصحيح لأنّ الشيخين قـد رويا عن المبتدعة كثيرا في صحيحهما، وقد تلقاها المسلمون بدون نكير، بل أجمعوا على قبولها.
وقال الإمام النووي رحمه الله: "ضعّف هذا القول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة"[714] "كعمران بن حطان، وداود بن قيس وغيرهما، وقال الحاكم: وكتاب مسلم ملآن من الشيعة"[715]
وَعِنْدَ الْبَعْضِ إِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَصِيَانَةِ اللِّسَانِ قُبِلَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِأَمْرٍ مُتَوَاتِرٍ فِي الشَّرْعِ وَقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُقْبَلُ وَإِنْ كَفَّرَهُ الْمُخَالَفُونَ.
2- (و) الراجح (عند البعض) من المحدّثين المتساهلين في قبول رواية الحديث (إن كان) المبتدع (متصفا) بالعـدالة و(بصدق اللهجة) أي اللسان، أي هو صادق في أقواله (وصيانة اللسان) عن الكذب، أي لا يُجوّز الكذب على النبيّ صلىّ الله عليه وسلمّ، ولا يكذب عليه ولا هو متهم فيه، ولا هو معروف بالكذب في أقوال الناس (قبل) حديثه.
فإذا كان متصفا بهذا الوصف فلا يضرّ عندهم في قبول حديثه كونه داعيا إلى بدعته ومروجا لها، ولا كون مرويه موافقا لبدعته ومقوّيا لها، كما لا يضرّ كونه منكرا لما عرف من الشرع ضررويا، ولا كون بدعته مما يفضي إلى الكفر والتكفير، لأنّ المقصود في الرواية هو الصدق، فإذا حصل ذلك فهو الكافي، سواء كان من مسلم أو كافر.
3- (وقال بعضهم إن كان) المبتدع (منكرا) عن طريق تأويل وشبهة لا عن طريق جحـد وإنكار (لأمر متواتر في الشرع وقد علم بالضـوروة كونه) أي كون ذلك الأمر (من الديـن) كالصلوات الخمس وصيام رمضان والحج وختم النبـوة وغير ذلك مما يعرفه الجميع أنه من الدين الإسلامي (فهو) أي حديث ذلك المبتدع (مردود) لايقبل.
(وإن لم يكن) المبتدع (بهذه الصفة يقبل) يعني أنّ المبتدع إذا كان ينكر ما عرف من الشرع ضروريا ومتواترا فحديثه مردود و إلا يقبل (وإن كفّره المخالفون) كما أنّ أهل السنة يكفرون المجسمة.
مَعَ وُجُودِ ضَبْطٍ وَوَرَعٍ وَتَقْوى وَاحْتِيَاطٍ وَصِيَانَةٍ
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة: " التحقيق أنه لا يردّ كل مكفر ببدعته لأنّ كلّ طائفة تدعى أنّ مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف"[716]
فيقبل حديثه لكن (مع) شرط ( وجود ضبط) في حديثه (وورع وتقوى) في دينه (واحتياط وصيانة) في روايته.
وإذا كان كذلك فلا يضرّ كونه داعيا إلى بدعته ومروجا لها، ولا كون مرويه موافقا لبدعته ويقويها، لأنّ المقصود هوصدقه، فإذا حصل صدقه جاز الرواية عنه فلا اعتبار ببدعته.
ولذا قال الحافظ الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال عند ترجمة أبان بن تعلب الكوفي:" شيعي جلد لكنه صدوق فلنا صدقه وعليه بدعته" .
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: "والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الراوية، إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعـة ، فإذا اعتقدنا ذلك ، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى فقد حصل معتمد الرواية"[717]
قال الإمام الزركشي رحمه الله: "هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه حيث يقبل شهادة أهل الأهواء، قال: وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدّثون والحكام"[718]
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَتِهِ وَمُرَوِّجًا لَهُ رُدَّ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قُبِلَ إِلاَّ أَنْ يَرْوِيَ شَيْئًا يُقَوِّي بِهِ بِدْعَتَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ قَطْعًا
4- (والمختار) أي الراجح من الأقوال في قبول رواية المبتدع (انه) أي المبتدع (إن كان داعيا) يدعو الناس (إلى بدعته) وهواه واعتقاده الفاسد (ومروّجا له) أي ناشرا بدعته بين الناس، (رد) فلا يقبل حديثه، لأنه لا وثوق به حينئذ.
هذا هو مذهب كثير من العلماء.
وقال ابن الصلاح رحمه الله: " قال قوم تقبل روايته إذا لم يكن داعية، ولا تقبل إن كان داعية، هذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء"[719]
وهذا هو أيضا مذهب الإمام مالك رحمه الله وقال: "لا يأخذ حديث رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه"[720]
(وإن لم يكن كذلك) أي إن لم يكن داعيا إلى بدعته ومروّجا له (قبل) حديثه، لكن بشرط كونه متصفا بصـدق اللهحة وعدم إنكاره أمـرا متواترا من الشـرع معلوما من الدين بالضرورة (إلا أن يروي شيئا) من الحـديث (يقوّي) أي يؤيّد (به) أي بالشيئ الذي يرويه (بدعته) بأن يكون ظاهر الحديث الذي رواه موافقا لبدعته واعتقاده الفاسدة، كما يروي الرافضي حديثا في مدح أهل البيت (فهو) أي فإذا روى حديثا يقويّ به بدعته فحديثه (مردود قطعا) سواء كان صدوقا أم لا؟
...................................................................................
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "هذا في الأصح، وأغرب ابن حبان فادّعى الاتفاق على قبول غير الداعية من غير تفصيل، نعم الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن روى ما يقوّي بدعته، فيردّ على المذهب المختار، وبه صرّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوجزاني شيخ أبي داود، والنسائي، "في كتاب معرفة الرجال فقال في وصف الرواة: منهم زائغ عن الحق أي عن السنة صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا إذا لم يقو به بدعته انتهي. وما قاله متجه، لأنّ العلة التى بها يردّ حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية "[721]
وذهب الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله إلى وجوب رواية حديث المبتدع الداعية إلى بدعته إذ لم يوجد ذلك الحديث من وجه آخر، فقال في كتاب الاقتراح: "إنا نرى أنّ من كان داعية لمذهبه ومتعصبا له، متجاهرا بباطله أن تترك الرواية عنه إهانة له وإخمادا لبدعته، فإنّ تعظيم المبتدع تنويه لمذهبه. اللهم إلا أن يكون ذلك الحديث غير موجود لنا إلا من جهته، فحينئذ تقدم مصلحة الحديث على مصلحة إهانة المبتدع"[722]
وهذا القول للإمام ابن دقيق العيد رحمه الله مبني على مذهبه بصحة حديث المبتدع الداعية إلى بدعته، وبعـدم الفرق بين الداعية وغيره في قبول الرواية، ولكن ترك الراوية عن الداعية - عند وجود طرق أخرى – لا لضعفه ولا لعدم صحته ولا لكونه مردودا في نفسه، بل إهانة للمبتدع وإخمادا لبدعته، ولذا قال برواية حديثه حيث تفرّد به.
وَبِالْجُمْلَةِ اْلأََئِمَّةُ مُخْتَلِفُونَ فِي أَخْذِ الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَاْلأَهْوَاءِ وَأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الزَّائِغَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ
وقد ذهب الإمام الزركشي رحمه الله إلى تأييد هذا المذهب، وذلك في تعقيب له على قول ابن الصلاح: "وفي الصحيحين الرواية عن المبتدعة غير الدعاة"، فقال: "بل والدعاة، منهم عمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا من أكبر الدعوة إلى البدعة، أخرج عنه البخاري، وزعم جماعة أنه من دعاة الشراة. ومنهم عبد الرحمن بن عبد الرحمن، أخرج له الشيخان، وقال فيه أبو داود السجستاني : كان داعية إلى الإرجاء، وغير ذلك، فالظاهر أنه لا فرق"[723]
(وبالجملة الأئمة) من المحدّثين والفقهاء والأصوليين (مختلفون في) أمر (أخد الحديث) وقبول الرواية (من أهل البدع والأهواء) أي الذين يتخدون البدعة وفقا لهوى النفس (وأرباب) أي أهل (المذاهب الزائغة) أي الباطلة والضالة، عطف تفسير لأهل البدع والأهواء.
(وقال) الإمام العلامة الحافظ مجد الدين ابن الأثير (صاحب) كتاب (جامع الأصول) في أحاديث الرسول[724]، (أخذ جماعة من أئمة الحديث) كأصحاب الصحاح الستة
مِنْ فِرْقَةِ الْخَوَارِجِ وَالْمُنْتَسبِينَ إِلَى الْقَدْرِ وَالتَّشَيُّعِ وَالرَّفْضِ وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْبِدَعِ وَاْلأَهْوَاءِ، وَقَدْ احْتَاطَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ وَتَوَرَّعُوا مِنْ أَخْذِ حَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ نِيَّاتٌ اِنْتََهَى
(من فرقة الخوارج والمنتسبين إلى القدر والتشيع والرفض وسائر أصحاب البدع والأهواء وقد احتاط جماعـة آخرون وتورعوا من أخذ حديث من هذه الفرق) المبتدعة (ولكلّ منهم) أي كلّ من الجماعتين من الأئمة (نيات) في قبول رواية المبتدع ورفضها وعـدم قبولها، فأمّا الذين قبلوا روايـة المبتدع نووا إثبات أحكام الديـن وإن كان من المبتدع إذا لم يثبت عنهم الكذب، لأنّ الصدق هو المقصود، والذين لم يقبلوا رواية المبتدع هم نووا الورع والاحتياط، ذبا ودفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ملته السمحة، فكلّ من الجماعتين يعملون وفقا لنياتهم فلهم ثواب من الله لنياتهم الحسنة، وقال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: إنما الأعمال بالنيات (انتهي) كلام صاحب جامع الأصول.
وقال أيضا في جامع الأصول:" روايات المبتدعة وأصحاب الأهـواء، وهي عند أكثر أهل الحديث مقبولة، إذا كانوا صادقين، فقد أخرج البخاري في صحيحه، عن عباد بن يعقوب وكان أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقـول: حدثني الصدوق في روايته المتهم في دينه: عباد بن يعقوب، وأخرج البخاري أيضا في صحيحه عن محمد بن زياد، وحريز بن عثمان، وهما مشهوران بالنصب[725]، وأخرج هو ومسـلم في كتابيهما عن أبي معاويـة محمد بن خازم، وعن عبيد الله بن موسى وقد اشتهر عنهما الغلوّ[726]
وَلاَ شَكَّ أَنَّ اَخْذَ الْحَدِيثِ مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ يَكُونُ بَعْدَ التَّحَرِّي وَاْلاِسْتِصْوَابِ، وَمَعَ ذَلِكَ الاِحْتِيَاطُ فِي عَدَمِ اْلأَخْذِ، لأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْفِرَقِ كَانُوا يَضَعُونَ الأَحَادِيثَ لِتَرْوِيجِ مَذَاهِبِهِمْ، وَكَانُوا يُقِرُّونَ بِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالرَّجُوعِ، وَاللهُ اَعْلَمُ
(ولا شك أنّ أخذ الحديث) وروايته (من هذه الفرق) المبتدعة (يكون) أخذ الحديث منهم (بعد التحري) أي بعد الطلب هل هو أحرى وأجدر بالقبول (والاستصواب) أي بعد الطلب هل ذلك الحديث صواب أم لا؟.
يعنى أنّ الأئمة الذين جوّزوا أخذ الحديث من المبتدعة لا يُجوّزونه إلا بعد التحرى و طلب حقيقة الحال.
(ومع ذلك) أي مع جواز الأخذ عنهم بعد التحرى والاستصواب (الاحتياط في عدم الأخذ) عنهم (لأنه) أي الشأن ( قد ثبت أن ّهؤلاء الفرق) المبتدعة (كانو يضعون) ويخترعون (الأحاديث) وينسبونها إلى النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم ويروونها (لترويج ) أي لنشر (مذاهبهم ) الفاسدة كما أسلفناه.
(وكانوا) أي المبتدعة (يقرّون به) أي بوضع الحديث وترويجه ( بعد التوبة) عن البدعة (والرجوع) إلى عقيد أهل السنة والجماعة، كما أسلفناه (والله أعلم)
...................................................................................
الملحق بالمبتدع
قال الإمام السيوطي رحمه الله في تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي:
"من الملحق بالمبتدع من دأبه الاشتغال بعلوم الأوائل كالفلسفـة والمنطق، صرح بذلك السلفي في معجم السفر، والحافظ أبو عبد الله بن رشيد في رحلته. فإن انضم إلى ذلك اعتقاده بما في علم الفلسفـة من قدم العالم ونحوه فهو كافر، أو لما فيها مما ورود الشرع بخلافه، وأقام الدليل الفاسـد على طريقهم فلا نؤمن ميله إليهم، وقد صرح بالحط على من ذكر وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابن الصلاح في فتاواه، والمصنف – يعنى الإمام النووي رحمه الله- في طبقاته، وخلائق من الشافعيـة وابن عبد البر وغيره مـن المالكية، خصوصا أهل المغرب، والحافظ سـراج الدين القزويني وغيره من الحنفيـة وابن تيمية وغيره من الحنابلة، والذهبي لهج بذلك في جميع تصانيفـه"[727]
فإذا كان من يشتغل بالمنطق والفلسفة ملحقا بالمبتدع فيكون في قبول روايتـه أيضا الخلاف المذكور في قبول رواية المبتدع، فيكون المختار – على ما سبق- انه تقبل روايته إذا كان ثقـة صدوقا، ولم يكن داعيا إلى آراء الفلاسـفة ومروجا لها، إلا اذا روى شيئا يؤيد ويقوى به آراء الفلاسفة.
(فصل) في وجوه الطعن المتعلقة بالضبط
فَصْلٌ: وَ أَمَّا وُجُـوهُ الطَّعْنِ الْمُتَعَلّقَةُ بِالضَّبْطِ فَهِيَ أَيْضًا خَمْسَـةٌ، أَحَدُهَا فَرَطُ الغَفْلَةِ، وَثَانِيهَا كَثْرَةُ الْغَلَطِ، وَثَالِثُهَا مُخَالَفَةُ الثِّقَاتِ، وَرَابِعُهَا اَلْوَهْمُ، وَخَامِسُهَا سُوءُ الْحِفْظِ
(وأما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط) أي الحفظ، يقال ضبطه ضبطا وضابطة أي حفظه بالحزم[728] (فهي أيضا) أي كما كانت وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة خمسة (خمسة).
(أحدها: فرط الغفلة) أي مجاوزة الحد فيها عند تحمل الحديث وسماعه
(وثانيها: كثرة الغلط) أي وقوع الخطأ كثيرا عند رواية الحديث وإسماعـه والتحـدث به.
(وثالثها: مخالفة الثقات) أي رواية حديث بحيث يخالف لما رواه الثقة أو الثقات
(ورابعها: الوهم) أي الشـكّ أو الظنّ، فيتردّد، فيروى الحـديث بناء علـى ما رجح عنـده.
(وخامسها: سوء الحفظ) أي عدم الصيانة عن التغيير والضياع من القلب الذي حفظه أو من الكتاب الذي كتب فيه.
وفيما يلى بيان كلّ من هذه الوجوه الخمسة مفصلا:
أَمَّا فَرْطُ الْغَفْلَةِ وَكَثْرَةُ الْغَلَطِ فَمُتَقَارِبَانِ، فَالْغَفْلَةُ فِي السَّمَاعِ وَتَحَمُّلِ الْحَدِيثِ وَالْغَلَطُ فِى اْلإسْمَاعِ وَاْلأَدَاءِ
فرط الغفلة وكثرة الغلط
(وأماّ فرط الغفلة) من الراوي: وهو الوجه الأول من وجـوه الطعن المتعلقة بالضبط (وكثرة الغلط) وهو الوجه الثاني منها، (فمتقاربان) في المعنى، ولكن هناك فرق بينهما في استعمال المحدّثين
(فالغفلة) تستعمل (في) الذهول الذي يقع عند (السماع) أي سماع الحديث بنفسه عن شيخه (وتحمّل الحديث) أي تلقى الحديث من شيخه
(والغلط) يستعمل (في) الذهول الذي يقع عند (الإسماع والأداء) أي إسماع الحديث وروايته وإلقاءه وإملاءه لتلاميذه
والحديث الذي رواه كثير الغفلة والغلط يكون ضعيفا وغير مقبول، لعـدم الضبط الذي هو شرط لكون الحديث صحيحا، فلا يحتج بحديثه، ولكن يكتب للاعتبار، ويجوز روايته في الترغيب والترهيب والآداب إذا كان صدوقا.
قال الحافظ ابن أبي حاتم رحمـه الله في مقدمـة كتابه الجرح والتعديل: "الصدوق الورع المغفـل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهـذا يكتب من حـديثه الترغيب والترهيب والزهـد والآداب، ولا يحتج بحديثـه في الحلال والحرام"[729]
...................................................................................
ومثاله: حديث رواه الإمام الترمذي رحمه الله في جامعه من طريق مجـالد عن الشعبي عن جرير قال: قال النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم: إذا أتاكم المصـدق فلا يفارقنكم إلا عـن رضى.
فهذا حديث إسناده ضعيف، إذ فيه مجالد بن سعيد، وقال الترمذي: وقد ضعّفه بعض أهل العلم وهو كثير الغلط[730]
ولكن مجالد يكتب حديثه للاعتبار والمتباعة.
ولذا قد أخرج له مسلم رحمه الله في صحيحه مقرونا بالآخـرين، فقال: حدثني زهير بن حرب حدثنا هشيم أخبرنا سيار وحصين ومغيرة وأشعث ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلهم عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألها عن قضاء رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم، فقالت طلقها زوجُها البتة، فخاصمته إلى رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم في السكنى والنفقـة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن اعتـد في بيت ابن أم مكتوم [731]
ومن المغفليـن أوالمخطئين في الروايـة كثيرا: حجاج بن أرطاة[732]، ومحمد بن مصعب بن صدقة[733]، و أسباط بن نصر الهمداني[734]، وأمثالثهم .
وَمُخَالَفَةُ الثِّقَاتِ فِي اْلإِسْنَادِ أَوْ الْمَتْنِ يَكُونُ عَلَى أَنْحَاءِ مُتَعَدِّدَةٍ، تَكُونُ مُوجِبَةً لِلشُّذُوذِ، وَجَعْلُهُ مِنْ وُجُوهِ الطَّعْنِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالضَّبْطِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى مُخَالَفَةِ الثِّقَاتِ إِنِّمَا هُوَ عَدَمُ الضَّبْطِ وَالْحِفْظِ وَعَدَمِ الصِّيَانَةِ عَنِ التَّغَيّرِ وَالتَّبْدِيلِ
مخالفة الثقات
(و) أمّا (مخالفة الثقات) وهو الوجـه الثالث من وجوه الطعن المتعلقـة بالضبط تقع (في الإسناد أو) تقع (في المتن) كزيادة أو نقصان أو تبديل أو تصحيف أو تغيير أو غير ذلك، وهكذا (يكون) المخالفة (على أنحاء متعددة).
وهذه المخالفة (تكون موجبة للشذوذ) فيكون الحديث بها شاذا كما ذكرنـاه في مبحث الشاذ.
(وجعله) أي سبب جعل هذه المخالفة وجها (من وجـوه الطعن المتعلقة بالضبط) هو (من جهة) أي من حيثيـةِ (أنّ الباعث) أي الحامـل (على مخالفة الثقات) في الرواية (إنما هو) أي الباحث (عدم الضبط والحفظ ) عطف تفسير (وعدم الصيانة) وهو أيضا عطف التفسير (عن التغير و التبديل) يعنى أنّ السبب لمخالفة الثقات هو عدم الضبط، ولذا جعلت تلك المخالفـة وجها من وجـوه الطعن المتعلقة بـه.
وقد تقـدم الأمثلة لمخالفة الثقات في مبحث الشـاذ.
وَالطَّعْنُ مِنْ جِهَةِ الْوَهْمِ وَالنِّسْيَانِ اللَّذَيْنِ أَخْطَأَ بِهِمَا وَرَوى عَلَى سَبِيلِ التَّوَهُّمِ، إِنْ حَصَلَ اْلاِطِّلاَعُ عَلَى ذَلِكَ بِقَرَائِنَ دَالَّةٍ عَلَى وُجُوهٍ وَعِلَلٍ وَأَسْبَابٍ قَادِحَةٍ كَانَ الْْحَدِيثُ مُعَلَّلاً، وَهَذَا أَغْمَضُ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَأَدَقُّهَا
الوهم والنسيان
(والطعن من جهة الوهم) وهو الوجه الرابع من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط (والنسيان) أي الذهول (اللذين أخطأ) الراوي في رواية الحديث (بهما) أي بسب الوهم والنسيان (وروى) الحديث (على سبيل التوهم)، يعنى أنّ الراوى إذا نسي الحديث فيرويه توهما منه فيقع في الخطأ.
وقد يعسر الاطلاع على هذا الخطأ الذي وقع بسبب الوهم والنسيان، و (إن حصل الاطلاع) والمعرفة (على ذلك) الخطأ (بقرائن) أي بعلامات ( دالة على وجوه) من الضعف في الحديث (و) على (علل) وقعت فيه (و) على (أسباب قادحة) لصحته، كرفع الموقوف وإيصال المرسل وغير ذلك من العلل (كان الحديث معلّلا) وقد سبق بيان المعلّل في مبحثه.
(وهذا) أي الاطلاع على هـذا الخطأ الذي وقع بسبب الوهـم والنسيان كما في غير ذلك مـن العلل (أغمض) أي أخف (علوم الحـديث وأدقها) عطف تفسير لأغمض.
وَلاَ يَقُومُ بِهِ إِلاَّ مَنْ رُزِقَ فَهْمًا ثَاقِبًا وَحِفْظًا وَاسِعًا وَمَعْرِفَةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ وَأَحْوالِ اْلأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ كَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَرْبَابِ هَذَا اْلفَنِّ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَي الدَّارَ قُطنِيِّ، وَيُقَالُ لَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ مِثَْلُهُ فِي هَذَا اْلأَمْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
(ولا يقوم به) أي بالاطلاع على هذا الخطأ كما في غيره من العلل (إلا من رزق) من الله تعالى (فهما ثاقبا) أي نافذا (وحفظا واسعا) للأسانيد والمتون (ومعرفة تامة بمراتب) أي بدرجات (الرواة) في العدالة والضبط (و) معرفة تامة عن (أحوال الأسانيد، و) أحوال (المتون) في الصحة والضعف (كالمتقدمين من أرباب هذا الفنّ) أي فنّ الحديث، يعنى القدماء من المحدّثين (إلى أن انتهى) من يعرف ذلك (إلى) الإمام الحافظ أبو الحسن علي (الدراقطني)[735] منسوب الى دار القطن، قال الياقوت الحموي في معجم البلدان: "دار القطن محلة كانت ببغداد، ينسب إليها الحافظ الإمام أبو الحسن علي الدراقطني"[736]
(ويقال لم يأت) من يعرف ذلك ( بعده) أي بعد الدارقطني (مثله) أي من يساويه (في هذا الأمر) أي في أمر علم الحديث ومعرفة علله (والله أعلم)
إذا غلب الوهم على الراوي يكون حديثه ضعيفا، ولا يحتج به، ولكن إذا كان صدوقا يكتب حديثه، في الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في إثبات الأحكام الشرعية، كما سبق ذلك عن ابن أبي حاتم رحمه الله[737]
...................................................................................
وإن وقع منه الوهم في بعض الأحوال فيكون حديثه نازلا عن الصحيح وداخلا في قسم الحسن، وإن كان يقع منه الوهم نادرا فلا ضرر بذلك، بل يكون حديثه صحيحا اتفاقا.
أنواع الوهم
اعلم أنّ الوهم قد يقع في السند وقد يقع في المتن وقد يقع في كليهما معـا، وفيما يلي أمثلة من الأوهام:
1- الوهم في السند:
ومن أمثلته:
أ- حديث رواه الدارقطني وغيره عن طريق عبد الملك الذماري عن سفيان الثوري عن هشام صاحب الدستوائي عن يحي بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ردّ نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما وهما كارهتان.
هكذا رواه الذماري متصلا، ولكنه في الحقيقـة هو مرسـل، فوقـع فيه وهم بإيصال المرسل.
فقال الإمام الدارقطني رحمه الله: هذا وهم من الذماري وتفرّد بهذا الإسناد، والصواب عن يحي بن أبي كثير عن المهاجر عن عكرمة مرسل، وهم فيه الذماري عن الثوري، وليس بالقوي[738].
...................................................................................
ب - حديث رواه أبوداود عن طريق وكيع قال حدثني داود بن سوار المزني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: إذا زوّج أحدكم خادمه أو عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة، وقع في إسناده وهم حيث ذكر داود بن سوار تصحيفا عن سوار بن داود، وقال أبو داود: وصوابه سوار بن داود المزني، وهم فيه وكيع[739] .
2- الوهم في المتن:
ومن أمثلته:
أ - حديث رواه ابن حبان رحمه الله عن طريق إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت خاتمه صلى الله عليه وسلم عند كتفه مثل بيضـة النعامـة يشبه جسده
قال ابن حبان رحمه الله: إنّ هذه اللفظة مثل بيضـة النعامة وهم فيه إسرائيـل إنما هو مثل بيضة الحمامة[740]
ب – حديث رواه الشيخان عن طريق ابن شهاب الزهري قال حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى في يـد رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إنّ الناس اصطنعوا الخواتيم، من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم[741].
...................................................................................
وقد وهم فيه ابن شـهاب الزهري رحمه الله حيث قال خاتما من ورق، بـدلا عن أن يقول خاتما من ذهب.
قال الإمام النووي رحمه الله في شـرح مسـلم تبعا للقاضـي عياض رحمه الله: "قال جميع أهل الحديث هذا وهم من ابن شهاب لأنّ المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، فوهـم من خاتم الذهب إلى خاتم الورق، والمعروف من روايات أنس من غير طريق ابن شهاب اتخاذه صلىّ الله عليه وسلّم خاتما من فضة، ولم يطرحـه ، وإنما طرح خاتم الذهب كما ذكره مسلم في باقي الأحاديث. ومنهم من تأوّل حديث ابن شهاب وجمع بينه وبين الروايات فقال: لما أراد النبيّ صلىّ الله عليه وسـلّم تحريم خاتم الذهب اتخـذ خاتم فضة، فلما لبس خاتم الفضة أراه الناس في ذلك اليوم ليعلمهم إباحتـه، ثم طرح خاتم الذهب وأعلمهم تحريمه، فطرح الناس خواتيمهم من ذهب، فيكون قوله طرح الناس خواتيمهـم أي خواتيم الذهب، وهذا التأويـل هو الصحيـح، وليس في الحديث ما يمنعه"[742]
3- الوهم في السند والمتن جميعا:
ومن أمثلته:
أ- حديث رواه الدارقطني رحمه الله من طريق أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة رضي الله عنه قال: سمعت النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم يقول: "اشربوا في المزفت ولا تسكروا".
قال الدارقطني رحمه الله: وهم فيه أبو الأحوص في إسناده ومتنه، وقال غيره عن سماك عن القاسم عن ابن بردة عن أبيه: "ولا تشربوا مسكرا"[743]
وَأَمَّا سُوءُ الْحِفْظِ فَقَالُوا إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لاَ يَكُونَ إِصَابَتُهُ أَغْلَبَ عَلَى خَطَئِهِ، وَحِفْظُهُ وَاِتْقَانُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَهْوِهِ وَنِسْيَانِهِ، يَعْنِي إِنْ كَانَ خَطَؤُهُ وَنِسْيَانُهُ أَغْلَبَ أَوْ مُسَاوِيًا لِصَوَابِهِ وَإِتْقَانِهِ كَانَ دَاخِلاً فِي سُوءِ الْحِفْظِ
ب- حديث رواه البيهقي من طريق يحيى بن سليم، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، انّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال:"الولاء لحمة كلحمـة النسب لا يباع ولا يوهب".
قال الإمام البيهقي رحمه الله: هذا وهم من يحيى بن سليم أو من دونه في الإسناد والمتن جميعا، فإنّ الحفاظ إنما رووه عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أنه نهي عن بيع الولاء وعن هبته[744]
سوء الحفظ
(وأمّا سوء الحفظ) وهو الوجه الخامس من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط (فقالوا) أي المحدّثون (إنّ المراد به) أي بسوء الحفظ المذكور في وجوه الطعن (أن لا يكون إصابته) أي إتيان الراوي الصواب في روايته (أغلب على خطئه) أي أن لا يكون إتيانه بالصواب أكثر من إتيانه بالخطأ (و) أن لايكون (حفظه وإتقانه) في روايتـه (أكثر من سهوه ونسيانه) هذه الجملة مفسرة للجملة التى قبلها (يعنى) بهذا القول: أنّ الراوي (إن كان خطئه ونسيانه أغلب) أي أكثر من صوابه وإتقانه (أو مساويا لصوابـه وإتقانه) أي إن كان إتيان الراوي بالصواب وإتيانه بالخطأ سويا، ولا غلبة ولا كثرة لأيّ واحد منهما (كان) ذلك الراوى (داخلا في سوء الحفظ) أي متصفا به.
فَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ صَوَابُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَتُهُمَا
وإن كان صوابه غالبا وإتقانه كثيرا فلا خلاف في قبول حديثه وصحته (فالمعتمد) أي الشيء الذي يعتمد (عليه) في صحة رواية الحديث وقبوله هـو (صوابه وإتقانه وكثرتهما) وغلبتهما، فلا يقدح وقوع الخطأ والنسيان أحيانا، ولا يضرّ بذلك، لأنّ النسيان من طبيعـة الإنسان، حتى يقال إنّ الناس مشتق من النسيان، لأنّ أوّل ناس أوّل الناس.
مَن ذا الذِي مَا سَاء قط وَمَن لَهُ الْحُسْـنىَ فقط
ولكن الراوي إذا وقع منه الخطأ والنسيان أحيانا ينزل حديثه من درجة الصحيح إلى درحة الحسن، كما أتي بيانه مع مثاله في مبحث الحديث الحسن.
وإن كان وقوع الخطأ والنسيان من الراوي أغلب وأكثر فيكون حديثه ضعيفا لا يحتج به، ولكن إذا كان صدوقا فيكتب حديثه للاعتبار، ويجوز روايته في الترهيب والترغيب والزهد والآداب، ولكن لا يحتج به في الحلال والحرام كما سبق عن ابن أبي حاتم رحمه الله.
مثاله حديث رواه الطبراني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع. قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الثلاثة: فيه محمد بن عبد الرحمـن بن أبي ليلى، ضعفوه لسـوء حفظه"[745] وقال عنه العسقلاني في التقريب: " صدوق سيء الحفظ جدا"[746]
وَسُوءُ الْحِفْظِ إِنْ كَانَ لاَزِمَ حَالِهِ فِي جَمِيعِ اْلأَوْقَاتِ مُدَّةَ عُمرِهِ لاَ يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَِ هَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ فِي الشَّاذِّ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ سُوءُ الْحِفْظِ لِعَارِضٍ مِثْلِ اخْتلاَلٍ فِي الْحَافِظَةِ بِسَبَبِ كِبَرِ سِنِّهِ
(وسوء الحفظ) أي ووقوع الخطأ والنسيان في الرواية (إن كان لازم حاله) أي لازما لحاله ولا ينفك عنه (في جميع الأوقات) أي في كلّ وقت وحين (مدة عمره) أي طِيلة حياته (لا يعتبر بحديثه) أي لا يكتب حديثه حتى للاعتبار، فلا يحتج به حتى في فضائل الأعمال، ولا تعتبر روايته حتى في الترغيب والترهيب. لأنه واه وضعيف جدا..
(وعند بعض المحدّثين) القدماء ( هذا) النوع من الحديث، أي الحديث الذي رواه من كان سـوء حفظه لازما له، (أيضا داخل في) قسـم (الشاذ) من الحديث، لأنهم لم يخصوا الشاذ بمخالفـة الثقات ولا بالتفرّد، بل جعلوا من الشـاذ أيضا الحديث الذي رواه من كان سـوء حفظـه لازما له.
الاختلاط
(وإن طرأ) أي حدث (عليه) أي على الراوي (سوء الحفظ) فأمسى سيئ الحفظ ( لعارض) وقع عليه (مثل اختلال) أي وقوع خلل (في) قوّته (الحافظة) أي في ذاكرته ( بسبب كبر سنه) أي لكونه مسنّا، كما وقع لخلف بن خليفة، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: رأيت خلف بن خليفة وهو كبير فوضعه إنسان من يده، فلما وضعه صاح – يعني من الكبر- فقال له إنسان: يا أبا أحمد حدثكم محارب بن دثار، وقص الحديث، فتكلم بكلام خفيّ، فجعلت لا أفهم فتركته، ولم أكتب منه شيـئا[747]
أَوْ ذَهَابِ بَصَرِهِ أَوْ فَوَاتِ كُتُبِهِ فَهَذَا يُسَمَّى مُخْتَلِطًا
(أو) بسبب (ذهاب) قوة (بصره) فاصبح أعمى، فلا يستطيع أن يقرأ من كتابه فيقرء من ذاكرته فيخطأ ويختلط. كما وقع لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، صاحب كتاب المصنف، فإنه بعد ما عمي كان يلقن الحديث من ذاكرته، فيخطأ ويختلط، ولذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله: ومن سمع منه بعد ما ذهب بصره وهو ضعيف السماع[748]
(أو فوات كتبه) الذي كتب فيه أحاديثه، فلا يستطيع أن يقرأ من كتابه فيقرأ من ذاكرته فيخطأ ويختلط، كما وقع لعبد الله بن لهيعة، حيث احترقت داره وكتبه سنة سبعين ومائة، فروايته بعد ذلك ليس بصحيح، وقال الحاكم: إنما حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ[749]
(فهذا) الذي طرء عليه سـوء الحفظ (يسمى) في اصطلاح المحدثين (مختلطا) بكسر اللام، ومعناه في اللغـة: الممتزج يقال: خَـلَطَ الشيء بالشيء يَخْـلِطُه خَـلْطاً وخَـلَّطَه فاخْتَلَطَ: مَزَجَه واخْتَلَطَا. وخَالَط الشيءَ مُخالَطَة وخِلاطاً: مازَجَه[750]
هذا، والمعرفة عن المختلطين لا غنى عنها للمحدثين أبدا، لأنّ صحة الرواية وضعفها يدور عليها كثيرا.
وقال ابن الصلاح رحمه الله: "معرفة من خلط في آخر عمـره من الثقات، هذا فن عزيز مهم، لم أعلم أحـدا أفرده بالتصنيف واعتنى به مـع كونـه حقيقا بذلك"[751]
فَمَا رَوَىَ قَبْلَ الاِخْتلاَطِ وَالاِخْتلاَلِ مُتَمَيّزاً عَمَّا رَوَاهُ بَعْدَ هَذِهِ الْحَالَةِ قُبِلَ
ولكن بعد الإمام ابن الصلاح رحمه الله قد أفرد الحافظ برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي المتوفى سنة:841هـ[752] كتابا في ذكر المختلطين، وسماه "الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط"
(فما) أي الحديث الذي (روى) المختلط (قبل) حدوث (الاختلاط و الاختلال) أي وقوع الخلل لذاكرته (متميزا) أي حال كون ما رواه قبل الاختلاط منفصلا ومتفرقا (عما رواه بعد) أن يقع في (هذه الحالة) أي الاختلاط والاختلال (قبل) رواية ذلك الحديث، فما روي عنه قبل الاختلاط صحيح ومقبول وما روي عنه بعـد الاختلاط مردود ومرفوض..
قال ابن الصلاح رحمه الله: "ومن المختلطين عطاء بن السائب، اختلط في آخر عمره فاحتج أهل العلم برواية الأكابر عنه مثل سفيان الثوري وشعبة، لأنّ سماعهم منه كان في الصحة وتركوا الاحتجاج براوية من سمع منه آخرا"[753]
قال أحمد بن حنبل رحمه الله: "من سمع منه قديماً فسماعه صحيح، ومن سمع منه بعد الاختلاط لم يكن بشيء"[754]
وممن سمع منه بعد الاختلاط : جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وخالد بن عبد الله الواسطى، وعلي بن عاصم، وهيب بن خالد، هشيم، وروح بن القاسم، وعبد الوارث بن سعيد. وقد سمع منه أبو عوانة في الصحة والاختلاط جميعا[755]
وَإِنْ لَمْ يَتَمَيّزْ تُوُقِّفَ وَإِنْ اشْتَبَهَ فَكَذَلِكَ
مثال ما سمع منـه قبل الاختلاط: حديث رواه الإمام أحمد رحمـه الله في مسنده عن عبد الرحمن بن المهدي قال: حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن سعيـد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أتي بقصعـة من ثريد فقال كلوا من حولها ولا تأكلوا من وسطهـا، فإنّ البركة تنـزل في وسطها[756]
فإسناد هذا الحديث عن عطاء بن السائب صحيح، لأنّ شعبه أخذ عنه قبل الاختلاط، كما تقدم.
ومثال ما سمع منه في الاختلاط: حديث رواه الترمذي رحمه الله قال حدثنا قتيبة عن جرير عن عطاء بن السـائب عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه انّ النبيّ صلىّ الله عليـه وسـلّم قال: الطواف حول البيت مثل الصـلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير[757]
فإسناد هذا الحديث عن عطاء بن السائب مرفوعا ليس بقويّ ، لأنه من رواية جرير، أخذ عنه بعد الاختلاط كما تقدم.
(وإن لم يتميز) أي وإن لم يتفرق ما رواه قبل الاختلاط عما رواه بعد الاختلاط (توقف) عن قبول الحديث الذي رواه، (وإن اشتبه) أي أشكل أمر حديثه، بحيث لا يفترق ولا يتميز بين ما رواه قبل الإختلاط وبعده، بل كلّ ما يعـرف عنه أنه اختلط (فكذلك) أي يتوقف عن قبول حديثـه.
...................................................................................
ومثاله الحديث الذي رواه أبوداود عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زادان عن علي رضي الله عنه قال: إنّ رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل بها كذا بكذا من النار، قال على رضي الله عنه : ومن ثم عاديت رأسي وكان يجزّ شعره[758]
فيتوقف عن قبول هذا الحديث، لأنّ هذا الحديث روى عنه حماد بن سلمة.
وقد اختلف واشتبه في وقت أخذه عن عطاء بن السائب.
"فقال العقيلي: سماع حماد بن سلمة كان بعد الاختلاط.
وقال ابن الجارود: حديث حماد بن سلمة عنه جيد.
قال الدارقطني: دخل عطاء البصرة مرتيـن، فسماع حماد بن سـلمة في الرحـلة الأولى صحيح"[759]
فالظاهر أنّ حمـاد بن سلمة أخـذ عن عطاء بن السائب مرتين، قبل الاختلاط وبعده، فلا يعرف متى أخذ عنه هذا الحديث، فاشتبه الأمر، فلا يحكم بصحته، بل يتوقف عن قبوله حتى يوجـد له شاهـد أو متابع أو يثبت أنّ سماعه كان قبل الاختلاط..
...................................................................................
المختلطون
وقد عدّ الإمام ابن الصلاح رحمه الله المذكورين أدناه أيضا من جملة الثقات المختلطين في آخر عمرهم :
1- أبو اسحاق السبيعي:
وهو عمرو بن عبد الله بن عيبد الكوفي[760].قال الحافظ العراقي رحمه الله، "إنه قـد أخرج الشيخان في الصحيحين لجماعـة من رواتهم عن أبي إسحاق، وهم: إسرائيل بن يونس، وزكريا بن أبي زائدة، وزهير بن معاوية، وسفيان الثـوري وأبو الأحوص سلام بن سليم، وشعبة ، وعمرو بن أبي زائـدة، ويوسـف بن أبي اسحاق. وأخرج البخاري من رواية جرير بن حازم عنه. وأخرج مسـلم من رواية إسماعيـل بن أبي خالد، ورقبة بن مصقلة، وسليمان بن مهران الأعمش، وسليمان بن معـاذ، وعمار بن رزيق، ومالك بن مغول، ومسـعر بن كدام عنه. مع أنّ إسرائيل وزكريا وزهير سمعـوا منه بآخـرة"[761]
2- سعيد بن إياس الجريري[762]:
وقد أخـرج له الشيخان، وكان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنيـن، مات سنة أربع وأربعين ومائة.
...................................................................................
ومن الذين عرف أنهم سمعوا منه قبل الاختلاط: إسماعيل بن علية، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الوهاب الثقفي، ومعمر، ووهيب بن خالد، ويزيد بن زريع.
وممن سمعوا عنه بعد الاختلاط: إسحاق الأرزق، وعيسى بن يونس، ومحمد بن عدي، ويحي بن سعيد[763]
3- سعيد بن أبي عروبة العدوي[764] :
أخرج له الشيخان، وقد عاش مختلطا نحو عشر سنين، اختلف في سنة وفاته، فالمشهورأنه توفي سنة خمسين و مائة
وممن سمع منه صحيحا: يزيد بن هارون، وأسباط بن محمد، وخالد بن الحارث، وسرار بن مجشر، وسفيان بن حبيب، وعبد الله بن بكر السهمي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، ومحمد بن بشر، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن زريع.
وممن سمع منه بعد الاختلاط: وكيع، والمعافي بن عمران، وأبو نعيم فضل بن دكين وغيرهم.
وممن اختلف في سماعه قبل الاختلاط أم بعـده: غندر محمد بن جعفـر، وعبدة بن سليمان، وشعيب بن إسحق[765]
...................................................................................
4- المسعودي:
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود[766]، وكانت وفاتـه على المشهور سنة ستيـن ومائة، وقد تغير حفظه واختلط بعد قدومـه بغـداد، فمن سمع منه بالكوفة والبصرة قبل قدومه بغداد فسماعـه صحيح، وكان قدومه ببغداد سنـة أربـع وخمسين ومائة.
وممن سمع منه قبل الاختلاط: وكيع، وأبو نعيم، وأمية بن خالد، وبشر بن المفضل، وجعفر بن عون، وخالد بن الحرث، وسفيان بن حبيب، وسفيان الثوري، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وطلق بن غنام، وعبد الله بن رجاء الغداني، وعثمان بن عمر بن فارس، وعمرو بن مرزوق، وعمرو بن الهيثم، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن ، ومعاذ بن معاذ العنبري، والنضر بن شميل، ويزيد بن زريع.
وممن سمع منه بعد الاختلاط: عاصم بن علي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعبد الرحمن بن المهدي، ويزيد بن هارون، وحجاج بن محمد الأعور، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد.
5- ربيعة الرأي:
وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أستاذ الإمام مالك رحمه الله[767]، واختلف في سنة وفاته فقال ابن سـعد توفي سنة: ست وثلاثين ومائة، وقال ابن حبان رحمه الله: توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة .
...................................................................................
قال الحافظ العراقي رحمه الله: "وما حكاه المصنف- يعنى الإمام ابن الصلاح رحمه الله- من تغير ربيعة الرأي في آخر عمره لم أره لغيره، وقد احتج به الشيخان، ووثقه أحمـد وأبو حاتم ويحي بن سعيد والنسائي وابن حبان وابن عبد البر، ولا أعلم أحـدا تكلم فيـه باختلاط ولا ضعف، فإنما تكلم فيه من قبل الرأي لا من اختلاطه"[768]
6- صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف[769]:
قال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله: تغير في سنة خمس وعشرين ومائـة، واختلط حديثـه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميز فاستحق الترك[770]
قال الحافط العراقي رحمه الله: وليس كذلك، فقد ميّز غير واحد من الأئمـة بعض من سمع منه في صحته ممن سمع منه بعد اختلاطه.
فممن سمع منه قديما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وعبد المليك بن جريـج، وزياد بن سعد، وأسيد بن أبي أسيد، وسعيد بن أبي أيوب، وعبد الله بن علي الأفريقي، وعمارة بن غزية ، وموسى بن عقبة[771]
...................................................................................
7- حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبو هذيل الكوفي[772]:
وقد اختلف المؤرخـون في سنة وفاته، والمشهور أنه توفي سنة ست وثلاثين ومائـة، وممن سمـع منه قديما قبل أن يتغير: سليمان التيمي، وسليمان الأعمش، وشعبة، وسفيان[773].
8- عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي[774]:
وقد اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع، وكانت وفاته سنة أربع وتسعين ومائة، ولكن لم يرو بعد الاختلاط.
وقال الحافظ العراقي رحمه الله:" فجميع من سمـع منه إنما سمع منه في الصحـة قبل اختلاطه[775]"
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه ميزان الاعتدال: " ما ضـرر تغيره حديثه، فانـه ما حـدّث بحديث في زمـن التغير"، ثم استدلّ على ذلك بقـول الإمام أبي داود رحمه الله: تغير جرير بن حازم وعبـد الوهـاب الثقفى فحجب الناس عنهما[776]
...................................................................................
9- سفيان بن عيينة [777]:
اختلط بنحو سنتين قبل وفاته، وكان وفاته سنة: تسع وتسعين ومائة، ومن سمع منه قبل الاختلاط كثير جدا، وسمع منه في الاختلاط محمد بن عاصم، وسائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل الاختلاط.[778]
10- عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف[779] :
وقد تقدم أنه فقد بصره في آخر عمره فاختلط، وكانت وفاته سنة إحدى عشر ومائتين، وأخرج له الشيخان.
وممن سمع منه قبل الاختلاط: أحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ووكيع بن الجراح وغيرهم.
وممن سمع منه بعد ما عمي: إسحق بن إبراهيم الدبري، وأحمد بن محمد بن شبوية، ومحمد بن حماد الطهراني، وإبراهيم بن محمد بن برة الصنعاني، وإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن سويد، والحسن بن عبد الأعلى البوسى الصنعاني[780].
...................................................................................
11- أبو النعمان عارم محمد بن الفضل السدوسي[781]:
وقد اختلفوا في مدة اختلاطه، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين، وقـد أخـرج له الشيخان.
وقال ابن الصلاح رحمه الله: فما رواه عنه البخاري ومحمد بن يحيى الدهلي وغيرهما من الحفاظ ينبغي أن يكون مأخوذا عنه قبل اختلاطه[782]
وممن سمع منه قبل الاختلاط: أحمـد بن حنبل، وعبد الله بن محمد المسـندي، وأبو حاتم الرازي، وأبو علي محمد بن أحمد بن خالد الزريقي.
وممن سمع منه بعد الاختلاط: أبو زرعة الرازي، وجاء إليه أبو داود فلم يسمع منه لما رأى من اختلاطه، وكذلك إبراهيم الحربي.[783]
12- أبو قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي[784]:
توفي سنة ست وسبعين ومائتين، وكان بالبصرة ثم خرج إلى بغداد، وبها اختلط، فمن سمع منه بالبصرة قبل أن يخرج بغداد فسماعه صحيح، ومن سمـع منه ببغـداد فهو بعد الاختلاط أو مشكوك فيه.
وَإِنْ وُجِدَ لِهَذَا الْقِسْمِ مُتَابِعَاتٌ وَشَوَاهِدُ تَرَقَّى مِنْ مَرْتَبةِ الرَدِّ إِلَى الْقَبُولِ وَالرُّجْحَانِ
وممن سمع منه بالبصرة: أبو داود السجستاني، وابن ماجة، وأبو مسلم الكجي، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن إسحق الصاغاني، وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وأبو عروبة الحسين بن محمد الحراني.
وممن سمع منه ببغداد: أحمد بن سليمان النجاد، وأحمد بن كامل بن سحرة ، وأحمد بن عثمان بن يحيى الآدمي، وأبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، وإسماعيل بن محمد الصفار، وحبشون بن موسى الخلال، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الخراساني البغوي، وأبو عمر عثمان بن أحمد السماك، وأبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة السدوسي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، وأبو عيسى محمد بن علي بن الحسين التخاري، وأبو جعفر محمد بن عمرو بن البحتري، ومحمد بن مخلد الدوري، وأبو العباس محمد بن يعقوب الأصم.[785]
قال ابن الصلاح رحمه الله: " واعلم أنّ من كان من هذا القبيل محتجا بروايتـه في الصحيحين أو أحـدهما، فإنا نعرف على الجملة أنّ ذلك مما تميّز، وكان مأخـوذا عنـه قبل الاختلاط"[786]
(وإن وجد لهذا القسم) أي الحـديث الذي رواه المختلط (متابعات وشواهد) وقد تقدم مبحثهما (ترقى) وارتفع (من مرتبة الرد) والضعف (إلى) مرتبة (القبول والرجحان) حيث انجبر ضعفه، وذلك إذا كان راويه صدوقا، فيكون الحديث حسنا لغيره، فيصلح للعمل به، لأنّ الحسن كالصحيح في وجوب العمـل به اتفاقا .
...................................................................................
مثاله: حديث رواه الدارقطني رحمه الله في غرائب مالك، وابن عبد البر في التمهيد والاستذكار من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار قال حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي حدثنا بشر بن عمر حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم: إنّ الله عز وجل فرض علـيكم صيام شهر رمضان، وسننت لكم قـيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه[787]
فهذا الحديث رواه إسماعيـل بن محمد الصفار عن أبي قلابة عبد الملك الرقاشي، وقد تقدم أنّ أبا قلابة الرقاشي اختلط في آخر عمره وأنه أخذ عنه إسماعيل بن محمد الصفار ببغـداد، ومن أخذ عنه ببغداد في الاختلاط أو مشكوك فيه، فهذا الإسناد ليس بصحيح أو متوقف فيه، ولكن له شـاهد رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما من طريق النضر بن شيبان عن أبي سليمة عن عبد الرحمـن بن عوف رضي الله عنـه قال: إنّ الله فرض صيام رمضان وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمـه[788].
فإسناد هذا الحديث أيضا ليس بجيّد، لأنه من رواية النضر بن شيبان، وهو ليّن الحديث[789]، ولكنه هو صدوق ذكره ابن حبان رحمه الله في الثقات، فحديثه ليس بمتروك، بل صالح للإعتبار، فبهذا الإسناد ينجبر ضعف ذلك الإسـناد، فيرتفي الحديث من مرتبة الرد إلى مرتبة القبول والرجحان.
وَهَذَا حُكْمُ اَحَادِيثِ المَسْتُورِ وَالْمُدَلِّسِ وَالْمُرْسِلِ
وقال العلامة عبد الرؤوف المناوي رحمه الله عن هذا الحديث: إسناده حسن[790]، وذلك نظرا إلى أنّ النضر بن شيبان صـدوق، وضعفه عن جهـة تمام الضبط فقط، لا عن جهة العـدالة، فيرتقى بشـاهده إلى الصحيح.
وقال النسائي رحمه الله: "صواب هذا الحديث عن أبي سلمة عن أبي هريرة"[791]
فالحديث معلّل حيث أخطأ في ذكر اسـم الصحابي، لأنه في الحقيقة عن أبي هريرة رضي الله عنه لا عن عبد الرحمـن بن عوف رضي الله عنه، فيكون الحـديث متابعـا لا شـاهدا، ولكن هذا الاختلاف في ذكراسم الصحابي ليس بقادح كما ذكرناه.
(وهذا) الحكم المذكور في حديث المختلط، أي أنه يرتقي بالمتابعات والشواهـد إلى درجة القبول، وهو أيضا (حكم أحاديث المستور) وهو مجهول الحال، وظاهره العدالة، كما تقدم (و) أحاديث (المدلّس) بكسر الدال ( و) أحاديث (المرسِل) بكسر اللام، ولكن بشرط كونهما صدوقا. وقد تقدم مباحث كلّ من هذه الأقسام الثلاثة، فهذه الأقسام كلها ينجبر ضعفـها بالمتابعات والشواهـد.
(فصل) في أقسام الحديث باعتبار تعدد الطرق وعدمه
فَصْلٌ : اَلْحَدِيثُ الصَّحِيحُ إِنْ كَانَ رَاوِيهِ وَاحِدًا يُسَمَّى غَرِيبًا
قد يأتي الحديث إلينا من طريق واحد فقط، وقد يأتي إلينا من طريقين فصاعدا، وقد يأتي إلينا من طرق متواترة، ونظرا إلى هذه الاعتبارات كلها، ينقسـم الحـديث إلى الأقسام التالية:
الغريب
(الحديث الصحيح) أو الضعيف، والتقييد بالصحيح لا وجه له، كما يعلم مما سيأتي من كلام المصنف رحمه الله نفسـه (إن كان راويه واحدا) فقط، أي إن كان مجيئه من طريق واحد فقط، وليس له طريق آخر (يسمىّ) في اصـطلاح المحدثين (غريبا)
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "هو ما يتفرّد بروايته شخص واحد في أيّ موضع وقع التفرّد به من السند"[792]
والغريب معناه في اللغة من بعد وتفرّد عن وطنه، سمّي به هذا النوع من الحديث تشبيها له في تفرّده وانفراده وغرابته، كما شبّه به النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم حالة بداية الإسلام ونهايته، فقال صلىّ الله عليه وسلم: إنّ الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء - رواه مسلم[793]
...................................................................................
أنواع الغريب:
قد قسّـم أبو عبد الله الحاكم رحمه الله الغرائب في كتابه معرفـة علوم الحـديث إلى ثلاثة أقسام:
1- غرائب الصحيح:
ومن ذلك ما رواه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أبو يحيى زكريا بن يحيى بن أسد قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي العباس الأعمى الشاعر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: لما حاصر النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال: إنا قافلون إن شاء الله غدا فقال المسلمـون: أنرجـع ولم نفتحه، فقال لهم: اغدوا على القتال فغدوا فأصابهـم جراح فقال لهم: إنا قافلون غـدا، فأعجبهم ذلك، فغـدا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: رواه مسلم في المسند الصحيح عن أبي بكر ابن أبي شيبة وغيره، عن سفيان، وهو غريب صحيح فإنيّ لا أعلم أحدا حدّث به عن عبد الله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ الشاعر ولا عنه غير عمرو بن دينار، ولا عنه غير سفيان بن عيينة فهو غريب صحيح.
2- غرائب الشيوخ:
مثال ذلك : ما رواه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حـدثنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: لا يبيع حاضر لباد.
...................................................................................
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: هذا حديث غريب لمالك بن أنس، عن نافع وهو إمام يجمع حديثه تفرّد به عنه الشافعي وهو إمام مقدم لا نعلم أحدا حدّث به عنه غير الربيع بن سليمان، وهو ثقة مأمون
3- غرائب المتون:
مثال ذلك: ما رواه أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحق الخزاعي بمكة قال: حدثنا أبو يحيى بن مسرة قال حدثنا خلاد بن يحيى قال: حدثنا أبو عقيل، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: "هذا حديث غريب الإسناد والمتن فكلّ ما روى فيه فهو من الخلاف على محمد بن سوقة، فأما ابن المنكدر عن جابر فليس يرويه غير محمد بن سوقة وعنه أبو عقيل وعنه خلاد بن يحيى"[794]
وسيأتي تقسيم الغريب إلى مطلق ونسبي مع الأمثلة.
.................................................................................
غريب المتن
وقد يطلق الغريب على ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة الفهم لقلة استعمالها وعدم ممارستها.
وقال الإمام النووي رحمه الله في كتاب التقريب: "وهو فنّ مهم والخوض فيه صعب فليتحرّ خائضه"[795]
فهو من أجـل هذا الفنّ، لا بدّ أن يعرفه جميع علماء الديـن، ويقبح جهـله بأهل الحديث، لأنه هو وسـيلة لمعرفة معاني ألفاظ الحـديث، وكثيراما يقـع الناس في الأخطاء والزلات، بسبب جهلهم و سـوء فهمهم بمعانيها. ولذا أنّ الخـوض في هذا الفـنّ حقيق بالتحري وجدير بالتوقي لئلا تزل الأقدام، في معـرفة الأحاديث وما فيهـا من الأحكام.
وكان السلف الصالح في غاية التحري في التكلم عن غريب ألفاظ الحديث.
وقد سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن حرف من غريب الحديث فقال: سـلوا أصحاب الغريب، فإنيّ أكره أن أتكلم في قول رسول الله صلىّ الله عليه وسـلّم بالظنّ فأخطأ[796]
وقد سأل الحافظ أبو قلابة الرقاشي لإمام اللغة أبي سعيد الأصمعي رحمه الله: عن معنى قول رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلـم: " الجار أحق بسقبــه "؟
.................................................................................
فقال: أنا لا أفسّر حديث رسول اللـه، ولكن العرب تزعـم أنّ السقب: اللزيق[797]
فهذا الأصمعي رحمه الله هو إمام اللغة العربية وأديبها بلا مدافع، ومع ذلك يتحرّى، لايجترئ أن يفسـر معنى الحديث النبوي.
وقد اعتنى العلماء بهذا الفنّ اعتناء بالغا، وألّفوا فيه كتبا كثيرة.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: "هذا علم قد تكلم فيه جماعة من أتباع التابعين، منهم مالك والثوري وشعبة فمن بعـدهم، فأوّل من صنف فيه النضر بن شميل، ثم صنف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم صنف جماعة منهم عليّ بن المديني، وإبراهيم بن إسحاق الحربي وعبد الله بن مسلم القتيبي، وغيرهم"[798]
وقال ابن الصلاح رحمه الله: "روينا عن الحاكم أنه قال: أوّل من صنف الغريب في الإسلام النضربن شميل، ومنهم من خالفـه فقال: أوّل من صنف فيه أبو عبيدة معـمر بن المثني، وكتاباهما صغيران، وصنف بعـد ذلك أبو عبيد القاسم بن سـلام كتابه المشهور فجمع وأجاد واستقصى فوقع من أهل العلم بموقع جليل وصار قدوة في هذا الشأن، ثم تتبع القتيبي ما فات أبا عبيد فوضع فيه كتابه المشهور، ثم تتبع أبو سليمان الخطابي ما فاتهما، فوضع في ذلك كتابه المشهور، فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلفـة في ذلك، ووراءها مجامع تشتمـل من ذلك على فوائـد وزوائـد كثيرة"[799]
.................................................................................
وهكذا كثرت التصانيف في هذا الفـنّ قديما وحديثا، ومن أشهر الكتب المتداولة حاليا في هذا الفنّ النهاية لأبن الأثيـر والفائق للزمخشري.
وقد أشار الإمام ابن الصلاح رحمه الله إلى أنّ كثيرا من الكتب المصنفة في غريب الحـديث لا يجـوز الاعتماد عليها، حيث وقعت فيها أخطاء وزلات كثيرة، فقال: "لا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة أجلة"[800]
وقد يأتي المتن الذي فيه اللفظ الغريب مفسّرا ومفصّلا في روايات أخرى، فيحينئذ يعتمد عليها.
وقال ابن الصلاح رحمه الله: "وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحـديث أن يظفر به مفسّرا في بعض روايات الحديث"[801]
وكثيراما يقع تفسير غريب ألفاظ الحديث من بعض رواته، وقد يفسّره الراوي نفسه وفقا لمذهبه أو طبقا لعلمه ومعرفته فيصيب أويخطأ.
ومن ذلك ما رواه الترمذي عن سفيان بأنه فسّر الحلة الحمراء بالحبـرة، وذلك في حديث رواه سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: رأيت النبيّ صلىّ الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيـه، قال سفيان أراها حبـرة[802]، أي ثوب عليه خطوط حمـراء.
وذلك أنّ سفيان يكره عنده لبس الثوب الأحمر الخالص، ففسّر الحلة الحمراء بالحبرة وفقا لمذهبه.
وَإِنْ كَانَ اثْنَينِ يُسَمَّى عَزِيزًا
العزيز
(و) الحديث (إن كان) راويه (اثنين) فقط إمّا في موضـع واحـد من الإسناد أو في جميع مواضع منه (يسمى) في اصطلاح المحدثين (عزيزا)
والعزيز في اللغة: القوي أوقليل لا يكاد يوجد[803].
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:" سميّ بذلك إما لقلة وجوده وإما لكونه عزّ أي قوي بمجيئه من طريق آخر"[804]
العزيز يطلق على قسمين:
1 - ما كان راويه اثنين في موضع واحد من السند:
وقد كثر إطلاق المحدّثين اسـم العزيز على هذا القسـم، وأمثلته كثيرة ومنها: ما رواه البزار عن أبي حرة والأشعث كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى بأصحابه صلاة الخوف صفهـم صفيـن، صف بإزاء العدوّ فصلىّ بهم ركعتين، ثم سلّم، ثم انطلق هؤلاء إلى مقام أولئك وجاء أولئك، فصلىّ بهم رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم ركعتين ثم سلّم، فكانت لرسـول الله صلىّ الله عليه وسـلّم أربع ركعات، ولأولئك ركعتين ركعتين.
.................................................................................
قال البزار رحمه الله: حديث عزيز عن الحسن رواه أشعث وأبو حرة، ولا أعلم رواه غيرهما، واسم أبي حرة واصل بن عبد الرحمن وهو صالح الحديث[805]
وعلى هذا، انّ الحديث الغريب الذي تفرّد به راو واحد إذا وجـد له متابع أصبح عزيزا.
مثاله: ما رواه الحسن بن صالح و أبو الوليد الطيالسي كلاهما عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبيّ صلىّ الله عليه وسـلّم قال: جار الدار أحق بجار الدار[806]
قال ابن عديّ رحمه الله في كتابه الكامل: هذا حديث عزيز عن شعبة، وكان يقال إنه تفرّد به أبو الوليد عن شعبة، وهذا الحسن بن صالح قد رواه أيضا[807]
2 - ما كان راويه اثنين عن اثنين في جميع مواضع من السند، من أوّله إلى آخره:
ولكن هذا القسم لم يعرف وجوده.
وقال ابن حبان رحمه الله:[808] "إنّ رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا يوجد أصلا"
ولذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في تعريف العزيـز: " وهو أن لا يرويـه أقل من اثنين عن اثنين"
.................................................................................
ثم قال تعقيبا على قول ابن حبان رحمه الله: " إن أراد أنّ رواية اثنين فقط عن اثنين فقط إلى أن ينتهي لا يوجد أصلا، فيمكن أن يسلّم، وأمّا صورة العزيز التى حرّرناها فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين[809].
ولكن التعريف الذي ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله للعزيز، يصدق على الحديث المشهور والمتواتر وغيرهما من كلّ أحاديث ليست بغريب، لأنّ كلا منها لا يرويها أقل من اثنين عن أقل من اثنين بخلاف الغريب, فحينئذ لا يناسب أن يعـدّ العزيز قسيما للمشهور والمتواتر كما يفعله المحدّثـون، بل يكون كلّ منهمـا قسـما منه.
تم أتي العسقلاني رحمه الله بمثال للعزيز فقال:
"ومثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه، والبخـاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين[810]
ورواه عن أنس رضي الله عنه قتادة وعبد العزيـز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبـة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز: إسماعيل بن عليّه وعبد الوارث، ورواه عن كلّ جماعــة"[811]
وَإِنْ كَانوا أَكْثَرَ يُسَمَّى مَشْهُورًا أَوْ مُسْتَفِيضًا
المشهور
(و) الحديث (إن كانوا) أي رواته (أكثر) من اثنين، أي إذا جاء من طرق كثيرة (يسمّى) في اصطلاح المحدثين (مشهورا) لشهرته وشيوعه عند أهل الحديث لكثرة رواته (أو) يسمى (مستفيضا) قال العسقلاني رحمه الله: "سميّ بذلك لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضا"[812]
وعلى ما ذكره المصنف رحمه الله انّ المشهور والمستفيض كلاهما مترادفان في الاصطلاح، هذا ما ذهب إليه كثير من المحدّثين والفقهاء والأصوليين.
ومنهم من فرق بينهما.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح النخبة: "ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور بأنّ المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعمّ من ذلك، ومنهم من غاير على كيفية أخرى"[813].
وقد أتى أبو عبد الله الحاكم رحمه الله بأمثلة كثيرة للأحايث المشهورة، ومنها ما هو مخرج في الصحيح ومنها ما هو غير مخرج فيه.
ومن المخرجة في الصحيح: قوله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس .... الحديث، وقوله صلىّ الله عليه وسلّم: مـن أتي الجمعـة فليغتسل، وقوله صلىّ الله عليه وسلّم إنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمـه
................................................................................
أربعين يوما...الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة، وقوله صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويـده.
ومن الأحاديث المشهورة التى لم تخرج في الصحيح: قوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلا بوليّ، وقوله: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيمة بلجام من النار، وقوله صلى الله عليه وسلم: من مسّ ذكره فليتوضأ[814].
وقد جعل الإمام السيوطي رحمه الله حديث "إنما الأعمال بالنيات" من قبيل المشهور، فقال رحمه الله في كتابه الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: "هذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمـة الستة وغيرهم، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه ابن الأشعث في سننه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والدراقطني في غرائب مالك وأبو نعيم في الحليـة من حـديث أبي سـعيد الخدري رضي الله عنه، وابن عسـاكر من حديث أنس رضي الله عنه كلّهم بلفظ واحـد"[815]
.................................................................................
المشهور على الألسنة
وقد يطلق لفظ المشهور على أحاديث اشتهرت على ألسنة الناس، فيشمل الغريب والعزيز وغيرهما.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "ثم المشهور قد يطلق على ما اشتهر على الألسنة فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا"[816]
أنشد السيوطي رحمه الله في ألفيته:
ويُطلقُ المشْهُـورُ للذي اشْتهَـرْ في النّاسِ مِن غيْر شُـرُوطٍ تُعْتبرْ
فهذا النوع من الحديث يكون مشتهرا على ألسنة الناس، و يتناوله العامة والخاصة ويتردده الخطباء والوعاظ، مع كونه لا أصل له، و لا وجود له في الكتب المعتبرة، وأمثلتها كثيرة ومنها:
1-"علماء أمتى كأنبياء بني إسرائيل"
لا أصل له بهذا اللفظ.قال الحافظ السخاوي رحمه الله في كتاب المقاصد الحسنة: " قال شيخنا- يعنى الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله - وقبله الدميرى والزركشي: لا أصل له، وزاد بعضهم ولا يعرف في كتاب معتبر"[817].
قال المناوي في فيض القدير: "وقد سئل الحافظ العراقي عما اشتهر على الألسنة من حديث علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل، فقال: لا أصل له ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغنى عنه العلماء ورثة الأنبياء، وهو حديث صحيح"[818]
.................................................................................
2-" اطلبوا العلم ولو بالصين"
حديث يدور كثيرا على ألسنة الناس، قال ابن حبان رحمه الله: إنه باطل لا أصل له، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات[819]
قال العلامة عبد الرؤوف المناوي: قال النيسابوري وابن الجوزي ثم الذهبي: لم يصح له إسناد[820]
3- "حب الوطن من الإيمان"
حديث مشتهر يتردّده الخطباء كثيرا، ولم يثبت له أصل بهذا اللفط
وقال السيوطي رحمه الله في الدرر المنتثرة: لم أقف عليه[821]
وقال السخاوي رحمه الله في المقاصد الحسنة: لم أقف عليه ومعناه صحيح[822]
قال العلامة ملا علي القاري في المصنوع: لا أصل له عند الحفاظ[823]
4- "الدينا مزرعة الآخرة"
أورده الإمام الغزالي رحمه الله في كتاب إحياء علوم الدين، قال السـخاوي رحمه الله: لم أقف عليه[824]
.................................................................................
قال الحافظ العراقي رحمه الله: لم أجده بهذا اللفظ مرفوعا، وروى العقيلي في الضعفاء وأبو بكر بن خلال في مكارم الأخلاق من حـديث طارق بن أشيم "نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته.... الحديث، وإسناده ضعيف[825].
5-" أنا مدينة العلم عليّ بابها"
قال الترمذي: إنه منكر، وقال البخاري: ليس له وجـه صحيح، وقال ابن معين: كذب لا أصل له، وقال الحاكم: صحيح الإسنـاد، وأورده ابن الجـوزي في الموضوعات، ووافقه الذهبي على ذلك، وقال ابن دقيق العيد: لم يثبتوه، وقيل إنه باطل، وقال العلائي: هو حسـن."[826]
6- "لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك"
لا أصل له بهذا اللفظ، قال العجلوني: "قال الصغـاني موضوع، ولكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا"[827]
قال الملا علي القاري في تذكرة الموضوعـات: "حديث لولاك لما خلقت الأفلاك قال العسقلاني موضوع، لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا أتاني جبريل فقال: قال الله: يا محمد لولاك ما خلقت الجنـة ولولاك ما خلقت النـار"[828]
وَإِنْ بَلَغَتْ رُوَاتُهُ فِي اْلكَثْرَةِ إِلَى أَنْ يَسْتَحِيلَ الْعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ يُسَمَّى مُتَوَاتِرًا
المتواتر
ومعنى المتواتر في اللغة: قال الإمام الآمدي رحمه الله: "التواتر في اللغة عبارة عن تتابع أشياء، واحدا بعد واحد، بينهما مهلة، ومنه قوله تعالى : ثم أرسلناك تترى" أي واحدا بعد واحد بمهلة"[829]
فأمّا معناه في اصطلاح المحدثين فبيّنه المصنف رحمه الله بقوله:
(و) الحديث (إن بلغت رواته) أي عددهـم (في الكثرة) أي إذا جاء الحـديث من طرق كثيرة (إلى) أي حتى ( أن يستحيل العادة) بكثرة عدد الرواة (تواطئهم) أي وفاقهم (على الكذب) أي أنّ العادة تمنع وفاق هذه الكثرة على الكذب (يسمى) في اصطلاح المحدثين (متواترا)
قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في جمع الجوامع: " المتواتر: هو خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس"[830]
ويشترط في التواتر أربعة شروط:
1- ان يكون عـدد رواتـه كثيرا، ولم يعّين الجمهور لعـدده حـدّا معّينا، ولكن ذهب بعض الأصولييـن إلى تحـديد حدّ أدنى له، فمنهم من حـدّد
.................................................................................
بخمسـة، ومنهم من حـدّد باثني عشرة، ومنهم من حـدّد بعشرين، ومنهم من حدّد بأربعين، ومنهـم من حدّد بغير ذلك، وقد أورد الأصوليـون هذه الأقوال كلها في كتبهم مع أدلتها[831]
2- أن يستحيل في العادة تواطئهم و اتفاقهم على الكذب، وظاهر أنّ هذا لا يتصور إلا مع عدد كثير.
3- وأن يوجد هذا العدد الكثير في كلّ طبقة من طبقات الرواة من البدايـة إلى النهاية، فإن انتفى ذلك في أيّ طبقة منها فلا يكون الخبر متواترا، بل يكون مشهورا ومستفيضا.
4- أن يكون ذلك الخبر عن شيء محسوس بمشاهدة أو سماع.
وإذا وجدت هذه الشروط الأربعة في أيّ خبر حصل العلم اليقيني بصدق ذلك الخبر، فحصول اليقين هو العلامـة لكونه متواترا، فمدار التواتر هو حصول اليقين بكثرة العدد لا غير، ولذا قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "والمتواتر هو المفيد للعلم اليقيني"[832]
وقد حصل لنا علم اليقين بأنّ بلاد أمريكا موجودة، وأنّ امرأ القيس كان شـاعرا عاش في الجاهلية، وأنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسـلّم هاجر من مكة إلى المدينة، وكان أبو بكر رضي الله عنه هوالخليفة الأوّل، فكلّ هذا ثابت بالخبر المتواتـر.
.................................................................................
هل يوجد الحديث المتواتر حاليا؟
وقد ذكرنا تعريف المتواتر، ففهمنا من ذلك أنّ المدار في كون الحديث متواترا هو حصول العلم اليقين بكثرة العدد.
وهناك عديد من الأحاديث حصلنا اليقين بصحتها بكثرة عدد رواتها بحيث يمتنع تواطئهم على الكذب..
ولكن الإمام ابن حبان رحمه الله - كما أنكر وجود نوع العزيز من الحديث- ذهب أيضا إلى إنكار المتواتر، حيث ادعى "انّ الأخبار كلها أخبار آحاد"
وقد أنكرالحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله على الإمام ابن حبان رحمه الله وعلى غيره ممن أنكر وجود المتواتر فقال في شرح النخبة: "إنّ ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاق، ومن أحسن ما يقرّر به كون المتواتر موجودا وجود كثرة في الأحاديث، انّ الكتب المشتهرة المتداولة بأيدي أهـل العلم شرقا وغربا المقطوعـة عندهم بصحتها وصحـة نسبتها إلى مؤلفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعدّد طرقه تعدّدا بحيث تحيل العادة تواطئهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني بصحـة نسبته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثيرة"[833]
.................................................................................
وقد سئل الإمام النووي رحمه الله : هل في صحيحي البخاري و مسلم شيء متواتر؟ أم كلها آحاد، وهل حديث إنما الأعمال بالنيات متواتر أم لا؟
فأجاب رحمه الله بقوله: "أمّا حديث إنما الأعمال بالنيات فليس بمتواتر، لإخلال شرط التواتر في أوّله، فإنه رواه في أوّله واحد عن واحد، وأمّا غيره ففي البخاري ومسلم أحاديث كثيرة متواترة، منها حديث حجة الوداع، وحديث من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وحديث إتيان حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث كثيرة"[834]
وقد جمع الإمام السيوطي رحمه الله الأحاديث المتواترة في كتاب واحد، وسماه الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواتـرة ، ثم لخصـه في جزء لطيف وسماه قطف الأزهار.
وقال السيوطي رحمه الله: "ومن المتواتر حديث الحوض من رواية نيف وخمسين صحابيا، وحديث المسح على الخفين من روايــة سبعين صحابيا، وحديث نضّر الله امرأ سمع مقالتي من رواية نحو ثلاثين، وحديث نزل القرآن على سبعـة أحرف من رواية سبع وعشرين، وحديث من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة من رواية عشرين. وكذا حديث كلّ مسكر حرام، وحديث بدأ الإسلام غريبا، وحديث سؤال منكر ونكير، وحديث كلّ ميسّر لما خلق له، وحديث المرأ مع من أحبّ، وحديث إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنـة، وحديث بشّر المشائين في الظلم الى المسـاجد بالنور التام يوم القيمة، كلها متواترة"[835]
وَيُسَمَّى الْغَرِيبُ فَرْدًا أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ رَاوِيهِ وَاحِدًا كَوْنُهُ كَذَلِكَ وَلَوْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ اْلإِسْنَادِ، لَكِنَّهُ يُسَمَّى فَرْدًا نِسْبِيًّا
الغريب والفرد
(ويسمى الغريب فردا أيضا) أي أنّ الغريب قد يطلق عليه فردا في اصطلاح المحدثين، فهما حينئذ مترادفان.
ولكن هناك فرق بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته:
قال العسقلاني رحمه الله: " الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أنّ أهل الاصطلاح غاير بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته. فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي"[836]
الفرد النسبي والمطلق
(والمراد) بقولنا في تعريف الغريب (بكون راويه واحدا) هو (كونه كذلك) أي كون راويه واحدا (ولو) كان (في موضع واحد) أي في شخص واحد، يعنى كونه كذلك في بعض المواضع (من الإسناد كله) سواء كان في المواضـع الأخرى اثنان فصاعدا (يسمى) هذا النوع في اصطلاح المحدّثين (فردا نسبيا) لأنه أصبح فردا وغريبا بالنسبة إلى ذلك الموضع فقط.
ومثاله حديث رواه سفيان وشعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم نهي عن بيع الولاء وهبته- متفق عليه[837]
.................................................................................
فهذا الحديث قد تفرّد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الترمذي رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من عبد الله بن دينار، وقد رواه شعبه وسفيان ومالك بن أنس عن عبد الله بن دينار[838]. ثم رواه عنهم جمع، فالتفرّد لا يوجد في جميع الإسناد، بل في بعضه فقط ولذا قال الإمام مسلم: "الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحـديث"[839]
فهذا هو مثال للفرد النسبي، وفقا لتعريف المصنف رحمه الله، ولكن الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله جعل هذا النوع من الفرد المطلق، ومثّله بهذا الحديث، حيث قال في شرح النخبة: "الغرابة إما أن تكون في أصل السند أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعدّدت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي، أولا يكون، كذلك بأن يكون التفرّد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد ثم يتفرّد بروايته عن واحد منهم شخص واحد، فالأوّل هوالفرد المطلق كحديث النهي عن الولاء وعن هبته، تفرّد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرّد به أبو صالح عن أبي هريرة وتفرّد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمرّ التفرّد في جميع رواته أو أكثرهم، وفي مسند البزار ومعجم الطبراني أمثلة كثيرة لذلك، والثاني الفرد النسبي، سمي به لكون التفرّد حصل بالنسبة إلى شخص معين"[840]
وَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ يُسَمَّى فَرْدًا مُطْلَقًا
. ومن الفرد النسبي ما تفرّد أحد الرواة بزيادة في المتن.
ومثاله حديث رواه معمر عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن فصاعدا ، قال ابن حبان رحمه الله: قوله فصاعـدا تفرّد به معمر عـن الزهري دون أصحابه[841]
(و) الحديث (إن كان) راويه واحدا فقط، وتفرّد هو بروايته عن شيخه عمن فوقه (في كّل موضع منه) أي من الإسناد (يسمىّ) في اصطلاح المحديثن (فردا مطلقا)، فيكون راويه واحدا عن واحد عن واحد من البداية إلى النهاية
ومن أمثلته ما تقدم في مبحث تعريف الغريب ومنها أيضا:
حديث رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس عـن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما عاصـر رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم
الطائف فلم ينـل منهم شيئا، قال: إنا قافلون إن شـاء الله، فثقل عليهم، فقـالوا:
نذهـب ولا نفتحه؟ فقال اغدوا على القتال، فغدوا، فأصابهم جـراح، فقال: إنا
قافلون إن شاء الله، فأعجبهم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم[842]
قال العسقلاني رحمه الله: "تفرّد به ابن عيينة عن عمرو ، وعمرو عن أبي العباس، وأبو العباس عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما"[843]
.................................................................................
تفرّد أهل البلاد
وقد يتفرّد أهل بلد من البلاد برواية حديث عن صحابي، وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم رحمه الله لذلك عديدا من الأمثلة، ومنها:
1- ما تفرّد به أهل الكوفة: ومنه ما حدثه أبو نصر أحمد بن نهيل الفقيه قال: حدثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ قال: حدثنا علي بن حكيم قال: حدثنا شريـك، عن أبي الحسناء، عن الحكم بن عتيبة، عن حنش قال: كان علي رضي الله عنه يضحي بكبشين بكبش عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم وبكبش عن نفسه، وقال: كان أمرني رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه أبدا.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: تفرّد به أهل الكوفة من أوّل الإسناد إلى آخره، لم يشركهم فيه أحد[844]
2- ما تفرّد أهل البصرة: ومنه ما حدّثه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حـدثنا هلال بن العلاء الرقي قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا همام عن قتادة عـن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: أمرنا رسـول الله صلى الله عليه وسلّم: أن نقرأ فاتحـة الكتاب وما تيسر.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: تفرّد بذكر الأمر فيـه أهل البـصرة من أوّل الإسناد إلى آخره لم يشركهم في هذا اللفظ سـواهم[845]
.................................................................................
3- ما تفرّد به أهل المدينة: ومنه ما حدّثه أبو علي محمد بن علي بن عمر المذكر قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا ابن أبي فديك قال: أخبرنا الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّ عائشة رضي الله عنها لما توفي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسـو ل الله صلىّ الله عليه وسلّم على سـهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: تفرّد به أهل المدينـة ورواتـه كلهم مدنيون وقـد روي بإسـناد آخر عن موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة عن عبـد الله بن الزبير عن عائشة وكلهم مدنيون لم يشركهم فيه أحد[846]
4- ما تفرّد به أهل مصر: ومنه ما حـدّثه أبو علي الحسين بن علي الحافظ قال: حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن أبي عبد الله المديني بمصـر قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا عمرو بن الحارث عن حبان بن واسـع بن حبان عـن أبيه عن عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يتوضأ فأخـذ ماء لأذنيـه خلاف الماء الذي مسح به رأسـه.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: هذه سنة غريبة تفرّد بها أهل مصر، ولم يشركهم فيها أحد[847]
.................................................................................
4- ما تفرّد به أهل الشام: ومنه ما حدّثه أبو بكر أحمد بن إسحاق الإمام قال: أخبرنا إسماعيل بن قتيبة قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمـن بن رافـع عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم أنه قال لأصحابه: ألا إنه ستفتح عليكم أرض العجم أو قال: الأعاجـم، وفيها بيوت تدعـى الحمامات، ألا وهن حـرام، على رجال أمتي، إلا بأزُر، وعلى نساء أمتي، إلا نفساء أو سقيمة.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: تفرّد بذكر تحريم الحمامات على النساء أهل الشام بهذا الإسناد[848]
5- ما تفرّد به أهل مكة: ومنه ما أخبره أبو محمد عبد الله بن محمد إسحق الخزاعي بمكة قال: ثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن زكرياء بن أبي مسرة المكي قال: حدثنا خلاد بن يحيى المكي قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الملك وهو ابن أبي الصفير مكي عن عبد الله بن أبي مليكة هو مكي عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: خرج من عندها فقالت: يا رسول الله، خرجت من عندي وأنت طيب النفس، لما رأيت من أمتك ثم رجعت إليّ خاثرا حزينا فقال: إني دخلت الكعبة ووددت ان لم أكن دخلتها، ان أكون أتعبت أمتي.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: هذا حـديث تفـرّد به أهل مكة، وليس في رواتـه إلا مكيّ[849].
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمَا اثْنَيْنِ أَنْ يَكُونَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَثَلاً لَمْ يَكُن الْحَدِيثُ عَزِيزًا بَلْ غَرِيبًا
6- ما تفرّد به الخراسانيون: ومنه: ما حدّثه أبو أحمد علي بن محمد الحنيني بمرو قال: حدثنا إبراهيم بن هلال البوزنجردي قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: استشار قتيبة بن مسلم أهل مرو في رجل يجعله على القضاء فأشاروا عليه بعبد الله بن بريدة فدعاه وقال له: إنيّ قد جعلتك على القضاء بخراسان، فقال ابن بريدة: ما كنت لأجلس على قضاء بعد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، سمعته من أبي بريدة يقول: سمعت رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم يقول: القضاة ثلاثة: فاثنان في النار وواحـد في الجنة، فأما الاثنان: فقاض قضى بغير الحـق وهو يعلم، فهو في النار، وقاض قضى بغير الحق وهو لا يعلم، فهو في النار، وأما الواحد الذي هو في الجنة: فقاض قضى بالحق فهو في الجنة.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: هذا حديث تفرّد به الخراسانيـون فإنّ رواته عن آخرهم مراوزة[850]
الأقل حاكم على الأكثر
(والمراد) بقولنا في تعريف العزيز (بكونهما اثنين) هو (أن يكونا في كلّ موضع) من السند (كذلك) أي اثنين (فإن كان) كذلك (في موضع واحد) من السند، (مثلا) أي على سبيل المثال، يعنى إن كان راوي الحديث اثنين في موضـع أو موضعين أو أكثر مع كونه واحدا في سائر المواضـع (لم يكن الحديث عزيزا) في اصطلاح المحديثن (بل) يكون (غريبا).
وَعَلَى هَذَا اَلْقِيَاسِ مَعْنَى اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ فِي الْمَشْهُورِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ اَكْثَرَ مِن اثْنَيْنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إِنَّ اْلاَقَلَّ حَاكِمٌ عَلَى اْلأَكْثَرِ فِي هَذَا الْفَنِّ، فَافْهَمْ
(و) بناء (على هذا القياس) أي المعيار الذي يعتمد عليه في الحكم على حديث بأنه غريب أو عزيز (معنى) أي مراد (اعتبار الكثرة) المذكور ( في) تعريف (المشهور) يعنى أنّ الحديث يحكم عليه بأنه مشهور باعتبار (أن يكون) أي أن يوجد (في كلّ موضع) من السند (أكثر من اثنين) من الرواة.
وإن لم يوجد في موضع واحد فقط أكثر من اثنين، بل كان فيه اثنان مع وجود الكثرة في سائر المواضع، فلا يحكم عليه بأنه مشهور باعتبار سائر المواضـع ، فإذا كان راويه واحدا في موضع واحد فقط مع وجود اثنين أو أكثر في سائر المواضع فيحكم عليه بأنه غريب باعتبار ذلك الموضع الوحيد فقط.
فالحكم بالغرابة والتفرد على حديث يكون باعتبار موضـع واحـد أو موضعين فقط، بدون اعتبار سائر المواضـع، فالعبرة لجانب القلة لا الكثرة.
(وهذا) الذي أوضحناه هو ( معنى) أي مراد ( قولهم) أي المحدّيثن (إنّ الأقل حاكم على الأكثر في هذا الفنّ. فافهم) أيها الطالب.
وهكذا يتبع هذا الأصل في تصحيح الحديث وتضعيفـه، فإذا كان راو واحد من إسناده ضعيفا مـع كون الباقين كلهم ثقات يحكم عليه بضعفه، وإذا سقط الراوي في موضع واحد فقط من الإسناد مع كون سائر المواضـع متصلا يحكم عليه بالانقطاع.
وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْغَرَابَةَ لاَ تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا غَرِيبًا بِأنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِهِ ثِقَةً، وَالْغََرِيبُ قَدْ يَقَعُ بِمَعْنَى الشَّاذِّ أَيْ شُذُوذًا هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الطَّعْنِ فِي الْحَدِيثِ
الغرابة والصحة
(وعُلم مما ذكرناه) من تعريف الغريب (أنّ الغرابة لا تنافي الصحة) لأنّ الغرابة هوتفرّد الراوي في رواية الحديث سواء كان صحيحا أو ضعيفا.
(و) لذا (يجوز أن يكون الحديث صحيحا) مع كونه ( غريبا) وذلك (بأن يكون كلّ واحد من رجاله ثقة) مع توفر سائر الشروط المعتبرة في صحة الحديث، وإن لم يكن كذلك فيكون ضعيفا، فيكون في الغريب ما هو صحيح وما هو ضعيف.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله " الغريب صادق على ما صحّ وعلى ما لم يصح"[851]
وقد تقدم عن الحاكم رحمه الله مثال الغريب الصحيح. وأمثلة الغريب الضعيف كثيرة جدّا في كتب الحديث.
الغريب والشاذ
(والغريب قد يقع بمعنى الشاذ) الذي تقدم تعريفه، هو ما رواه الراوي مخالفا لما رواه الثقات ( أي شذوذا هو من أقسام الطعن في الحديث) يعني أنّ الشـذوذ يطلق على معان، ومنها ما هو من أقسام الطعن ومنها ما هو ليس من اقسام الطعن، ولكن المراد هنا هو شـذوذ من أقسام الطعن، وهو بمعنى مخالفـة الراوى لمن هو أوثق منه. فإذا أطلق الغريب بهذا المعنى على أيّ حديث فهو طعن عليه ويدلّ على ضعفـه.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَمّا قَالَ بِطَرِيقِ الطََََََََََّعْنِ. وَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَسِّرُونَ الشَّاذَّ بِمُفْرَدِ الرَّاوِي مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُخَالَفَتِهِ لِلثِّقَات كَمَا سَبَقَ، وَيَقُولُونَ صَحِيحٌ شَاذٌّ وَصَحِيحٌ غَيْرُ شَاذٍّ
(وهذا) أي هذا المعنى للغريب، أي معنى الشاذ (هو المراد من قول صاحب) كتاب ( المصابيح) محي السنة الإمام الحسين بن مسعود البغوي[852] (من قوله) بدل من القول السابق (هذا حديث غريب) أي هذا شاذ أي مخالف لما رواه الثقات، (لما قال) أي حينما يقول ذلك (بطريق الطعن) يعنى أنّ الإمام البغوي حينما يطلق لفظ الغريب في مقام الطعن يكون مراده به معنى الشاذ أي الحديث الذي رواه مخالفا للثقات.
(وبعض الناس) أي الحافظ أبو يعـلى الخليلي وغيره من الحفاظ (يفسرون الشاذ بمفرد الراوي) أي بما تفـرّد به الراوي مطلقا ( من غير اعتبار مخالفة الثقات) أي يطلقون الشـاذ بمعنى مجرد التفرّد سـواء كان مخالفا للثقات أم لا (كما سبق) في مبحث الشـاذ مفصـلا.
فالحديث المفرد إذا خالف الثقات يكون شاذا ضعيفا و إلا يكون شاذا صحيحا، ولكن مع وجود بقية الشروط المعتبر ة للصحـة، (و) لذا، ( يقولون): إنّ من الحديث ما هو ( صحيح شاذ و) ما هو (صحيح غير شاذ).
فَالشُّذُوذُ بِهَذَا الْمَعْنَى اَيْضًا لاَ يُنَافِي الصِّحَّةَ كَالْغَرَابَةِ، وَالَّذِي يُذْكَرُ فِي مَقَامِ الطَّعْنِ هُوَ مُخَالِفٌ لِلثِّقَاتِ
(فالشذوذ بهذا المعنى) أي بمعنى مجرد التفرّد من غير اعتبار مخالفة الثقات (أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة) أي كما أنّ الغرابة بمعنى تفرّد الراوي لا ينافي الصحة، وكذلك انّ الشاذ بمعنى مجرد التفرّد أيضا لا ينافي الصحة.
(و) الشاذ (الذي يذكر في مقام الطعن) والتضعيف ( هو) الشاذ بمعنى (مخالف الثقات) لا الشاذ بمعنى مجرد التفرّد.
(فصل) في أقسام الضعيف
فَصْلٌ : اَلْحَدِيثُ الضَّعِيفُ هُوَ الَّذِي فُقِدَ فِيهِ الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ كُلاًّ أَوْ بَعْضًا، وَيُذَمُّ رَاوِيهِ بِشُذُوذٍ أَوْ نَكَارَةٍ أَوْ عِلَّةٍ
(الحديث الضعيف): والضعيف في اللغة هو ضد القوي، وفي الاصطلاح (هو) الحديث (الذي فقد) أي فات ولم يوجد (فيه) أي في ذلك الحديث (الشرائط المعتبرة في الصحة والحسن) أي في كون الحديث صحيحا أو حسنا، وهي العدالة والضبط وعدم الشذود وعدم العلة كما تقدم (كلا أو بعضا) منها، أي إذا توفرت ووجدت في أيّ حديث هذه الشرائط الخمسة كلها فهو صحيح أو حسن، فإن فقد ولم يوجـد فيه جميعها أو بعضها فهو ضعيف.
هذا، ويكفي في تعريف الضعيف أن يقال: ما لم يجتمع فيه شروط الحسن، لأنّ ما قصر عن الحسن فهو عن الصحيح أقصر كما تقدم، فذكر الصحيح غير محتاج إليه.
(ويذم) أي يعاب (راويه بشذوذ) أي يذم بأنه روى حديثا ذا شذوذ (أو) ذا (نكارة أو) ذا (علة)، لأنّ روايـة الحديث الشـاذ والمنكر والمعلّل مما يـذم ويعاب على الراوي.
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: "إن حدّث من حفظه المناكيـر التى لا يتابع عليها لم يؤخـذ عنه"[853]
وَبِهَذَا الاعْتِبَارِ يَتَعَدَّدُ أَقْسَامُ الضَّعِيفِ وَيَكْثُرُ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا
هذا، وقد ذكر المصنف رحمه الله تعريف الضعيف مرة قبل هـذا، ثم كرّره وذكره هنا مرة أخرى، وذلك ليبنى عليه أقسامه ومراتبه باعتبار وجود الشـروط المعتبرة في الصحة والحسن وعدمها، ثم يضيف إليه التنبيه إلى تفاوت مراتب الصحيح والحسن أيضا بتوفر تلك الشروط على كمال وجه وأكمل وجه، فقال:
(وبهذا الاعتبار) أي باعتبار فقد الشروط الخمسة المذكورة كلا أو بعضا (يتعدد أقسام الضعيف ويكثر إفرادا وتركيبا)
وأيّ حديث ليس هوصحيح ولا حسن فهو داخل في قسم الضعيف، وقد تقدم في مبحث تعريف الشاذ أنّ الضعيف عام ينقسم إلى عدة أقسام، فيدخل فيه المتروك والموضوع والمنقطع والشاذ والمنكر والمعلّل والمعلق والمرسل والمعضل والمضطرب وغيرها من جميع أنواع الحديث الذي لم تتوفر فيه الشروط المعتبرة في الصحيح والحسن.
قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: "أطنب أبو حاتم ابن حبان البستي في تقسيمه، فبلغ به خمسين قسماً إلا واحداً"
"وسبيل من أراد البسط: أن يعمد إلى صفـة معينة منها، فيجعل ما عـدمت فيه من غير أن يخلفها جابر على حسب ما تقرر في نوع الحسن - قسما واحـداً. ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسما ثانيا. ثم ما عدمت فيه مع صفتين معينتين قسما ثالثا. وهكذا إلي أن يستوفي الصفات المذكورات جمعاء. ثم يعـود ويعين من الابتداء صفة غير التي عينها أولاً، وجعل ما عدمت فيه وحدها قسما، ثم القسم الآخر ما عدمت فيه مع عـدم صفة أخرى، ولتكن الصفة الأخرى غير الصفة الأولى المبدوء بها، لكون ذلك سبق في أقسام عدم الصفة الأولى، وهكذا هلم جرا إلى آخر الصفات.
وَمَرَاتِبُ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ لِذَاتِهِمَا وَلِغَيْرِهِمَا أَيْضًا بِتَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ فِي كَمَالِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَأْخُوذَةِ فِي مَفْهُومَيْهِمَا مَعَ وُجُودِ الاشْتِرَاكِ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ
ثم ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم الآخر الأرذل. وما كان من الصفات له شروط فاعمل في شروطه نحو ذلك، فتتضاعف بذلك الأقسام"[854]
وقد بسط الحافظ العراقي رحمه الله تقسيم الضعيف على هذا السبيل في شرحه على الألفية، بسطا كبيرا، فشمل كلا واستوفى جميعا، فلا أرى كثير فائدة في الإطناب بذكر هذه الأقسام كلها، فمن أراد ذلك راجع شرح العراقي على ألفيته[855]
أصح الأسانيد
(ومراتب الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما) قد تقدّم تعريف كلّ منها (أيضا) أي كما يتفاوت مراتب الضعيف تتفاوت (بتفاوت المراتب والدرجات في كمال الصفات المعتبرة المأخوذة في مفهوميهما) أي الحديث الصحيح والحسن يتفاوت مراتبهما باعتبار تمام الشروط المعتبرة للصحة والحسن وباعتبار كمالها وأكملها.
وإذا وجدت تلك الشروط في حديث على أكمل وجه وأتم فيكون من أصح الأحاديث، وإذا كان جميع الرواة في أيّ سند من الحديث من أضبط الناس وأثبتهم وأتقنهم وأصدقهم وأوثقهم جميعا يكون سند ذلك الحديث من أصح الأسانيد، (مع وجـود الاشتراك في أصل) الشروط المعتبرة في مفهوم (الصحة والحسن) يعنى أنّ الحديث إذا توفر فيه أصل شروط الصحة يكون صحيحا، فكلما زاد وجودها زيادة على الأصل يزداد صحته.
وَالْقَوْمُ ضَبَطُوا مَرَاتِبَ الصِّحَّةِ وَعَيَّنُوهَا وَذَكَرُوا أَمْثِلَتَهَا مِنْ الأَسَانِيِدِ وَقَالُوا اِسْمُ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ يَشْمَلُ رِجَالَهَا كُلَّهَا لَكِنْ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
وكذلك انّ أصل شروط الحسن إذا وجد في أيّ حديث يكون حسنا، وإذا زاد وجودها زيادة على الحسن يزداد حسنه.
فعلى كلّ حال لا بدّ أن يوجد أصل الشروط في كون الحديث صحيحا أو حسنا، وإن قلّ عن الأصل فلا يكون صحيحا ولا حسنا، بل ينحط إلى درجة الضعيف، والضعيف أيضا باعتبار عدم تواجد تلك الشروط يزداد ضعفها، حتى قد يكون أضعف الأحاديث وأوهاها.
(والقوم) من المحدّثين (ضبطوا مراتب الصحة) والحسن والضعف أيضا (وعيّنوها) أي مراتبها (وذكروا أمثلتها من الأسانيد) وسيأتي أمثلتها.
وفائدة معرفة أصح الأسانيد هو ترجيح أحد الحديثين عند التعارض بينهما، فيرجح أصح الأسانيد على غيره.
(وقالوا) في وجه اختلاف مراتب الصحيح (اسم العدالة والضبط) الذيْن يشترط وجودهما في الصحيح (يشمل) جميع (رجالها كلها) أي جميع الرجال الموجودين في أسانيد الصحاح، حيث يشترط أن يكون جميع رجالها متصفين بهما (ولكن بعضها) أي بعض رجالها (فـوق بعض) في الاتصاف بهما، فبعضهم أقوى وأكمـل من بعض آخر، فالإمام مالك والإمام الشافعي وأمثالهما من الأئمة فاقوا الجميع في الاتصاف بالضبط والعدالة على أكمل وجه وأتمه.
وإذا اتصف راو بالعدالة والضبط بأكمل وجه فتستعمل صيغة أفعل التفضيل في وصفه بهما، فيقال فيه أوثق الناس، وأضبط الناس، وأثبت الناس وغيرها من الصيغ الدالة على الأكملية.
وَأَمَّا اِطْلاَقُ أََصَحِّ اْلأََسَانِيدِ عَلَى سَنَدٍ مَخْصُوصٍ عَلَى اْلإِطْلاَقِِ فَفِيهِ اخْتِلاَفٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصَحُّ اْلأَسَانِيِدِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
وقد أنشد الإمام السيوطي رحمه الله في ألفيته:
أرْفعُ الألفَاظِ في التعْدِيلِ مَا جَاءَ فيه أفعَلُ التفْضِيلِ .
(وأمّا إطلاق أصح الأسانيد على سند مخصوص) من الأسانيد (على الإطلاق) أي بدون قيد ببلد أو مسئلة أو موضـوع أوغير ذلك (ففيه اختلاف) بين الحفاظ:
1- (فقال بعضهم) أي بعض الحفاظ، ومنهم أبو بكر بن أبي شيبـة - كما حكاه ابن الصلاح رحمه الله[856]، ومنهم عبد الرزاق بن همام، صاحب كتاب المصنف - كما حكاه الحافظ العـراقي رحمه الله[857]، (أصح الأسانيـد) ما رواه الزهري عن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه (زين العابديـن) سميّ بذلك لكثرة عبادته[858]، (عن أبيه) الحسين بن علي رضي الله عنه[859]، (عن جده) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
وَقِيلَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
ووجه كون هذا الإسناد من أصح الأسانيد أنّ جميع رواته من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما فيهم من أكمل العدالة والضبط.
ومثاله: ما روى البخاري من طريق الزهري عن علي بن الحسين بن علي عن أبيه حسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أصبت شارفا مع رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم في مغنم يوم بدر... الحديث[860]
2- (وقيل) يعنى قال الإمام البخاري وغيره من كثير من المحدثين والفقهاء إنّ أصح الأسـانيد هو ما رواه الإمام (مالك ) بن أنس، إمام دار الهجـرة[861]، (عن نافع) مولى ابن عمر [862] (عن) عبد الله ( ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما.
ووجه كون هذا الإسناد من أصح الأسانيد هو أنه من متبع السنة ابن عمر رضي الله عنهما، وكان مذهبه أنه لا يجوّز رواية الحديث بالمعنى كما سبق، ولذا كان يلتزم برواية نفس اللفظ الذي خرج من مشكوة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد روى ابن ماجه وغيره عن أبي جعفر قال: كان ابن عمر إذا سمع حديثا من رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم لم يعده ولم يقصر دونـه[863] حتى أنّ ابن عمر رضـي الله
.................................................................................
عنهما إذا لم يتذكر ذلك اللفط بعينه كان يتمسك عن التحـدث، وقد روى ابن ماجة وغيره أن عامر الشعبي قال: جالست ابن عمر رضي الله عنه سنة فما سمعت يحـدث عن رسول الله شيئا[864]
ولهذا، كانت لرواية ابن عمر رضي الله عنهما ميزة خاصة وعنايـة بالغـة عند المحدثين والفقهاء. وقد أخـذ عن ابن عمر رضي الله عنهما جمع غفير مـن التابعين، ولكن لا خلاف في أنّ أضبط أصحابه وأتقنهم وأثبتهم كان اثنين:
أ- مولاه نافع
ب- ابنه سالم.
فتردد العلماء بين ترجيح أحدهما عن الآخر، فذهب بعضهم الى ترجيح سالم، ولكن ذهب الجمهور إلى تقديم نافع على سالم، حينما اختلفا في ثلاثة أحاديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، فرفعها سالم ووقفها نافع:
أ- : "من باع عبداً له مال فماله للبائع[865]"
ب- "فيما سقت السماء العشر"[866]
ج - "ستخرج نار من حضرموت قبل يوم القيمة"[867]
.................................................................................
فذهب الإمام أحمد والنسائي والدارقطني رحمهم الله إلى ترجيح وقف نافع على رفع سالم[868]. وأثبت أصحاب نافع وأضبطهم وأعلاهم أربع:
أ- أيوب السخيتاني
ب - عبيد الله بن عمر
ج- مالك بن أنس
د - عمرو بن نافع
وتردّد العلماء واختلفوا في تفضيل واحد من هؤلاء الأربعة، فذهب ابن معين والجمهور إلى أنّ مالكا هو أثبت أصحاب نافع.
ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث: من حلف فقال إن شاء الله، فلا حنث عليه، رفعـه أيوب ووقفه مالك وعبيد الله، فاختلف الحفاظ في الترجيـح، وأكثرهم رجّح قول مالك[869]
وقد ذهب الجمهور إلى تفضيل مالك وترجيحه في الرواية، وكيف لا، هو إمام المحدثين والفقهاء، وصاحب المذهب ورئيس المجتهدين، وقد طبـق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلّم: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإِبل يطلبون العلم لا يجـدون عالماً أعلم من عالم أهل المدينة - رواه النسائي والترمذي وغيرهما[870]. وقد روى الترمذي في جامعـه عن ابن عيينه وعن عبد الزاق أنهما قالا: هو مالك بن أنس[871]
.................................................................................
وقـد أخذ عن مالك جمع غفير ولكن لا شـك أنّ أثبتهم وأعلاهم وأضبطهم هو إمام الأئمة وحبر الأمـة و وسيلتنا الى الكتاب والسنة، محمـد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه.
ولهذه الأسباب كلها: انّ أصـح الأسانيـد هو ما رواه الشافعـي عن مالك عن نافع عن ابن رضي الله عنهما، وهذا الإسـناد هو الذي يعرف بسلسلة الذهب عند المحدثين والفقهـاء.
ومن السلاسل الذهبية:
أ – عن الشافعـي قال أخبرنا مالك عن نافع عـن ابن عمر رضي الله عنهمـا: أنّ رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبـع وعشرين درجـة[872]
ب- عن الشافعـي قال أخبرنا مالكٌ عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسـول الله صلى الله عليه وسـلم قال: من شـربَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يتب منهـا حرمَها في الآخرة[873]ِ
ج – عن الشافعـي قال أخبرنا مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يخطبُ أحدكم على خطبةِ أخيـه[874]
وَقِيلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
د - عن الشافعي قال أخبرنا مالكٌ عن نافعٍ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّ رسـول الله صلى الله عليه وسـلم قال: المتبايعان بالخيار، كلٌ واحـد منهما على صاحبهِ بالخيار ما لم يتفرقا[875]ِ
3 - ( وقيل) يعنى قال أحمد وإسحاق بن راهويه[876]: إنّ أصح الأسانيـد هو ما رواه الإمام ابن شهاب (الزهري)، أول من جمـع الأحاديث والأثـر،[877] ( عن) أبي عبد الله (سالم) بن عبد الله بن عمـر[878]، ( عن ) أبيه عبد ا لله (ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما.
ووجه كون هذا أصح الأسانيـد مبنيّ على أمرين:
أ- تفضيل سـالم على نافع من أصحاب ابن عمر رضـي الله عنه، وقـد تقـدم الخلاف فيه.
.................................................................................
ب- تفضيل الزهري على سائر أصحاب سالم.
ومثاله ما رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: عن ابن شهاب الزهـري عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إنّ رسـول الله مرّ على رجـل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسـول الله صلىّ الله عليه وسـلّم دعـه فإنّ الحياء مـن الإيمان[879]
4- وقال عمر بن علي الفلاس وعلي بن المديني وغيرهما إنّ أصح الأسانيـد هو ما رواه محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي رضي الله عنه[880]
ومثاله: حديث محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي رضـي الله عنه قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، شغلونا عن صـلاة الوسطى حين غابت الشمس- رواه البخاري[881]
5- وقال يحيى بن معين: إنّ أجـودها ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه[882]
ومثاله: ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال:كنا مع رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فقال: من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه
وَالْحَقُّ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى إِسْنَادٍ مَخْصُوصٍ بِاْلأَصَحِيَّةِ عَلَى اْلإِطْلاَقِِ غَيْرُ جَائِزٍ إِلاَّ أَنَّ فِي الصِّحَّةِ مَرَاتِبَ عُلْيَا وَعِدَّةٌ مِنَ اْلأَسَانِيدِ يَدْخُلُ فِيهَا
أغض للبصر وأحسن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم وأنه له وجاء - متفق عليه[883]
(والحق) عند المصنف وابن الصلاح وغيرهما من جمهور المحقيقين (انّ الحكم على إسناد مخصوص) من الأسانيـد (بالأصحية) أي الحكم بأنه أصـح الأسانيد (على الإطلاق) أي بدون قيـد (غير جائز).
قال ابن الصلاح رحمه الله: " نرى الإمساك عـن الحكم لإسـناد أو حديث بأنه الأصـح على الإطلاق على أنّ جماعـة من أئمة الحديث خاضـوا غمرة ذلك فاضطربت أقوالهم"[884].
قال أبو عبد الله الحاكم رحمه الله: "إنّ هؤلاء الأئمة الحفاظ قد ذكر كلّ ما أدى إليه اجتهاده في أصـح الأسـانيد، ولكلّ صحابي رواة من التابعين ولهـم أتباع، وأكثرهم ثقات، فلا يمكن أن يقطع الحكم في أصـح الأسانيد لصحابي واحد"[885] (إلا) أنه يسوغ لنا أن نقول ( انّ في الصحة) أي انّ للأسانيد نظرا إلى صحتها (مراتب عليا) كما أنّ لها مراتب وسطى و أدنى بالنظر إلى صحتها، ( وعدة من الأسانيد) أي بدون تخصيص سـند خاص منها ( يدخل فيها) أي في المراتب العليا، فيسـوغ لنا أن نقول إنّ الأسانيد المذكورة أعلاه كلها من أصح الأسانيد.
وَلَوْ قُيِّدَ بِقَيْدٍ بِأَنْ يُقَالَ أَصَحُّ أَسَانِيدِ الْبَلَدِ الْفُلاَنِيِّ
(ولو قيّد) الأسانيد (بقيد) من القيـود (بأن يقال): هذا الإسناد (أصح أسانيـد البلد الفلاني) كمكة، والمدينة، واليمن، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان وغيرها.
قال الحاكم رحمه الله: أصح أسانيد المكييين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه[886]
ومثاله: حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابـر رضي الله عنـه قال: أطعمنا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم لحـوم الخيـل ونهانا عن لحوم الحمر- رواه الترمذي والنسائي وغيرهما[887]
قال الحاكم رحمه الله: أصح أسـانيد اليمانيين معمر عن همام بن منبه عـن أبي هريرة رضي الله عنه[888]
مثاله حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسـول الله صلى الله عليه وسـلم: انّ داود النبي عليه السـلام كان لا يأكل إلا من عمـل يده - رواه البخاري[889]
قال الحاكم رحمه الله: أثبت إسناد المصريين الليث بن سـعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه[890]
.................................................................................
مثاله: حديث الليث بن سـعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبـة بن عامـر رضي الله عنه قال: إنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم خرج يوما ، فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصـرف إلى المنبر، فقال: إنيّ فرطكم وأنا شـهيد عليكم، انّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي قد اعطيت مفاتيـح خزائن الأرض، وإنّي والله ما أخاف بعدي أن تشركوا، ولكن أخاف أن تنافسوا فيها- متفق عليه[891]
وقال الحاكم رحمه الله: أثبت إسناد الشاميين عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة[892]
مثاله: حديث الأوزاعي قال حدثنا حسـان بن عطية عن أبي كَبشةَ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: انّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسـرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعـده من النار- رواه البخاري[893]
قال الحاكم رحمه الله: أثبت إسناد الخراسانيين الحسين بن الواقـد عن عبـد الله بن بريدة عن أبيه[894]
مثاله حديث الحسين بن الواقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال غزا رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن - رواه مسلم [895]
أَوْ فِي الْبَابِ الْفُلاَنِيِّ أَوْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْفُلاَنِيَّةِ َيَصِحُّ، وَاللهُ اَعْلَمُ.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: " أصـح إسنـاد بالعراق: أحمد بن حنبل عن وكيع عن سفيان عن منصـور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسـعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم" [896]
(أو) أن يقال هذا الإسناد أصـح الأسانيد (في الباب الفلاني) ومن عادة الترمذي رحمه الله أن يقول في جامعـه، هذا أصح حديث في هذا الباب.
ومثاله ما روى الترمذي بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثكم أنّ النبي صل الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قائما.
ثم قال الترمذي رحمه الله: وفي الباب عن عمر وبريدة وعبد الرحمن بن حسنة، و حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح[897]
(أو) أن يقال هذا الإسناد أصح الأسانيد (في المسألة الفلانية) كان يقال هذا أصح حديث في مسألة الطلاق، أو في مسئلة الطواف، ومثل هذا التعبير شائع في كتب الفقه.
فحينما نقيـد بالقيود السابقـة (يصح) إطلاق أصح الأسانيد عن سـند خاص (والله أعلم)
وكذلك يصح أن يقال هـذا أصـح الأسانيد إلى الصحابي الفلاني، وقال الإمام البخاري رحمه الله أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه[898]
.................................................................................
مثاله: ما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعـرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات- رواه مالك في الموطأ وروى الشيخان عنه بواسطة[899]
وقال الحاكم رحمه الله: أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه: الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه[900]
ومثاله: حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنـه قال: إنّ رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم قال: قاتل الله اليهـود اتخذوا قبور أنبيائهم مسـاجد - متفق عليه[901]
قال الحاكم رحمه الله: أصح أسانيد الصديـق رضي الله عنه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر رضي الله عنه[902]
مثاله: حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ الناس إذا رأوا الظالم
.................................................................................
فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب- رواه أبوداود والترمذي وغيرهما[903]
قال الحاكم رحمه الله: أصـح أسانيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الزهـري عن سالم عن أبيه عن جده[904]
مثاله: حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال سمعت عمربن الخطاب رضي الله عنه يقول: قال رسـول الله صلىّ الله عليه وسلّم: إنّ الله عزوجـل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم - رواه مسلم[905]
قال الحاكم رحمه الله: أصح أسانيد ابن عمر رضي الله عنهما: مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه[906]، وقد تقدم مثاله
وقال أيضا: أصح أسانيد عائشة رضي الله عنها: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها، وقال ابن معين عن هذا الإسناد: "هو مشبك بالذهب"[907]
مثاله: حديث عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم - رواه البخاري[908]
.................................................................................
ومن أصح أسانيدها أيضا: ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها [909]
مثاله حديث ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها انّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم كان إذا اشتكى ، يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وامسح عنه بيده رجاء بركتها- رواه مسلم[910]
وقال الحاكم رحمه الله : أصح أسانيد عبد الله بن مسعود: سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن عبد الله بن مسعود[911]
مثاله حديث سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة بن قيس عن عبد الله رضي الله عنه قال: صلىّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم صلاة لا أدرى زاد أو نقص ثم سلم وسجد سجدتين - رواه أحمد[912]
وقال الحاكم: أصح أسايند أنس: مالك عـن الزهري عن أنس رضي الله عنه[913]
مثاله حديث مالك عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: كنا نصلى العصر ثم يذهب الذاهب منا الي قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة - رواه مالك في الموطا[914] ورواه الشيخان عنه بواسطة[915]
.................................................................................
أوهى الأسانيد
والحفاظ كما يبنوا أصح الأسانيد كذلك بيّنوا أيضا أضعف الأسانيد وأوهاها، فقال الحاكم في معرفة علوم الحديث، وابن دقيق العيد في الاقتراح:
وأوهي أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث الأعور عن عليّ رضي الله عنه.
وأوهى أسانيد الصديق: صدقة ابن موسى الدقيقي عن فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر رضي الله عنه.
وأوهى أسانيد العُمريين: محمد بن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده، فإن محمدا والقاسم وعبد الله لم يحتج بهم.
وأوهى أسانيد أبي هريرة: السري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأوهى أسانيد عائشة: الحارث بن شـبل عن أم النعمان الكنديـة عن عائشة رضي الله عنها.
وأوهى أسانيد عبد الله ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسـعود رضي الله عنه، إلا أن أبا فزارة كوفي ثقة.
وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر بن قحـذام عن أبيه عن أبان بن أبي عياش عن أنس رضي الله عنه.
وأوهى أسانيد المكيين: عبد الله بن ميمون القداح عن شهاب بن خراش عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه.
.................................................................................
وأوهى أسانيد اليمانيين: حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه.
وأوهى أسانيد المصريين: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد عن أبيه عن جده عن قرة بن عبد الرحمن بن حيويل عن كل من روى عنه.
وأوهى أسانيد الشاميين: محمد بن قيس المصلوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه.
وأوهى أسانيد الخراسانيين: عبد الله بن عبد الرحمن ابن مليحة عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنه، وابن مليحة ونهشل نيسابوريان[916]
(فصل) في قول الترمذي: "حسن صحيح"
فَصْـلٌ : مِنْ عَادَةِ التُّرْمُذِيِّ أَنْ يَقُولَ فِي جَامِعِهِ
(من عادة) الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى ( الترمذي)[917] منسوب إلى مدينة ترمذ، وقال الياقوت الحموي في معجم البدان: "وهي مدينة مشهورة من أمهات المدن، راكبة على نهر جَيحون من جانبه الشرقي، وقد اختلف الناس في ضبطه، بعضهم يقول بفتح التاء وبعضهم يقول بضمها وبعضهم بكسرها، والمتداول على لسان أهـل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفـه فيه قديماً بكسر التاء والميم جميعاً، والذي يقوله المتأنقـون وأهل المعرفة بضم التاء والميم"[918]، (أن يقول في جامعه) والجامع في اصطلاح المحدّثين هو الكتاب الذي جمع جميع أقسام الحديث، وهي ثمانية: العقائد، والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والسير والتاريخ، والفتن، والمناقب[919]
حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ، حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ
(حديث حسن صحيح) أي يقول ذلك بعد رواية بعض الأحاديث.
مثاله ما رواه بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه: انّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أغوذ بك من الخبث والخبائث، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح[920]، فجمع الترمذي رحمه الله بين الصحة والحسن وأطلقهما على حديث واحد.
وكذلك يقول الترمـذي رحمه الله بعد روايـة بعض الأحـاديث (حديث غريب حسن)
ومثاله ما رواه بسنده عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب[921]. فجمع الترمذي رحمه الله بين الحسن والغرابة وأطلقهما على حديث واحد.
وكذلك أيضا يقول الترمذي رحمه الله بعد رواية بعض الأحاديث هذا (حديث حسن غريب صحيح).
مثاله ما رواه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه: انّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم كان يخطب إلى الجذع، فلما اتخذ المنبر حنّ الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن، قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح[922]
فجمع الترمذي رحمه الله بين الغرابة والحسن والصحة وأطلقها معا على حديث واحد.
وَلاَ شُبْهَةَ فِي جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالصِّحَّةِ بِأَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِذَاتِهِ وَصَحِيحًا لِغَيْرِهِ
(ولا شبهة) ولا إشكال ( في جواز اجتماع الحسن والصحة) وإطلاقهما معا على حديث واحد (بأن يكون) حديث واحد (حسنا لذاته) بأن يجتمع فيه شروط الحسن، وقد تقدم بيانه (وصحيحا لغيره) بأن يأتي ذلك الحديث من طريق آخر أو من طرق أخرى بحديث ينجبر قلة ضبطه ويقويه ويرقيه إلى درجة الصحيح كما سبق.
فعلى هذا انّ قول الترمذي رحمه الله "هذا حديث حسن صحيح" يكـون معناه هذا حديث حسن لذاته وصحيح لغيره، فيجتمعان ويصح إطلاقهما على حديث واحـد بهذا الاعتبار.
ولكن هذا التوجيه بعيد جدّا لأنّ الترمذي رحمه الله قد أطلق الصحة والحسن معا على كثير من الأحاديث الصحيحة لذاتها، والمتفق علي صحتها حتى أطلقهما معا على أصح الأسانيد والأحاديث التى أسانيدها في أعلى درجة الصحة، كمالك عن نافع عن ابن عمر والزهري عن سالم عن أبيه وغيرهما.
ومن أمثلة ذلك:
1- حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري حدثنا معن حدثنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حرّ أو عبد ذكرا أو انثى من المسلمين، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح[923]
...................................................................................
2- حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنّ النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم قال: إنّ بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين أم مكتوم، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح [924]
ولا يشك أيّ واحـد له أدنى دارية بعلم الحديث أنّ هذين الحديثين وإسنادهما في غاية الصحـة، والمتفق علي صحتهما لذاتهما، مع ذلك أطلق عليهما الترمـذي الصحة والحسن معا.
فقول الترمذي رحمه الله "حديث حسن صحيح" لا يمكن أن يكون المراد به حسن لذاته وصحيح لغيره، ولذا اضطرب الناس في جمع الترمذي بينهما، لأنّ الحسن دون الصحيح فكيف يجتمعان في إسناد واحد
. قد أنشد السيوطي رحمه الله في ألفيته:
اَلحُكمُ بالصّحَّـةِ والحُسْن عَلَـى مَتْنٍ رَوَاهُ التّرْمذِي واسْـتُشْكِلا
وقد تقـدم في مبحث الحسن أنّ الترمذي قال في تعريفه: "كل حـديث يروى لا يكون في إسـناده متهم بالكذب، ولا يكون الحـديث شاذا، ويروى من غير وجـه، نحو ذلك فهو عندنا حسن[925]
فعلى هذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
"الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهماً كله حسن بشـرط أن لا يكون شـاذاً للأحاديث
...................................................................................
الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعـددة، فإن كان مع ذلك مـن روايـة الثقات العدول الحفاظ فالحديث حينئذ حسن صحيح، وإن كان مع ذلك من روايـة غيرهم من أهل الصدق الذين في حديثهم وهْم وغلط - إما كثيراً أو غالب عليهم - فهو حسن"[926]
فالحسن عند الترمذي رحمه الله عام يصدق على كلّ حديث يروى من غير وجوه سوى المتروك والموضوع، وإن قيّده بالصحيح فلا يصدق إلا على الصحيح.
وهذا أيضا مشكل لأنّ الترمذي قد أطلق لفظ "حسن صحيح" على حديث ليس له إلا وجه واحد، كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ[927]
فلعلّ الترمذي رحمه الله أراد أنّ هذا الحديث لم يرو لفظه إلا من هذا الوجه، ولكن قد روي معناه من وجـوه أخرى، لأنّ المعتبر عنده في كون الحديث حسنا أن يروى معناه من غير وجه لا نفس لفظه، فهذا الحديث صحيح من حيث إنه من رواية رجال الصحيح, وحسن أيضا من حيث إنه روي معناه من غير وجـوه وإن لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه، كما يشير إلى ذلك بقوله بعد هذا الحديث: وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ما يشبه قوله[928]
...................................................................................
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في كتابه الاقتراح: "إنّ ههنا صـفات للرواة تقتضي قبول الرواية، ولتلك الصفات درجات فبعضها فوق بعض، كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلا، فوجود الدرجة الدنيا كالصدق مثلا، وعدم التهمة بالكذب لاينافيه وجود ما هو أعلى منه، كالحفظ والإتقان، فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع الصدق، فيصحّ أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا، وهي الصدق مثلا، صحيح باعتبار الصفة العليا، وهي الحفظ والإتقان.
ويلزم على هذا أن يكون كلّ صحيح حسنا، ويلتزم ذلك ويؤيّـده ورود قولهم: هذا حديث حسن في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود في كلام المتقدمين"[929]
وقال العلامة ابن كثير رحمه الله: " والذي يظهر لي أنّ الترمذي يشرب الحكم بالصحة على الحديث كما يشرب الحسن بالصحة، فعلى هذا يكون ما يقول فيه "حسن صحيح" أعلى رتبة عنـده من الحسن، دون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضـة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن"[930]
أقول: لا يظهر هذا من صنيعة الترمذي أبدا، لأنه قد حكم بالصحة مع الحسن على أحاديث كثيرة في غاية الصحة والمرتبة الأولى، كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، وكحديث الزهري عن سالم عن أبيه وغيرهما مما يعد من أصح الاسانيد، كما تقدم مع المثال. وقلما أن يحكم الترمذي على حديث بالصحة المحضة.
وَكَذَلِكَ فِي اجْتِمَاعِ الْغَرَابَةِ وَالصِّحَّةِ كَمَا أَسْلَفْنَا
قال الزركشي رحمه الله تعقيبا على قول ابن كثير رحمه الله: " ويلزم على هذا أن لا يكون في كتاب الترمذي صحيح إلا قليلا، لقلة اقتصاره على قوله هذا صحيح، مع أنّ الذي يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجود في الصحيحين"[931].
ثم قال الرزكشي رحمه الله: " فإن قلتَ: فما عندك في دفع هذا الاشكال؟ قلتُ: يحتمل أن يريد بقوله "حسن صحيح" في هذه الصورة الخاصة الترادف، واستعمل هذا قليلا تنبيها على جوازه كما استعمله بعضهم حيث وصف الحسن بالصحـة على قول من أدرج الحسن في قسم الصحيح، ويجوز أن يريد حقيقتهما في إسناد واحد باعتبار حالين وزمانين، فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة في حال كونه مستورا أو مشهورا بالصدق والأمانة، ثم ترقى ذلك الرجل المسمع وارتفع حاله إلى درجة العدالة فسمعه منه الترمذي أو غيره مرة أخرى، فأخبر بالوصفين، وقد روى عن غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على الشيخ الواحد غير مرة، وهو قليل.
ويحتمل أن يكون الترمذي أدى اجتهاده إلى حسنه أو بالعكس، أو أنّ الحديث في أعلى درجات الحسن وأوّل درجات الصحيح، فجمع له باعتبار مذهبين"[932]
(وكذلك) لا شبهة (في) جواز (اجتماع الغرابة والصحة) وإطلاقهما معـا على حديث واحد (كما أسلفنا) في مبحث الغرابة من أنّ الغرابة لا تنافي الصحة، لأنّ الغريب هو الحديث الذي تفرّد به الراوي بروايتـه، وإذا كان كلّ من في سنده ثقة مع اجتماع الشروط الأخرى المعتبرة للصحة فيكون صحيحا مع كونه غريبا.
وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْغَرَابَةِ وَالْحُسْنِ فَيَسْتَشْكِلُونَهُ بِأنَّ التَُرْمُذِيَّ اعْتَبَرَ فِي الْحُسْنِ تَعَدُّدَ الطُّرُقِِ فَكَيْفَ يَكُونُ غَرِيبًا
ومن أمثلة ذلك:
ما رواه الترمذي رحمه الله عن قتيبة عن حماد بن زيد عن المعلى بن زياد عن معاويـة بن قرة عن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: العبادة في الهرج كالهجرة اليّ . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح غريب إنما نعرفـه من حماد بن يزيـد عن المعلى بن زياد[933]
فهذا الحديث وصفه الترمذي بالصحة والغرابة، فالحديث صحيح ، وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه بهذا الإسناد نفسه[934]، ومع ذلك غريب لأنه تفرّد به معاويـة بن قرة عن معقل بن يسار رضي الله عنه، وقد روى الحديث ابن ماجة وابن حبان وغيرهما وكلهم من طريق معاوية بن قرة عن معقل بن يسار رضي الله عنه[935]
(وأمااجتماع الغرابة والحسن) وإطلاقهما معا على حديث واحد (فيستشكلونه) أي يعده المحدثون مشكلا (بأنّ الترمذي اعتبر في) تعريف (الحسن تعدّد الطرق) أي مجيئه من وجوه متعددة، لأنّ الترمذي اعتبر في تعريف الحسن أن يروى من غيروجه، كما تقدم. (فكيف يكون) الحسن وفقا على تعريف الترمذي (غريبا) لأنّ الغريب ما لم يتعدّد طرقه ولم يجئ إلا بطريق واحد والحسن بخلافه، فهما متنافيان، فيستحيل أن يجتمعا معا في حديث واحد.
وَيُجِيبُونَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ تَعَدُّدِ الطُّرُقِ فِي الْحُسْنِ لَيْسَ عَلَى اْلإِطْلاَقِ بَلْ فِي قِسْمٍ مِنْهُ، وَحَيْثُ حَكَمَ بِاجْتِمَاعِ الْحُسْنِ وَالْغَرَابَةِ اَلْمُرَادُ قِسْمٌ آخَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى اخْتِلاَفِ الطُّرُقِ بِأَنْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ غَرِيبًا وَفِي بَعْضِهَا حَسَنًا
(ويجيبون) أي المحدثون هم أنفسهم يجيبون بعد إيراد هذا الإشكال (بأنّ اعتبارتعدّد الطرق في الحسن) أي أنّ تعدّد الطرق الذي اعتبره الترمذي في تعريف الحسن حيث قال في تعريفه "يروى من غير وجه نحو ذلك" (ليس على الإطلاق) يعنى أنّ الإمام الترمذي رحمه الله لم يعتبر تعدّد الطرق في تعريف جميع أقسام الحسن، (بل) اعتبر ذلك (في) تعريف (قسم) واحد فقط (منه) أي من الحسن (وحيث حكم) الترمذي رحمه الله عن أيّ حديث (باجتماع الحسن والغرابة) فيه فيكون (المراد قسم آخر) من الحسن.
فالحسن عند الترمذي رحمه الله قسمان: قسم يعتبر فيه تعدّد الطرق، وهو الحسن لغيره، وقسم آخر لا يعتبر فيه تعدّد الطرق بل يكون حسنا بمجيئه بطريق واحد فقط إذا توفر فيه الشروط المعتبرة في تعريف الحسن عند الجمهور. فهو الحسن لذاته. فهذا القسم الثاني قد يكون حسنا مع كونه غريبا. فإذا قال الترمـذي عن أيّ حديث: "هذا حسن غريب" فيكون مراده هو القسم الثاني لا القسم الأوّل.
(وقال بعضهم) أي بعض المحدّثين جوابا للإشكال السابق (أنه) أي الترمذي (أشار بذلك) أي بقوله "حسن غريب" (إلى اختلاف الطرق) للحديث (بأن جاء) ذلك الحديث (في بعض الطرق غريبا و) أن جاء (في بعضها) أي في طريق آخر(حسنا). هذا الجواب أيضا ظاهره مشكل لأنّ الغريب إذا جاء من طريق آخر، تذهب غرابته، فلا يكون غريبا، فلا يصح أن يقال حسن غريب.
...................................................................................
فلعلّ مرادهم أن يكون للحديث طريقان مثلا، طريق عن أبي هريرة وطريق عن ابن عمر مثلا، ولكن طريق أبي هريرة غريب لأنه لم يرو عنه إلا واحد عن واحد مثلا، وطريق ابن عمر حسن حيث روي عنه غير واحد عن غير واحد مثلا ، فالحديث بالنظر إلى طريق أبي هريرة غريب وإلى طريق ابن عمر حسن.
والى هذا الجواب أشار ابن رجب رحمه الله في شرح العلل فقال: "أن يكون إسناده غريباً بحيث لا يعرف بذلك الإسناد إلا من هذا الوجه، ومتنه حسناً بحيث روي من وجهين وأكثر، كما يقول: وفي الباب عن فلان وفلان - فيكون لمعناه شواهد تبين أنّ متنه حسن، وإن كان إسناده غريبا"[936]
ومثاله: ما رواه الترمذي رحمه الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أحبّ الناس إلى الله يوم القيمة وأدناهم منهم مجلسا، إمام عادل وأبغض الناس إلى الله وأبغضهم منهم مجلسا إمام جائر.
قال: وفي الباب عن ابن أبي أوفي، وحـديث أبو سعيد حسن غريب لا نعرفـه إلا من هذا الوجـه[937]
فلعله أراد أنّ هذا الحديث قد روى عن أبي سعيد من هذا الوجه، ولكن له شاهد قد روى عن عبد الله بن أبي أوفى من وجهين أو أكثر، سواء كان بنفس اللفظ أو بمعناه، فالحديث نظرا إلى إسناده إلى أبي سعيد غريب، ونظرا إلى اسناده إلى أبي أوفي حسن، فالحديث حسن غريب.
وَقِيلَ اَلْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ
وقد أجاب الزركشي رحمه الله أيضا بهذا الجواب فقال: "إنّ الغريب يطلق على أقسام: غريب من جهة المتن، وغريب من جهة الإسناد، والمراد هنا الثاني دون الأوّل، لأنّ هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة لكن تفرّد بعضهم عن روايته عن صحابي، فبحسب المتن حسن، لأنه عرف مخرجه واشتهر فوجد شرطه للحسن، وبحسب الإسناد غريب، لأنه لم يرو عن تلك الجماعة إلا واحد، ولا منافاة بين الغريب بهذا المعنى وبين الحسن بخلاف سائر الغرائب فإنها تنافي الحسن"[938]
وقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله جوابا آخر عن بعض المتأخرين فقال: "قد أجاب عن ذلك بعض أكابر المتأخرين بأنه قد يكون أصل الحديث غريباً، ثم تتعدّد طرقه عن بعض رواته، إما التابعي أو من بعده، فإن كانت تلك الطرق كلها صحيحة فهو صحيح غريب، وإن كانت كلها حسنة فهو حسن غريب، وإن كان بعضها صحيحاً وبعضها حسناً فهو صحيح حسن غريب، إذ الحسن عند الترمذي ما تعدّدت طرقه، وليس فيها متهم، وليس شاذاً[939]
وعلى هذا فقول الترمذي رحمه الله: "حديث حسن غريب" يكون معناه، قد تعدّدت طرقه إلى أحد رواته الأصليين، فيكون أصله غريبا ثم صار حسنا، فالحديث حسن غريب.
(وقيل) في الجواب أيضا (الواو بمعنى أو) ولا شك ولا إشكال في أنّ الواو تستعمل بمعنى "أو" مجازا، حين امتناع الجمع بين المعطوف والمعطوف إليـه، ولكن المشكل هو انّ
بِأَنَّهُ يَشُكُّ وَيَتَرَدَّدُ فِي أَنَّهُ غَرِيبٌ أَوْ حَسَنٌ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ جَزْمًا، وَقِيلَ اَلْمُرَادُ بِالْحَسَنِ هَهُنَا لَيْسَ مَعْنَاهُ اْلاصْطِلاَحِيَّ بَل الُّلغْوِيّ بِمَعْنَى مَا يَمِيلُ إِلَيهِ الطَّبْعُ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَعِيدٌ جِدًا.
الإمام الترمذي لم يأت الواو بين الحسن والغريب، ولم يجمع بينهما بالعطف في أيّ موضع من الجامع، فلعله أراد أنّ الترمذي قد حذف الواو العاطفة التى هي بمعنى أو، ولكن يكفي أن يقال إنّ الترمذي حذف "أو" التى تدل على الشك والتردد.
فعلى هذا انّ قول الترمذي "حديث حسن غريب" يكون مراده: هذا الحديث حسن أو غريب،(أو بأنه يشك ويتردّد) عطف تفسير ( في أنه غريب أو حسن) ووقع الترمذي في الشك والتردّد بينهما (لعدم معرفته جزما) أي هو يشك ويتردّد هل هذا الحديث غريب وهل له طريق آخر يعتمد عليه حتى تزيل غرابته ويصير حسنا، فأتى بصيغـة الشك والتردّد.
(وقيل) أيضا في الجواب ( المراد) أي مراد الترمذي ( بالحسن ههنا) أي عند الجمع بين الحسن والغريب (ليس معناه الاصطلاحي) الذي ذكره الترمذي (بل) المراد به هو المعنى (اللغوي ) للحسن (بمعنى ما يميل) ويلائم ( إليه الطبع) ويستحسنه.
(وهذا القول) أي القول بأنّ مراد الترمذي بالحسن هو المعنى اللغوى لا المعنى الاصطلاحي (بعيد جدّا) لأنّ الكلام في المعنى الاصطلاحي لا في المعنى اللغوي.
وقد اعترض ابن دقيق العيد رحمه الله على هذا الجواب قائلا: "وأمّا اطلاق الحسن باعتبار المعنى اللغوي فيلزم عليه أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن، وذلك لا يقوله أحد من أهل الحديث، إذا جروا على اصطلاحهم"[940] .
(فصل): الحسن كالصحيح في الاحتجاج
فَصْلٌ : اَلاِحْتِجَاجُ فِي اْلأَحْكَامِ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ بِالْحَسَنِ لِذَاتِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فِي بَابِ الاِحْتِجَاجِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ.
(الاحتجاج في) إثبات (الأحكام) الشرعية الخمسة وهي الواجب والمباح والكراهـة والحرام والمندوب كما حققـه الأصوليون (بالخبر الصحيح مجمع عليه) أي أجمـع العلماء على جواز الاحتجاج بـه في إثبات الأحكام الشرعيـة (وكذلك) يجـوز الاحتجاج (بالحسن لذاته) فهو كالصحيح في إثبات الأحكام الشرعيـة به (عنـد عامة العلماء)
(وهو) أي الحسن لذاته (ملحق بالصحيح) في الاحتجاج به (وإن كان) الحسن لذاته (دونه) أي دون الصحيح (في المرتبة) لما فيه من نقصان يسير في الضبط والإتقان، كما فهمنا ذلك من تعريف الحسن.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "الحسن يتقاصر عن الصحيح"[941]. قال الزركشي رحمه الله تعقيبا عليه: "يعنى من جهة الرتبة؛ حتى لو تعارض حسن وصحيح قدّم الصحيح، وإلا فهما مستويان في الاحتجاج بهما"[942]
...................................................................................
فالحديث الحسن له حكم الصحيح في الاحتجاج به، حتى أنّ جمعا من العلماء لا يفرقون بين الصحيح والحسن، وكلاهما من قبيل الصحيح عندهم.
قال ابن الصلاح رحمه الله: "من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح لاندراجه في أنواع ما يحتج به"[943]
هذا هو مذهب الحاكم و ابن حبان وابن خزيمة رحمهم الله[944]
قال ابن الصلاح رحمه الله: وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرفاته [945]
فهم لا يفرقون بين الصحيـح والحسن، فإذا قالوا حديث صحيح يمكن أن يكون صحيحا أو حسنا عند غيرهم، فالحديث عندهم نوعان فقط: صحيـح وضعيف.
وقال ابن تيمية: "إنّ هذا- يعنى التفرقة بين الصحيح والحسن- اصطلاح للترمذي، وغير الترمذي من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف"[946]
وتبعه تلميذه الحافظ الذهبي رحمه الله فقال في كتاب الموقظة: "أما الترمذي فهو أوّل من خصّ هذا النوع بالحسن"[947]
ولكن الصواب أنّ استعمال المحدّثين لفظ الحسن على الحديث موجود ومعروف قبل الترمذي بزمن طويل.
...................................................................................
قال ابن الصلاح رحمه الله: "إنّ الحسن يوجد في كلام غير الترمذي من مشائخه والطبقة التى قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما"[948]
وقال الحافظ العراقي رحمه الله: "وقد وجد التعبير في شيوخ الطبقة التى قبله أيضا، كالشافعي رحمه الله، فقال في كتاب اختلاف الحديث: عند ذكر حديث ابن عمر: "لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا".. الحديث، حديث ابن عمر مسند حسن الإسناد، وقال فيه أيضا: سمعت من يروي بإسناد حسن أنّ أبا بكرة ذكر للنبيّ صلىّ الله عليه وسلّم "أنه ركع دون الصف".. الحديث"[949]
قال العسقلاني رحمه الله تعقيبا عليه: " قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي، قال إبراهيم النخعي: كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجال حسان حديثه. وقيل لشعبة كيف تركت أحاديث العرزمي وهي حسان، قال من حسنها فررت، ووجد أيضا في كلام علي المديني، وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم ويعقوب بن أبي شيبة وجماعة، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي ومنهم من لا يريده"[950]
ولكن أكثرهم لا يفرقون بين الصحيح والحسن، قال العسقلاني رحمه الله: "اعلم انّ أكثر أهل الحديث لا يفردون الحسن من الصحيح"[951]
وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي بَلَغَ بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ مَرْتَبَةَ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ أَيْضًا مُجْمَعٌ
وقد استشكل الشيخ ابن دقيق العيد الاحتجاج بالحسن، فقال في الاقتراح: "إنّ الحسن يحتج به، ففيه إشكال، وذلك انّ ههنا أوصافا يجب معها قبول الرواية وإذا وجدت في الراوي – فإما أن يكون هذا الحديث المسمىّ بالحسن مما قد وجدت فيه هذه الصفات على أقل الدرجات التى يجب معها القبول أو لا؟
فإن وجدت فذلك حديث صحيح، وإن لم توجد فلا يجوز الاحتجاج به، وإن سمّي حسنا، اللهم إلاّ أن يُرَدّ هذا إلى أمر اصطلاحي، وهو أن يقال إنّ الصفات التى يجب قبول الرواية معها، لها مراتب ودرجات، فأعلاها هي التى يسمّى الحديث الذي اشتمل رواته عليها صحيحا، وكذلك أوساطها مثلا، وأدناها هو الذي نسميه حسنا، وحينئذ يرجع الأمر في ذلك إلى الاصطلاح، ويكون الكلّ صحيحا في الحقيقة"[952]
(والحديث الضعيف الذي) ليس في سنده متهم بالكذب إذا (بلغ بتعدّد الطرق) أي بمجيئه من طرق متعدّدة (مرتبة الحسن لغيره) وقد تقدّم أنّ الحديث الضيعف إذ انجبر ضـعفه بتعدّد الطرق يرتقي إلى درحة الحسن ويسمّى حسنا لغيره (أيضا مجمع) أي كما أنّ العلماء أجمعوا على جواز الاحتجاج بالحديث الصحيح والحسن لذاته كذلك أجمعوا أيضا على جواز الاحتجاج بالحديث الحسن لغيـره، لأنه هو أيضا ملحق بالصحيـح كما أنّ الحسن لذاته ملحق بالصحيـح في جوزا الاحتجاج به.
وَمَا اشْتَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ مُعْتَبَرٌ فِي فَضَائِلِ اْلأَعْمَالِ لاَ فِي غَيْرِهَا اَلْمُرَادُ مُفْرَدَاتُهُ لاَ مَجْمُوعُهَا لأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْحَسَنِ لاَ فِي الضَّعِيفِ، صَرَّحَ بِهِ اْلأَئِمَّةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِِنْ كَانَ الضَّعِيفُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ حِفْظٍ أََوِ اخْتلاَطٍ أَوْ تَدْلِيسٍ
العمل بالضعيف في فضائل الأعمال
(وما اشتهر) بين الناس (انّ الحديث الضعيف معبتر في فضائل الأعمال) أي يجوزالعمل به في فضائل الأعمال (لا في غيرها) أي لا يجوز به إثبات الأحكام الشرعية (المراد) يعنى أنّ المراد بالقول الشائع من أنّ الحديث الضعيف لا يعتبر إلا في فضائل الأعمال ولا يعتبر في إثبات الأحكام هو (مفرادته) أي أحاد الأحاديث الضعيفة (لامجموعها) أي ليس المراد به الحديث الضعيف الذي انجبر ضعفه بمجيئه بمجمـوع مـن الطرق بل المراد به الضعيف الذي لم ينجبر ضعفه بمجيئه بمجمـوع من الطرق (لأنه) أي الضعيف الذي انجبر ضعفـه بمجيئه بمجموع من الطرق (داخل في الحسن) لغيره كما تقدم بيانه في مبحث الحسن لغيره (لا في الضعيف) فليس هو في حكم الضعيف بل هو في حكم الحسن والصحيح في جواز العمل به في إثبات الأحكام الشرعيـة (صرّح به الأئمة) أي صرّحوا بجواز العمل به في إثبات الأحكام وغيره إذا انجبر ضعفه وارتقى إلى درجة الحسن..
ولكن متى ينجبر ضعفه؟ (وقال بعضهم ) أي المحدّثين (إن كان) ضعف الحديث (الضعيف من جهة سوء حفظ) الراوي (أو اختلاط) الراوي (أو تدليس) الراوي، أي
مَعَ وُجُودِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ يَنْْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ، وَإِِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ اتِّهَامِ الْكَذِبِ أَوِالشُّذُوذِ أَوْ فُحْشِ الْخَطَأ لاَ يَنْجَبِرُ بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ، وَالْحَدِيثُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالضَّعِيفِ وَمَعْمُولٌ بِهِ فِي فَضَائِلِ اْلأَعْمَالِ. وَعَلَى مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا قِيلَ إِنَّ لُحُوقَ الضَّعِيفِ بِالضَّعِيفِ لاَ يُفِيدُ قُوَّةً
برواية المدلّس بالعنعنة (مع وجود الصـدق والديانة) للراوي أي ليس هو فاسقـا ولا متهما بالكذب (ينجبر) ضعـف هذا الحـديث (بتعدد الطرق) ويرتقي إلى درجـة الحسن لغيره
(وإن كان) ضعف ذلك الحديث الضعيف (من جهة اتهام الكذب) أي بكون روايه متهما بالكذب (أوالشذوذ) أي بكون ذلك الحديث شاذا ومتصفا بالشذوذ (أو فحش الخطأ) أي كون خطأ الراوي أكثر من صوابه (لا ينحبر) ضعف ذلك الحديث (بتعدد الطرق) ولا يخرج ولا يرتقي من الضعيف إلى الحسن لغيره.
(و) هذا (الحديث) الضعيف الذي لا ينجبر ضعفه بتعدد الطرق (محكوم عليه) أي يحكم عليه (بالضعف)
(و) مع ذلك هو (معمول به) أي يعمل به (في فضائل الأعمال) بدون إثبات الأحكام من حلال أو حرام أو غيرهما.
قد أفاد المصنف رحمه الله بهذا الكلام بأنّ المتروك أي حديث المتهم بالكذب وحديث فاحش الغلط والضعيف الشديد لا يجوز العمل به في فضائل الأعمال إذا تفرّد، ولكن يجوز إذا كثرت طرقه.
(وعلى مثل هذا) الذي ذكرناه من أنّ الضعيف الشديد لا ينجبر ضعفـه بتعدد الطرق ولا يرتقي إلى حيّز القبول (ينبغي أن يحمل ما قيل: إنّ لحوق الضعيف) الشديد (بالضعيف) الشديد (لا يفيد قوة) ولا ينجبر ضعفـه، ولا يرتقي إلى درجـة القبـول
وَإِلاَّ فَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَتَدَبَّرْ
والحسن بل يبقى بعـد ضعيفا.(وإلا) أي إن لم يحمـل هكذا (فهذا القـول ظاهر الفساد فتدبر) أي فسـاده ظاهر للجميع. لأنّ من البديهي انّ المجموع يوجـد فيه قـوة لاتوجـد في الأحاد
وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه أربعين البلدان: "إنّ الأحاديث الضعاف إذا انضم بعضها إلى بعض مع كثرة تعاضد وتتابع أحدثت قوة وصارت كالاشتهار والاستفاضة الذين يحصل بهما العلم في بعض الأمور"[953]
وهناك كثير من الأحاديث الضعاف التى جائت من طرق كثيـرة مع ذلك لا يزيـل ضعفهـا.
"قال الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الحياء: وكم من حديث له طرق تجمع في جزء لا يصح منها حديث واحد" [954]
ومن هذا النوع حديث "من حفظ على أمتى أربعين حديثا بعثت يوم القيمة فقيها" وله طرق كثيرة، تجمع في جزء واحد، لكن كلها ضعيفة لايصح شيء منها.
وقال الحافظ السخاوي رحمه الله في المقاصد الحسنة: "رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود وابن عباس، وفي الباب عن أنس وعلىّ ومعاذ وأبي هريرة وآخرين، أخـرجها ابن الجوزي في العلل المتناهيـة، قال النووي: طرقها كلها ضيعفة، وليس بثابت، وقال شيخنا - يعنى الحافظ ابن حجر: جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة. وقال أحمد: هذا متن مشهور فيما بين الناس وليس له إسناد صحيـح[955] .
...................................................................................
شروط العمل بالضعيف في فضائل الأعمال
وفي الحقيقة انّ المسلم لا يحتاج إلى تتبع الأحـاديث الضعيفـة للعمل بها في فضائل الأعمال أو في غيـرها، لأنّ الأحاديث الصحيحـة تغني عنه، رغـم ذلك انّ العلماء قد جوّزوا العمـل بها في فضائل الأعمال وتسامحوا فيها فيما لا يتعـلق بالعقائـد والأحكام.
فقال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء لا يجوز العمل في الأحكام ولا يثبت إلا بالحديث الصحيح أو الحسن، ولا يجوز بالحديث الضعيف، لكن يعمل بالضعيف فيما لا يتعلق بالعقائد والأحكام، كفضائل الأعمال والمواعظ وأشباهها"[956]
وقال أيضا: "اتفق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام"[957]
هكذا قد نقل الإمام النووي رحمه الله الاتفاق في جواز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال في عديد من كتبه، ولكن قد نقل بعض العلماء عن الحافظ أبي بكر بن العربي أنه قال:" إنّ الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا"[958]
وعلى كلّ حال أنّ جواز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال ليس على الإطلاق، ولا يصلح لذلك كلّ حديث ضعيف، بل يشترط أن لا يكون ضعفه غير شديـد اتفاقا.
...................................................................................
وقال الحافظ ابن حجر العسـقلاني رحمه الله ثلاثة شروط للعمل بالضعيف في فضائل الأعمال:
أحدها: أن يكون الضعف غير الشـديد، فيخرج من انفرد مـن الكذابين والمتهمين
بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه.
الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط.
وقال: هذان الأخيران ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد[959].
فلا بد أن تعتبر هذه الشروط الثلاثة للعمل بالضعيف في فضائل الأعمال، فالشرط الأوّل منها هو المتفق عليه، شرطه جميع العلماء، وأما الشرط الثاني والثالث ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد وغيرهما من الشافعية.
وقال الشيخ أبوالفتح القشيري في شرح الإلمام: "أن يكون له أصل شاهد لذلك، كاندراجه في عموم أو قاعدة كلية، فأما في غير ذلك فلا يحتج به"
وقال في شرح العمدة: "وهذا الذي قلناه من جواز إدراجـه تحت العمومات نريد بـه في الفعل، لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصـة، لأنّ الحكم باستحبابه على هيئته الخاصـة يحتاج إلى دليل عليـه ولا بد، بخلاف ما إذا بني على أنه من جملة الخيرات التى لا تختص بذلك الوقت، ولا بتلك الهيئة، وهذا هو الذي قلنا بجواز العمـل به"[960]
...................................................................................
ومثال العمل بالضعيف في فضائل الأعمال كالعمل بحديث "أكثروا في الجنازة قول لا اله الا الله"، قال العجلوني: رواه الديلمي عن أنس بسند فيه مقال[961]
وهذا حديث ضعيف، ولكنه ليس بضعيف جدا، إذ ليس في سنده من يتهم بالكذب، رغم ذلك أنه داخل تحت أصل معمول به، لأنه قد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية قول لا اله الا الله بوجه عام بدون تخصيص وقت من الأوقات.
ومنها: ما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الايمان بضـع وسبعون شعبة وأفضـلها قول لا اله الا الله وأدناها إماطة الأذي عن الطريق.
فهذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة يمكن أن تعتبر أصلا شاهدا لذلك، فهي إجازة عامة لذكر لا اله الا الله في أيّ وقت من الأوقات، فيشمل جميعها، ولا يخرج منها وقت المشي مع الجنازة ولا غيره من الأوقات حتى يرد نهي خاص عن ذلك، ولم يرد النهي الخاص عنه عند المشي مع الجنازة، فذكر لا اله الا الله حينئذ داخل في أصل عام يعمل به، ولكن لا يرفع به الصوت بل يخفضـه ويخففـه، وذلك لورود النهي عن رفع الصوت والنياحة مع الجنازة.
وإن ورد نهي خاص عن شيء يدلّ عليه الحديث الضعيف فلا يجوز العمل به اتفاقا.
مثاله: صلاة الرغائب - وهي ثنتا عشرة ركعـة بين المغرب والعشاء ليلة أوّل جمعـة من شهر رجب خاصة - يقول بها بعض المتصوفة، والأحاديث فيها واهية.
...................................................................................
رغم ذلك، من أراد فعلها وإدراجها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات لم يستقـم أيضا أبدا، لأنه صـحّ عن النبي صلىّ الله عليه وسلّم أنه نهي أن تخص ليلة الجمعـة بقيام[962]، وقد روى مسلم رحمه الله وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسـلم: قال: "لا تخصوا ليلة الجمعـة بقيام مـن بين الليالي"[963]
الضعيف يحتج به عند الإمام أحمد
والحديث الضعيف لا يجوز به إثبات الأحكام الشرعية عند الشافعية والمالكية، ولكن ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى جواز ذلك فضلا عن العمل به في فضائل الأعمال، قائلا بأنّ العمل بالضعيف أولى من القياس.
قال ابن تيمية: "والضعيف ما انحط عن درجة الصحيح، ثم قد يكون متروكا وهو أن يكون راويه متهما أو كثير الغلط، وقد يكون حسنا بأن لا يتهم بالكذب، وقال: هذا معنى قول أحمد العمل بالضعيف أولى من القياس"[964]
وقول ابن تيمية يشير إلى أنّ كل ضعيف ليس بمتروك يجوز العمل به عند الإمام أحمد رحمه الله، فالحديث الذي رواه كثير الغلط وسيئ الحفظ من قبيل الحسن عنده ، ويحوز العمل به في إثبات الأحكام الشرعية.
...................................................................................
قال العلامة ابن القيم في اعلام الموقعين: "الأصل الرابع - يعنى من أصول فتاوى الإمام أحمد رحمه الله-: الأخذ بالمرسَلِ والحديثِ الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعـه، وهو الذي رجَّحَـه على القياس.
وليس المرادُ بالضعيف عنـده الباطلَ ولا المنكَرَ ولا ما في روايتـه مُتَّهم بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إليه فالعمل به؛ بل الحديث الضـعيف عنـده قسيم الصحيح وقسم من أقسـام الحَسَن، ولم يكن يقسـم الحديث إلى صحيح وحسـن وضعيف، بل إلى صحيـح وضعيف، وللضعيف عنـده مراتب، فإذا لم يجـد في الباب أثراً يدفعـه ولا قولَ صحابي، ولا إجمـاع على خلافه كان العمـل به عنده أولى من القياس"[965]
فالحديث الضعيف الذي لا يعتبره الشافعيـة إلا في فضائل الأعمال، يجوز العمل به في إثبات الأحكام الشرعيـة عند الإمام أحمد رحمه الله.
وقـد ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بأنه كان يأخـذ بالأحـاديث التـى ضعّفها هو نفسه.
وقال القاضي أبو يعـلى: "قد أطلق أحمد القول في الأخـذ بالحديث الضعيف، فقال مهنا- يعنى ابن يحيى الشامي، صاحب الإمام أحمد رحمه الله-: قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح ، فقيل له: تأخـذ بحديث "كل الناس أكفاء" وأنت تضعفـه!؟ فقال: إنما يضعف إسناده، ولكن العمـل عليه.
...................................................................................
وكذلك قد سأله - عمن تحل له الصدقة – إلى أيّ شيء تذهب في هـذا؟، فقال: إلى حديث حكيم بن جبير، قلت: حكيم ثبت عنـدك في الحديث؟ قال: ليس هو عنـدي ثبتا في الحديث.